كلمات في الذكرى الثلاثين للعدوان الصهيو- أميركي على العراق عام 1991 (حرب الخليج الثانية)

أ.د. عادل محمّد حسين العليّان

في ليلة 16/ 17 كانون الثاني 1991 أقدمت إدارة جورج بوش الأب الأمريكية المتصهينة وبمعيّتها دول عربية وإقليمية وأجنبية فاق عددها الثلاثين على تنفيذ واحدة من أكبر جرائم الحروب في العالم بالعدوان على جمهورية العراق.

ولا بدّ لنا من استذكار دروس ذلك العدوان الثلاثيني وما نتج عنه لأكثر من ربع قرن من السنوات الحرجة ومن المآسي المريرة والأحداث الجسام التي عاشها شعبنا في العراق لأخذ العبرة منها، ولا بدّ من وقفات واستنتاجات مهمّة أوّلها أنّ قرار الحرب جاء ترضية للدوائر الصهيونية والأمريكية المعادية للعراق بعد أن تجاوز هذا البلد النامي عتبات الفقر والأمّيّة والمرض والتخلف وقدّم أنموذجاً متقدّماً في الاكتفاء الذاتي والتطور العلمي والتقني وتمكّن ببسالة منقطعة النظير من تحقيق الانتصار في حرب السنوات الثمان التي فُرضت عليه، فأحبط بجسارة وشجاعة وبتضحيات جسيمة المخطّطات الحاقدة على عروبة العراق وموقعه الرائد في محيطه ومنطقته العربية وتسيّده السياسي والاقتصادي والعسكري وتشكيله خطراً داهماً على الكيان الصهيوني وسعيه لتحرير الأراضي العربية المحتلة .

ومهما يكن من أمر، ما كان لذلك العدوان الثلاثيني أن يحدث ويدمّر العراق في ذلك اليوم لو كان العالم حينها كان قادراً على لجم قادة البنتاغون وتهوّرهم السياسي والعسكري ووقف إصرار الرئيس الأمريكي بوش الأب واندفاعه في خدمة مخططات المحافظين الجدد وجرّه – بشكل سيء- بالابتزاز السياسي والاقتصادي والعسكري مجموعةً من الدول العربية والأجنبية لتمثّل دوراً بشعاً ضد العراق وتشارك في العدوان، كي تتفرّغ القوات الأمريكية والبريطانية إلى استخدام كلّ ما بجعبتها من أسلحة الدمار الشامل – ومنها أعتدة اليورانيوم المنضّب- فتسقط حممها المحرقة والمشعّة على المدن العراقية جميعاً من دون تفريق بين هدف مدني وآخرعسكري، لتتمّم السياسة الأمريكية مخطّطاتها في تدمير البنى التحتية العراقية كلّها: المدارس والجامعات والمستشفيات ودور العبادة والجسور والطرق والمطارات والمصانع ومنظومات الطاقة الكهربائية ومراكز البحث العلمي وكلّ ما في مقوّمات الحياة والمدنية والحضارة من أثر قامت ببنائه سواعد العراقيين الأبطال خلال عقود من الزمن.

إنّ صمود العراق بوجه العدوان البربري تجلّى في قيام جيشه الوطني بصدّ العدوان في جبهاته المختلفة بصمود أسطوري شهد به العالم، وقد أثبت أبطال العراق وعلماء التصنيع العسكري وجنوده جدارتهم بتلك الثقة الكبيرة التي أولاها لهم شعبهم في قدرتهم على ردع كلّ من تطاول على شعب العراق.

ما إن توقّفت آلة العدوان بجانبيها العسكري والحربي حتّى تمّت استعادة الأمن في مدن العراق وبدأ العمل لإعادة نبض الحياة وديمومتها والشروع بإعمار ما دمّره العدوان الأمريكي وحلفاؤه في ظل ظروف دولية قاسية استمرت فيها قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن بفرض الحصار الظالم على العراق في أسوأ صفحة من التاريخ الإنساني ومعاقبة شعبه ظلماً وعدواناً باسم الشرعية الدولية المتواطئة مع السياسة الأمريكية ضد العراق.

ولقد أجهض العراقيون الغيارى الصفحة التالية من الغدر، فقاوموا الحصار وأكّدوا للعالم عبقريتهم وقدراتهم الفذّة في بناء ما خرّبته يد العدوان في ظل ظروف داخلية وخارجية قاسية استمرت ثلاث عشرة سنة، حتّى كان يوم التاسع من نيسان 2003 البغيض وجاءت القوات الأمريكية وحلفاءها مرّة أخرى غازية ومستخدمة أنواع الأسلحة المحرّمة كافّة والتي لم تُجرّب أبداً في أيّ من الحروب السابقة، ومنها أسلحة قنابل النيوترون والقذائف الفراغية والفوسفورية والصواريخ بأنواعها، ليستباح العراق من جديد ويصل إلى ما وصل إليه اليوم في ظلّ حكم الاحتلال الأمريكي – الإقليمي لسنوات طويلة ومريرة.

إنّ شعبنا العراقي إذ يستعيد هذه الذكرى الأليمة ودروسها الثرية ومعانيها فهو على ثقة تامّة بأنّ فجر الأمل قادم حاملاً معه روح النصر والسلام الدائم الذي سيعمّ في ربوع وطننا العظيم المعطاء، وسيثبت العراقيون النجباء للعالم أنّهم أصحاب حضارة لا يمكن هزيمتها مهما تعرّضت لعاديات الزمن البغيض، وسينهض شعب العراق ويسير نحو الذرى ويسطّر للبشرية جمعاء أروع صور البطولة والفداء الممزوجة بحسّه الوطني الغيور الذي لا يعلوعليه إحساس.

حفظ الله العراق وشعبه الحرّ الأمين وعاش العراق من أقصاه إلى أقصاه.

Leave a Reply