The Foundation of Islamic Art ~ أساسيّات الفنّ الإسلاميّ

Abstract:

This is a chapter from Sacred Art of East and West1Principes et méthodes de l’art sacré, Lyon, France: Paul Derain, 1958 ; rééditions : Paris, Dervy, 1976, 1995, 2011., in which the Austrian intellectual and philosopher Titus Burckhardt. defines the meaning and spiritual use of sacred art. Here he concentrates on the Islamic art as a great civilisation through the styles and methods as they are the vehicles of tradition.

أساسيّات الفنّ الإسلاميّ: تيتوس بُركهارت
ترجمها من الفرنسية إلى الإنجليزيّة لورد نورث بورن
ترجمتها إلى العربيّة سيرين خالد الهاشميّ

“إنَّ الله جميل يحبُّ الجمال”
حديث شريف

الله جميل يحبّ الجمال

يتمحور الدين الإسلامي حول فكرة الوحدانيّة2 وحدانيّة الله سبحانه وتعالى عندما دخل المسلمون مكّة المكرّمة أمر الرسول الكريم (ص) بتحطيم الأصنام التي كانت تعبد من قبل العرب قبل الإسلام في باحة الكعبة، ثم دخل الحرم وكانت جدرانه مزيّنة برسومات رسمها أحد الفنّانين البيزنطيين ومن بينها صورة لنبيّ الله إبراهيم (عليه السلام) وهو يوحى إليه و أخرى للسيدة العذراء وطفلها (عليهما السلام) فقام الرسول بتغطيتها بيديه وطلب إزالة بقية الصور
وعلى الرّغم من أنَّ الوحدانيّة -كفكرة- واضحة وراسخة إلّا أنّها تقدّم نفسها للعقل البشريّ فكرة مجرّدة، ويفسّر لنا هذا إلى حدّ كبير السّمات التجريدية للفنّ الإسلامي المرتكز على وحدانيّة الذات الإلهية والتي لا يمكن التعبير عنها بأيّ شكل مصوّر.
وفي الحقيقة فإنَّ الصور ليست ممنوعة بشكل مطلق في الإسلام حيث يمكن تقبّل صورة عادية كتعبير عن الفنّ الدنيوي فقط ولكن بشرط أن لا تمثّل وجه الله سبحانه ولا وجه النّبيّ أو أيّ من أنبياء الله.
كما يمكن تقبّل الصور التي تعكس ظلّاً عندما يعبّر عنها بشكل جامد فقط وغرائبيّ -أيّ بعيد عن الواقع- والصور التي تُنحَت أو تُصوَّر في القصور أو تُنقَش على المجوهرات3سأل أحد الفنّانين من المعتنقين الإسلام حديثاً العبّاس (رض) عمّ النّبييّ معبّراً عن حيرته فيما يجب عليه رسمه او نحته فأخبره العبّاس (رض) أن يعمد إلى رسم النباتات والحيوانات بشكل لا يشابه الواقع قدر الإمكان.
وهناك سببان لعدم السماح بوضع الصور والرسومات في المساجد:
أوّلهما أنّ هذه الصور ستعدّ مرادفة للوجود غير المرئيّ لله –عز وجلَّ- والذي من شأنه أن يكون مصدراً للخطأ حيث لا يمكن لأي رسم أو صورة أو نحت أن تمثّل الكمال المطلق المختصّ بخلق الله -عزّ َ وجلَّ- وحده. كما لا يمكن مقارنته بأيّ شيء آخر قد يرمز لله نفسه، ففي الوقت الذي يعترف فيه الفرد بمحدودية المخلوق الذي سينتهي يوماً ما (أي المنتهي ) فإنّ من العبث أن يفترضه بموازاة المعبود وهو الخالق (اللّا منتهي) أو اللّا محدود –سبحانه- ومن هذا المنطق فمن الخطأ أن يعتقد المسلم بدمج طبيعة المطلق في طبيعة النّسبيّ حيث ننسب للنّسبيّ سيادة لا يستحقّها ولا يمكن أن تُنسَب له.
ومصدر هذا الخطأ هو في التّخيّل أو الوهم “illusion” ويُرى في الفن التصويري أو التشكيلي تجسيد فاضح لهذا الخطأ القابل للعدوى حيث يُدخِل هذا الأخير (أي الرسم أو النحت) مستويات الواقع المختلفة بعضها بالبعض الآخر. ولكي لا نقع في مثل هذا النوع من الخلط والخطأ نلجأ الى الحكمة “Wisdom” التي تضع كل شيء في مكانه الصحيح وعندما نطبّق كل ذلك على الفنّ فإنّ على كل عمل فنّيّ أن يتناسب مع قوانين التواجد “Domain of existence” ويجب التأكيد على إظهار هذه القوانين والمحافظة عليها فهي التي تعبّر عن التوازن في الطبيعة.
للوحدانية أيضاً صفة المشاركة4للوحدانية: صفة المشاركة Participation aspect Unity من حيث كونها مركّباً للتّنوّع وأساساً للمماثلة5 واساس المماثلةprinciple of analogy (أي الوحدة في التّنوّع). فالفنّ الإسلامي يعتمد مسبقاً فكرة الوحدانية ويعبّر عنها كلّ فنّان بطريقته الخاصة. لكنّ جوهر التّوحّد يحمل في ذاته أيضاً صفة الخصوصية أو التميّز فكل مخلوق مثلاً مميّز عن غيره من المخلوقات ولا يمكن استبداله أو دمجه بغيره، كذلك وحدانيّة الله عزَّ وجلَّ فهي غير قابلة للتغيير أو التبديل (Non alterity) كونه واحداً أحداً ولا إله إلّا هو. ولكلّ تلك الأسباب مجتمعةً من حيث كون الوحدانيّة أساساً للتّنوّع والمماثلة وبسبب تعدّد وتمايز مستويات الواقع فإنّ الجميع في النهاية يجتمع تحت القبّة السماوية اللّانهائية لله عزَّ وجلَّ.
تكلّمنا عن ضرورة تناسب القوانين الطّبيعيّة مع الأعمال الفنّية حيث يعمد العمل الفنيّ الى تأكيد القوانين في الطبيعة وإبرازها. ففي فنّ العمارة مثلاً يجب أن تعبّر الأبنية عن التوازن المثالي للأجسام الساكنة أو الثابتة، ويمكن تشبيه هذه المحاولة بالحالة المنتظمة والساكنة للبلّورة أو الكريستال، فالبعض يأخذ على العمارة الاسلامية افتقارها لإبراز العوامل الوظيفية لعناصر البناء كما تفعل عمارة عصر النهضة مثلاً التي تقوم بدعم العناصر الثقيلة للبناء وخطوط الشّدّ والانضغاط محمّلة البناء ما يشبه الوعي العضوي. أمّا وجهة نظر العمارة الإسلامية فإنّ من شأنها خلط مستويين من مستويات الواقع (Reality) ببعضهما ممّا يؤدي الى افتقاد الصدق العلمي أو المعرفي، فلو أنّ العمود الرشيق كان قادراً على تحمّل ثقل العقد أو القوس فوقه فلماذا علينا أن نضفي عليه وضعاً متوتّراً هو ليس من طبيعة الحجر في شيء؟ بعبارة اخرى فإنَّ العمارة الإسلامية لا تحاول إخفاء ثقل الحجارة من خلال حركة الارتقاء بها

