Zeqqurat ~ زقّورات

Inam Jaber

The principal servant and minor servants of the temple Zeggura were unquestioningly obedient to their god, whose demands they were convinced they could never satisfy.  A fellow worshipper, an old woman, became so desperate to know the will of the god that she killed herself, and hoped he would reveal it to her ghost.      

The worshippers strove constantly to please their god and carry out the ordinances he imposed on them. They became distraught, and unable to hear clearly or think rationally. Absolute obedience to the god was of utmost importance to them. The Zeggura ended in chaos, comprising death, symbolled by the suicide of the old woman.  

إنعام جابر

كان صباحاً ربيعياً نزقاً سرعان ما سخن القلب في نسماته الباردة ليزيد من حرارتها في أطراف الشمس البعيدة .  رائحة القداح المتهوّرة هربت من خلف الأسوار العالية وانطلقت تغري الهواء حيثما صادفته تأسر بسحرها كلّ من عاهد نفسه أن يحصّنها أمام غزوات الحب والجمال. واستمرت الشوارع بامتدادها في مختلف الاتجاهات ولا سيما تلك التي تؤدي إلى الزقّورات ومنها تلك التي تؤدّي إلى عوالم أقرب في غموضها إلى أجواء الكواكب الأخرى غير المستكشفة بعد والتي ما يزال الخيال ينسج عنها قصصاً منها قصارومنها طوال .

 ألتقت بأحد تلك العوالم وكانت على عجل من أمرها ، لم تر سوى تلك الطريق التي تأخذها الى تلك الزقّورة التي عزمت على دخولها ذلك الصباح، و على السلالم التي توصل الى احدى غرف سدنة المعبد حيث يستقر الإله سمعت نداءً يستغيث صاحبه بمن يرشده. وقفت لترى الشبح الذي كان يصدر ذلك النداء.  كان شبح امرأة هدّتها الشيخوخة ، تمد يديها تستنجد بمن يعينها على صعود السلالم التي توصلها إلى أحد سدنة المعبد.  كان وجهها نضراً  مشرقاً ، وروحها ترفرف بحرية الانعتاق من أيّ وزرأو خطيئة.

” ولكن عجباً ! لم أنتِ هنا؟ “

” خذيني إلى السادن أشرح له ما رأيت في منامي البارحة، الحلم البشع الذي جعلني أتجشّم عناء المجيء وأنا لا أقوى حتى على السير فما بالك بهذه السلالم العالية جدّاً؟”، قال شبح المرأة العجوز الّتي كانت تحمل في إحدى يديها جعبة سوداء فيها لوح عليه رموز تأمل أن تساعدها على المرور للوصول إلى السادن الذي تأمل أن يشرح لها معنى الحلم.

” ولكنّي لا أستطيع أن أهديك السبيل إليه ، فأنا لا أدري السبيل إلى من تنشدين مساعدته.  كما إنّني لا أعتقد أنّك ستلقينه بسهولة فهو منشغل دوماً بنفسه ، يكثر من وضع الدهان والعطور ويروّض نفسه على الامتثال بين يدي الإله الذي يتربع على عرشه في الزقّورة. وأغلب الظّنّ أنّه لكثرة انشغاله بالاستعداد لملاقاة الإله ينسى ما يكلَّف به من طلبات”

” لا بأس، حاولي ، كفاك الله شر الأشرار.”

” سيدتي أؤكّد لك  أن لا ناقة لي ولا جمل في هذا العالم الذي تنوين اقتحامه.  ولكن لا بأس عليك ، سأحاول أن أتوسّل إلى من قد يأخذك أو من واجبه أن يفعل في هذا المكان إلى من تنشدين..”

” يا إلهي ما العمل الآن ؟ ” قالت المرأة ” هل أتركها على السلالم بينما أسأل من تستنجد به؟ ولكن قد تسقط وكيف لي أن أتحمّل اللعنة بعدها؟”

عند أول منعطف بعد السلالم الأولى حيث مكان السادن الأول عثرت على خادم يبدو مطيعاً وذا قلب رؤوم. سألته ، بدا أنّه يستمع إليها ولكن لم يبدر عنه ما يدلّ على فهمه لما قالت.  كرّرت عليه الطلب ، نظر بعينين تنمّان عن تركيز أكبر، بيد أنه لفرط ما ركّز هذه المرة لم يستوعب ما قالت.

” يا خادم المعبد! دعني أشرح لك سبب قلقي وانزعاجي علّك تدلّني على السادن الأول” قال شبح المرأة العجوز ألتي بدت وكأنها خجلى لفرط تواضعها.

“سيدتي لا شأن لي بما تطلبين” قال الخادم متبرّماً.

يبدو أنّه كان مكلّفاً بمهمّة مستعجلة أو ربّما غير مستعجلة ولكنّ هذا لا يغير من الأمر شيئاً، فهو على يبدو لم يرد أن يصغي وكفى .

“ألم تسمعي ما قالت ؟ دلّيها أنت إليه .” قال غير مكترث أبداً.

” أعتقد أنّه من واجبكم أنتم ، واجب من يعمل في خدمة الإله في هذا المعبد أن ينفّذ لها ما تريد .”

” حاولي أن تساعديها. إنّها تستحقّ العون وسيكافئك الإله على عمل الإحسان هذا.” قال الخادم.

