العراق وفلسفة عن التّاريخ

محمود سعيد

wire art: Clair Lester

دور حركة الفلسفة في القرون الوسطى في العراق

حكمة قاطع طريق

كان أحد المثقّفين قادماً من شيراز إلى العراق عندما وقفت عصابة تقطع طريق القافلة، وقبل أن يقوم قطّاع الطريق بأيّ عمل انتظروا زعيمهم يستعرض الضحايا، ثمّ صدر الأمر العلوي أن ينهبوا كلّ شيء ولا يُترك للقافلة سوى ملابسهم، لكنّ أحد الضحايا -بعد خسارته كلّ ما يملك- هرع إلى رئيس العصابة وقال له: لا مانع لديّ من احتفاظكم بكلّ بما أخذتموه منّي إلّا ذلك القمطر (كيس مبطّن بالقماش المشمّع تحفظ فيه الكتب) لأنّ فيه حصيلة ما حفظت ودرست وكتبت عمري كلّه. فقال له الرئيس مبتسماً: إن كان ما حفظتَ ودرستَ وكتبتَ فهو في عقلك، فما حاجتك إليه؟ فوجم الشاب ولم يحضره ما يجيب به، ثم قال الرّئيس: إنّكم لا تستفيدون من الكتب شيئاً. وأمر بإعطائه القمطر. حينما وصل ذلك المثقّف بغداد حبس نفسه ثلاث سنين وحفظ كلّ ما في الكتب كي لا يتعرّض إلى مثل هذه الحالة في المستقبل. كان هذا الشاب الإمام الغزاليّ.

ابن رشد والغزاليّ

وصلني من الأخ وسيم درويش:

“لكنّ شكّ الغزالي أوصله إلى نقض الفلسفة وتجميد النشاط العقلي في الدين والحياة وهو ما سارت عليه الأجيال الإسلامية المتعاقبة إلّا ما ندر، بخلاف شكّ ديكارت الداعي إلى مزيد من التّثبّت وإعمال العقل.”

في الحقيقة لم يشكَّ الغزالي بالعقل مطلقاً فيُنسَب إليه تجميده، لكنّه شكَّ بالمسلّمات التي استند إليها الفلاسفة لأنّهم بالغوا في الخيال. ما أثار الخلاف بين هذين الرجلين العظيمين (ابن رشد والغزالي) كان موقفاً آخر اقتضاه الوضع السياسي للمنطقة، وكان لكلّ واحد منهما موقف مختلف. وإذا نظرنا إلى الوضع السياسي للدولة الإسلامية آنذاك رأيناه يمور بالفتن؛ البلاد مقسّمة تحت حكم أمراء الطوائف والإمارات الاندلسية آخذة بالانهيارواحدة إثر أخرى تحت ضربات “الفونس” تتحالف معه ومع ملوك العدو لضرب بعضها. كاد الحكم العربي أن يختفي جملة وتفصيلاً فاستعان بعض العلماء “بابن تاشفين” حاكم المغرب القوي – وكان هذا متديّناً- فتردّد في مشروعية الحرب. عندئذ أشاروا عليه أن يأخذ رأي الغزالي فأرسل له عالماً جليلاً هو والد الفيلسوف الشاعر “ابن العربي” برسالة، فأجابه الغزالي أن يحيّد دويلات الطوائف الأندلسية حتى لو اقتضى ذلك حربها. وهكذا دخل ابن تاشفين الأندلس وانتصر على الإفرنج. هنا بدأ الخصام بين الرجلين لأنّ ابن رشد كان من المقرّبين لأحد ملوك الطوائف يغدق عليه ما يحتاجه، لكن بعد أن انهار معظمهم وبعد أن مات ابن تاشفين لجأ ابن رشد إلى الموحّدين المغاربة الحكّام الجدد فقرّبوه، ثم اشتغل الحسد في قلوب الحاشية فانقلبوا عليه، علماً بأنّ هؤلاء الفلاسفة والشعراء العظام لم يكونوا يستطيعون العيش من دون أن يتقرّبوا من حاكم يقوم بالإنفاق عليهم إلّا القليل القليل النادر كالخليل بن أحمد الفراهيدي الذي رفض حتّى أن يؤدّب ابن أقوى حكّام الجنوب العراقي حاكم الأحواز، وفعل الشيء ذاته محمّد بن سيرين البصري فاشتغل بالتجارة كي يبتعد عن التّكسّب بالعلم. ومثلهما الغزالي إذ لم يلجأ إلى حاكم لكنّه كان يدرّس براتب في المدرسة النظامية، ووقف موقفاً أخلاقياً من الفلسفة؛ فأرسطو يقول إنّ الله غير موجود والعالم خلق بمحض المصادفة، وكان معظم الفلاسفة المسلمين يؤمنون بذلك لكنّهم لا يستطيعون التصريح بالقول، فأخذوا يحومون حوله ويعبّرون بنصوص ذات أساليب ملتوية لا تجذب سخط الحكّام.