قصر الحمراء، غرناطة-إسبانيا

إلى الأعلى كما هو الحال في أبنية الفنّ القوطي (Gothic Art)؛ ذلك أنّ العمارة الإسلامية تودّ المحافظة على قانون الرسوخ والثبات على الأرض لتحقيق التوازن الثابت الآنف الذكر، ومن هنا فإنَّ ما يقوله أساتذة الفن الإسلامي أنّهم في سعيهم للمحافظة على القوانين الطبيعية لعناصر البناء لا يعني هذا بأيّ حال من الأحوال ابتعادهم عن إيصال الحسّ الروحي الذي سعت نحوه عمارة الفنّ القوطي الدينية في محاولتها الارتقاء إلى السماء والتّوحّد بها بشكل القباب المستدقّة المرتفعة نحو السماء للكنائس والكاتدرائيات، بل على العكس من ذلك تماماً فإنّ العلم و العقل لا يمنعان الإلهام الروحي بل هما يعبّدان الطريق نحو الجمال الشامل العام لا الخاص. حيث يمكن التعويض بالطَّرْق والنحت لنقوش (الأرابسك) والحفر على أشكال الاستلكتايت فيسمح للضوء بالتسلّل من خلالها إلى المادة الخام ممّا يضفي على الحجارة والجبس شكل الأحجار الكريمة. ففي حين تستكين ممرّات قصور الحمراء مثلاً أو بعض مساجد شمال غرب إفريقيا بهدوء تام فإنّها تبدو في الوقت ذاته وكأنّها قد حيكت بذبذبات ضوئية تعطيها شكل الكريستال وكأنّها لم تُبنَ من الحجارة بل من أنوار سماوية خلّاقة من قِبَل عقل مبدع يستقرّ في الأشكال كافّة بشكل غامض.