” تعالي نبحث عن خادم آخر ، علّه يساعدنا.”

” هل تعتقدين أنّنا سنلقى من يساعدنا هنا؟ ” سأل شبح المرأة العجوز.

” ربّما. لنحاول مرة أخرى”.

” تعالي! أرى هناك امرأة ربّما تكون من خادمات المعبد”

” وهل يمكنها أن تأخذني الى الإله مباشرة ؟ اسأليها. ربّما يمكنها أن تفعل ذلك دون الحاجة إلى كبير السدنة الذي تاه عنّا هو الآخر.” قال شبح المرأة العجوز.

” لا بأس، سأفعل.”

” سيدتي، هذه المرأة تلتمس مساعدتك. معها لوح عليه رموز قد تساعدك على تسهيل تنفيذ طلبها . إنّها ترى نفسها في خطر في الحلم البشع الذي رأته ليلة البارحة وفيه ترى من يهدّدها بقتل الألوان في عينيها فأتت مذعورة تنشد مساعدة الإله.”

كانت سيدة جميلة وأنيقة غيرأنّ جمالها بليد وساكن.  في عملها كانت تشبه الماكنة ونظراتها جامدة وكأنّها تبعث شعاعاً كسولاً لا يمتد سوى بضع خطوات لينكسر ويختزل نفسه بنفسه. وبدت عيناها وكأنّهما مصباحان بشكلهما و ضوئهما ، بيد أنهما مصباحان متلفّعان بضباب صباح تجمّد من شدّة البرد.

ظلّت تلك السيدة رغم تكرار السؤال عليها وتوضيح الأمر بمزيد من التفاصيل تنظر بعينين أضناهما كسل الضوء المنبعث منهما وظل الشعاع الذي تصدرانِهِ يرحل مسافة قصيرة فينكسر حتى ارتدّت الأشعة فتكدّست عندها  فأحالتها الى كائن متجمّد جسداً وروحاً وشكلاً  وسرى الانجماد ليستقر في أطراف أصابعها التي راحت تلملم بعض الأشياء التي لا ترى بالعين ولكن يمكن أن تحَسّ. لم تنطق ولو بكلمة واحدة وظلت منشغلة بنفسها وظلّت شفتاها مزمومتين وكأنهما تحرصان على ألّا تدعا ولو حرفاً واحداً يهرب من بينهما.  من يدري؟ لعلّها حرصت على أن تكتم سرّاً ما ولعلّه سرّ الإله نفسه.  أصرّت على سكوتها الذي أحالها إلى تمثال يسري فيه تيّار كهربائي لا غير.

” يا إلهي ! ما العمل الآن ؟ هل أموت بِحيرتي؟” قال شبح المرأة العجوز.

” سيّدتي لا تيأسي فهذا المكان عادة ما يضجّ بخدّام الإله.”

“ربّما ذاك الرجل الذي يبدو نشيطاً يمكنه تقديم العون . لنتقدّم نحوه ونسأله”

بدا ذلك الرجل الذي توسّط في جلسته اثنين- رجلاً وامرأة- وكأنّه غير موجود. كان موجوداً جسداً، أمّا تركيزه وانتباهه فكانا في مكان آخر. بدءاً ردّ التحية على شبح المرأة العجوز وفي صدى تحيّته شعرت بنوع من حرارة الترحيب ولكن سرعان ما انشغل، أو بالأحرى تشاغل عنها، بالرجل عن يمينه والمرأة عن يساره فنسي السؤال. وعندما كرّرت عليه السؤال ظنّاً منها إنّه لم ينتبه إليها بدا وكأنه يسخر منها لا لشيء سوى لأنّها طلبت منه شيئاً بينما هو منشغل بمن حوله . غادر شبح المرأة العجوز المكان بعد أن ضاق ذرعا به و بمن فيه . وكادت أن تسقط وهي تنزل السلالم لولا أنّ المرأة أمسكت بيدها في اللحظة المناسبة.

حينها قرّر شبح المرأة العجوز أن يجمع الرموز التي كادت ان تتناثر في جعبتها لتجد طريقها هذه المرة بنفسها. صعدت سلالم ونزلت أخرى وكانت على حافة الموت عندما أوشكت على السقوط أكثر من مرة وتنقّلت مذعورة بين متاهات أروقة متعددة . ومن دون أن تعلم كيف وصلت لوحدها وجدت نفسها أمام الإله.

نعم إنّه الإله الذي تبحث عنه, وكانت الطامّة الكبرى! يا ليتها لم تجده, فقد وجدته قميئاً  نزقاً  متهوّراً ونظراته مريبة وقلقة وتكاد من فرط قلقها تفرّ من محاجرها وصوته كان يثير السخرية ، يتنطّط هنا وهناك مثل طفل جُنّ لضياع لعبة من لعبه أو لأنّه أصرّ على تناول المزيد من الحلوى فحرمته أمّه منها.

ما إن رأته على تلك الحال حتّى رمت بنفسها من أعلى الزقّورة فتطايرت الرموز التي كانت في جعبتها وبقيت تنتظر من يفكّها.

في خارج الزقّورة ظلّت الطرقات تمتدّ وتمتدّ والفوضى قائمة وضحكات السخرية تتعالى.

Leave a Reply