ابن رشد متديّن يؤمن بوجود إله لكنّه يقول إنّ هذا الإله لم يتدخّل بخلق العالم، فالعالم أزليّ. لكنَّ الغزالي لم يكفّر ابن رشد وكان انتقاده للفلاسفة مؤدّباً مدروساً، وسبب السخط عليه موقفه من الحواسّ لأنّه عالج الحواسّ وفق منطق الشّكّ وهذا ما أغضب ابن رشد. وهنا علينا أن نحكّم عقولنا ولا نمشي كقطيع من الغنم، إن قال الكبش: “باع ” ردّدنا جميعاً وراءه: ” باع”. خذ مثلاً: هل تجد فرقاً بين موقفين واحد للغزالي وآخر لديكارت؟ عندما ردّ ابن رشد على الغزالي في تهافت التهافت لم يكن ديكارت قد خلق، كان عليه أن ينتظر خمسة قرون.
يقول الغزالي: “لا ثقة بالمحسوسات، وأقواها حاسّة هي حاسّة البصر. فأنت تنظر إلى الظّلّ فتراه واقفاً غير متحرّك فتحكم بنفي الحركة ثم تدرك بعد ساعة أنّه متحرّك (لأنّه غيّر مكانه)، وتنظر إلى الكوكب فتراه صغيراً في مقدار دينار (العملة المدوّرة) وتدلّ الأدلة الهندسية على أنّه أكبر من الأرض بالمقادر (القياسات)”.
الموضوع ذاته تناوله ديكارت بعد خمسة القرون:
ديكارت: “أرى من شبّاكي قبّعات ومعاطف في الشارع ربّما تكون لأشياء صناعية تحرّكها لوالب لكنّي أحكم عليها بأنّها رجال يمشون في الشارع. أدركت ذلك بما يوجد في دماغي من قوّة الحكم على ما نظرت إليه عيناي”.
بطبيعة الحال يوصف ديكارت بأبي الفلسفة الحديثة.
خذ هذين المثلين واحكم بعقلك، كيف يوصف أحدهما بأبي الفلسفة الحديثة ويوصف الثاني بعدوّ الفلسفة وكلاهما تشابها على الرّغم من الزمن الطويل؟ فكّر واحكم.
والحقيقة هي أنّ الفلاسفة المسلمين هاجموا الفلسفة اليونانية لأنّهم لم يفهموها، وفي رأيي إنّ النقد الموجّه إلى الفلاسفة متأتٍّ بالدرجة الأولى من الترجمة، فقد ترجمت الفلسفة اليونانية إلى البهلوية والسنسكريتية والسريانية ثم بعد ذلك إلى العربية. يعني هذا أنّها ترجمت أربع مرات، فهل بقيت مصطلحاتها بالمعنى ذاته حين انتقلت من لغة إلى أخرى؟ لا، مستحيل. لم تكن آنذاك قواميس شاملة كما يوجد اليوم، الجميع يعتمد على الذاكرة وقد يخطئ المرء مترجماً وقارئاً، ولذلك ذكر الفلاسفة المسلمون قضايا غير معقولة ولا منطقية، مثل أنّ هذه السماء التي ننظر إليها هي الأولى وتوجد سماء فوقها لمخلوقات أخرى وسماء ثالثة لغيرهم، وهذه الفكرة يصعب القبول بها الآن. وهناك مثل المجسيطي وترّهاته وعشرات المصطلحات التي لا تقبل العقل ولا العقل يقبلها. ونقد الغزالي كان موجّهاً إلى هذه الزوائد لا إلى روح الفلسفة إذ كان من المؤمنين بالعقل وقواه. وهو متّفق مع ابن رشد في تقسيماته لكن ليس بمثل هذه الفروق:
النوع الأوّل: عقل يقيني محكم يصل إلى نتائج بيِّنة ضرورية وربط الأدلة ببعضها وهو الذي يكوِّن الفلسفة، ولكنّ هذا لا يتسنَّى إلّا لقلّة من العقول الموهوبة بالقدر الذي يجعلها تكرِّس نفسها لها.
النوع الثاني: عقول منطقية تكتفي بالبراهين الجدلية.
النوع الثالث: العقول التي تستجيب للوعظ والأدلة الخطابية، وهذه غير مهيّأة لاتِّباع الاستدلال.
لكن في رأيي لو كان الوضع السياسي العربي يستند إلى مساهمة الشعب بالحكم لتغيّر الأمر.