إنَّ حيادية الفن الإسلامي متمثّلةً بانعدام الحافز الذاتي أو الغامض والمختفي للفنان لا تتعلّق بكونه عقلانيّاً فقط فما العقلانية إلّا اقتصار الذكاء على القياس البشري المحدود. غير أنَّ هذا هو بالفعل ما يعبّر عنه فن عصر النهضة من خلال التعبير العضوي والبشري الذاتي لفن العمارة حيث أنَّ هناك خطوة واحدة تفصل بين العقلاني والذاتي ثم منه للإدراك الفني الآلي للعالم نفسه ولا يوجد شيء من ذلك في الفن الإسلامي من ناحية الجوهر والمنطق فهو لا يعبّر عن الذاتي والشخصي للفنان نفسه فالعقل حسب المفهوم الإسلامي هو واسطة الإنسان لتقبّل الحقيقة الظاهرة أو المعلنة وهذه لا تتعلّق بالعقلانية أو عدمها وحسب، بل تكمن في نبل الفكر الذي ينعكس بدوره على نبل العمل الفني.

ومن هنا يمكن القول أنّ وجه الاختلاف بين الفن التجريدي والفن الإسلامي والفن التجريدي الحديث هو أنّ الأخير تعبير آنيّ وانسيابي شخصي وذاتي إلى حد كبير وهو ينبع من الدوافع اللّاعقلانية اللّاواعية للفنان بينما يعني التجريد للفنان المسلم انعكاس القانون لأنّه يعبّر بشكل مباشر جداً عن الوحدة ضمن التّعدّد والتّنوّع. ففي إحدى المرات وجدتني -أنا المختصّ الضليع في فنّ النحت الأوربي- يقودني أحد فنّاني شمال غرب إفريقيا، سألني هذا المعلّم العربيّ: ماذا كنت لترسم إن كان عليك تزيين حائط كامل كهذا؟ أجبته أنني كنت سأرسم تصميماً للكروم مالئاً الفراغات برسومات الغزلان والأرانب. قال: “إنَّ الأرانب والغزلان موجودة في كلّ مكان في الطبيعة، فما هي الغاية من إعادة انتاجها؟ لكنّك عندما ترسم شكلاً لثلاث زهرات بشكل هندسي، واحدة بأحد عشر شكلاً واثنتين أخريين بثمانية أشكال، ثم تقوم بتجميعها معاً بشكل يملأ هذا الفراغ الموجود فهذا هو الفنّ”. ويمكن القول أنّ أساتذة الفن الإسلامي أكّدوا بأنّ الفنّ في الواقع هو القدرة على تزيين الأشكال بما يتناسب مع طبيعتها لأنّ هذه الطبيعة تحتوي جمالاً فعلياً مَنشَؤه الله سبحانه، وكلّ ما على الفنّان فعله هو تحرير هذا الجمال وجعله واضحاً للعيان، وبحسب أكثر مفاهيم الفن عمومية فإنّ الفنّ ليس إلّا القدرة على حسن إضفاء النبل على المادة6له علاقة بالشكل و المضمون ويعني تزيين الأشياء بما يبرز الفلسفة الدينية التي تتضمنها لان لكافة الأشياء جمال ضمني غير ظاهر وهناك ايضاً الظاهري والملموس . د. قبيله حمود.

ويَعُدُّ الإسلام دين الفطرة الإنسانية الذي يوحّد المؤمنين كافّة بأزمنتهم وأعراقهم المختلفة وأنَّ القرآن الكريم هو الختم الذي يختم به ما أوحي به للأنبياء جميعاً على مرّ العصور منذ آدم (ع ) مروراً باليهودية والنّصرانيّة (المسيحية). ومن هذا المنطلق فإنَّ الحضارة الإسلامية تستوعب بشكل عام الحضارات السابقة للإسلام وتجرّدها من موروثها وتضفي عليها الشكل أو المفهوم التجريدي الذي يتناسب مع عقيدة التوحيد، لذلك فإنَّ بعض الموروثات الحرفية المعروفة والسابقة للإسلام قد تمَّ استيعابها إسلامياً بالطريقة ذاتها التي قامت بها المسيحية بدمج الموروثات السابقة لها بعد ربطها بما يتناسب معها من رموز في الكتاب المقدّس أي أنّ الحضارات الإنسانية هي في وصل واتّصال مستمر عبر الحقب والعصور المختلفة. يستوعب الإسلام هذه الأشكال القديمة ويعمل على تسطيحها بالقضاء على أيّة صفات شخصية ذاتية قد تمتلكها هذه الأشكال البدائية، وكبديل عن ذلك فإنّه يضفي عليها انسيابيّة فكرية جديدة يمكن وصفها بالأناقة الروحية (أو الجمال الروحي) إذا جاز التعبير.