لم يكن الوضع في أوروبا أفضل فبعد أقل من قرن دخلت الدول الأوربية التي تسيطر عليها الكاثوليكية في ظلام ما بعده ظلام، إذ أُسّست محاكم التفتيش واستحر القتل بالشعب شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً، فقتل في فرنسا وحدها أكثر من ثلاثين مليون بروتستانتي وكذلك كان الحال في إسبانيا. وكاد أن يختفي من يستعمل عقله، ففي روما وحدها أحرقت ثمانون امرأة في سنة واحدة بتهمة السحر، وامتنع الناس عن قطف الزهور لمعالجة المرضى؛ فمن يفعل ذلك طبيب -حتى لو كان أمّيّاً- والطبيب ساحر يساهم سكّان القرية كلهم بقتله بالسهام والسكاكين والسيوف لأنّ ذلك يقرّبهم لله، ثم يحرقون الضحية!

العراق والعالم

يتّفق كتّاب الحضارة والتّاريخ جميعاً – وبخاصّة من درسوا تاريخ العالم بشكل علميّ- على أنَّ العراق هو مركز العالم القديم منذ نشأة البشريّة وهو نقطة التقاء القارّات الثّلاث: آسيا، أوروبا، أفريقيا. وقد يسأل سائل: لماذا؟

تاريخ الحضارة العالميّة هو في حقيقته تاريخ التّجارة لأنَّ التّجارة عرض وطلب تنتقل فيها البضائع حسب حاجة المناطق. ولكي تزدهر التّجارة تحتاج إلى سجلّات، ولكي ينجز المجتمع سجلّات تجاريّة اخترع الكتابة، لهذا كانت الكتابة إنجازاً عراقيّاً تجاريّاً أوّلاً، ثمّ جاء بعدها إقامة دولة فاجتراح القوانين وتطوير البنية المعاشيّة وإقامة صروح العلم والفنّ والأدب.
يُعَدُّ العراق مركز العالم القديم الّذي كان عالم تجارة بالدّرجة الأولى منذ أكثر من عشرة آلاف سنة، والتّجارة تفرض قوانينها على الجميع منتقلة حسب الحاجة، وقانون انتقال البضائع وتبادلها هو التّجارة. فأفريقيا تحتاج نتاج آسيا وأوروبا، وآسيا تحتاج نتاج أفريقيا وأوروبا، وهكذا. على سبيل المثال، ازدهرت صناعة البورسلين في الصّين لكنّ البورسلين الجيّد يحتاج الألوان ليصبح جذّاباً، والمعادن الّتي تلوّنه كانت موجودة في إيران والعراق وتركيا لهذا وصلت بعثات سفن الصّين إلى العراق خصوصاً إلى خليج البصرة الّذي كان يصل آنذاك إلى بحر النّجف، فحملوا الألوان. وعندما وجد الصّينيون التّمور والذّهب والفضّة وجلود الحيوانات الفاخرة القادمة من أفريقيا ووجدوا في العراق الجعة “البيرة” تاجروا بها وأخذوها إلى بلادهم. بعد ذلك بدأ الصّينيّون بتزويد أسواق العراقيّين بالمسامير والسّيوف والخشب، فسُدَّت حاجة العراق والشّرق الأوسط وامتدّ ذلك إلى قارّتي أوروبا وأفريقيا. ساهمت أوروبا بالتّجارة فجلبت المعادن والسّيوف والسّلاح إلى العراق ليشتريها الصّينيّون والهنود والأقوام الآسيويّة والأفريقيّة.

كان هناك طريقان يربطان العالم كلّه، أحدهما برّيّ هو طريق الحرير الّذي كان يجلب الحرير من الصّين إلى العراق فيُصدَّر إلى دول العالم جميعها ، والطّريق البحريّ الّذي كان يربط الصّين بالهند مارّاً بجنوب شرق آسيا فالهند فالعراق ليصل أوروبا وأفريقيا. ولابدّ للطّريقين أن يلتقيا في العراق، فليس لهما ملتقى آخر، ومن العراق يتفرّعان إلى دول العالم معظمها. لهذا يُعَدُّ العراق مركز العالم القديم. إنّ اختراع الكتابة -الّذي جاء نتيجة حاجة التّجارة لتسجيلٍ و حساب – يؤشّر إلى بدء التعليم في العراق. وقد سجّل العراقيون حوادث التاريخ وآراء الفلسفة والرّياضيّات وكلّ ما استجدّ في الحضارة. يفسّر هذا كلّه ظهور أوّل إمبراطورية في التاريخ في العراق، وهي إمبراطورية سرجون الأكدي. ومنذ ذلك التاريخ تعاقبت الإمبراطوريات على العراق، فبعد الأكاديّين جاء البابليّون فالسّاسانيّون فالفرس فالعرب فالمغول فالعثمانيّون ليؤول الأمر بعد ذلك للإنكليز.

ازدادت أهمّيّة العراق في العصر الحديث بعد اكتشاف النّفط. وبعد إسقاط الدّولة العثمانيّة هرعت بريطانيا لاستعمار العراق لتستأثربأهمّ نقطتين: الطّريق الاستراتيجيّ العالميّ للتّجارة والنّفط. ولكي يبقى العراق ضعيفاً إلى الأبد، سعى البريطانيّون لإذكاء خلاف سنّيّ شيعيّ وجعلوه نقطة صراع أبديّ. فحالما دُحر العثمانيون سيطرت قوات بريطانيا على العراق وعُيّنت “مسز بل” حاكمة له ومصرّفة لشؤونه. أعلنت هذه أنّ الشيعة يشكّلون 60% من سكّان العراق و يمثّل السُّنّة 18% والأكراد 12% مع أقلّيّات أخرى. إنَّ هذه النسب تديم التفرقة وتؤجّج صراعاً دائماً.

إذا كان العثمانيون أو الاحتلال البريطاني – من بعدهم- لم يُجروا أيّ تعداد سكّانيّ أو ديني أو طائفي فمن أين جاء البريطانيّون بتلك النِّسَب؟ إنّها نسب وهمية مختلقة لإبقاء الصراع سياسياً دينياً قومياً لوجود الأكراد والتركمان والآثوريين وغيرهم، فضلاً عن وقوع العراق وسط دول مهيّأة للاختلاف كإيران والسعودية ودول الخليج ممّا يجعل الصراع في العراق يمتدّ إلى العالم الإسلامي أجمعه بين الشيعة والسنّة. لهذا تشتدّ الهجمة على الحضارة العربية الإسلامية بغية تشويهها و تدميرها بوساطة الفضائيات والدعايات والبثّ الإلكتروني والعادي ولتدمير مقوّمات النهوض كلّها حاضراً ومستقبلاً. ولعلّ سرقة المتحف العراقي وتدمير أهمّ الآثار إحدى وسائل قطع حاضر هذا الشعب عن ماضيه وإنهاء تأثيره. ولتحقيق هدف إبقاء العراق تحت سيطرة أمريكا شيّدوا في المنطقة الخضراء في بغداد أكبر السّفارات وأقواها في تاريخ البشرية؛ تبلغ مساحتها 104 هكتارات لتكون أكبر بستّة أضعاف من مجمع الأمم المتّحدة في نيويورك وبعشرة أضعاف من سفارتها في بكين. بلغت كلفة إنشائها حوالي مليار دولار وتبلغ تكلفة إدارتها السنوية مليار دولار، فيها عشرون مبنى وألف موظّف، وتُعَدُّ مدينة مستقلّة تضمّ السكن والأسواق ووسائل الترفيه ومولّدات الطاقة والتنقية والتصفية لكي يمكنها البقاء مستقلة تماماً لعدّة أعوام!

Leave a Reply