العمارة الإسلامية
علينا القول أنّه على الرغم من أنَّ العالم الإسلامي يشتمل بشكل أو آخر على معظم إمبراطورية الإسكندر القديمة وكان في كثير من الأحيان يُعَدُّ موطناً لأناس عُرِفوا بتاريخ طويل من الاستقرار والاستيطان فإنَّ الموجات العرقية التي قامت بتجديد حياة هؤلاء البشر باستمرار وسيطرت عليهم وعلى اختياراتهم وما يفضّلونه كانت دائماً من أصل بدوي كالعرب والسلاجقة والأتراك والبربر والمغول، والإسلام بشكل عام لا ينسجم مع الحياة البرجوازية المدينية.
وهناك آثار للعقلية البدوية حتّى في فنون العمارة الإسلامية على الرغم من أنّ العمارة ترتبط أساساً بالثقافة الدينية أو الحضرية، فهناك استقلالية خاصّة تميّز عناصر البناء فيما يخصّ الأعمدة والأقواس والمداخل على الرغم من انسجامها مع الكلّ إذ لا توجد استمرارية عضوية بين عناصر البناء المختلفة، وعندما يتعلّق الأمر بوجوب كسر الروتين فإنّه لا يتم من خلال الاختلاف التدريجي لمجموعة من العناصر المشتركة بل من خلال التّغيّرات الحادة ومن خلال التزيينات الجبسية وأعمال (الأرابسك)7إن فن الارابسك للمسلم لا ينحصر في إمكانية العمل او الإنتاج الفني بدون إضفاء الرسوم او الصور بل هو واسطة مباشرة لإدماج الصور وكل ما يتعلق بها في سياق عقلي او فكري ذهني التي تزيّن الحيطان ما يذكّرنا بالأثاث البدوي المختصر للبساط والخيمة. فجامع قرطبة مثلاً والذي يمثّل عمارة جميلة ومتقدّمة يشابه بشكل أو آخر الجامع الأوّل الذي بُنيَ في فتح الإسلام أي مسجد الرّسول (صلى الله عليه وسلّم) في المدينة المنورة الذي كان يضمّ باحة كبيرة مخصّصة للصلاة مع سقف ممتدّ أفقياً مدعومٍ بصفوف من جذوع النخيل، جامع قرطبة من حيث قناطره وأعمدته المتوافقة إلى حدّ كبير يذكّرنا أيضاً باستلهامه لبستان النخيل المشابه للبيئة البدوية. ويمكن القول هنا أنَّ الإحساس بالإيقاع لدى الجماعات البدوية -فضلاً عن موهبة العبقرية الهندسية- هما القطبان المتداخلان في القانون الروحي الإسلامي ويميّزان الفنون الإسلامية كافّة، وقد عبّر الإيقاع البدوي عن نفسه بأكثر الأشكال وضوحاً في الشعر العربي الذي وصل تأثيره الى شعراء (التروبادور) المسيحيّين في حين أخذ العالم الإسلامي روح التقصّي في الهندسة بشكل مباشر والذي يمكن عدّه إرثاً فيثاغورسياً بامتياز .
والفن للمسلم هو “دليل الوجود الإلهي” لكونه جميلاً بدون التدخل الشخصي للفنّان نفسه مشبَّهاً بتلك السماء الجميلة الممتلئة بالنجوم. ويقوم الفنان باستلهام الجمالية من النموذج المثال الذي يبدو غير مرتبط بالمؤلّف أو الفنان نفسه فتسقط نجاحاته أو فشله أمام روعة التمييز الكوني الشامل للأشكال. يلاحظ أيضاً أنَّ شكل الضريح أو المرقد ذي القاعدة المربّعة والقبّة ينسجم أيضاً مع الروحية البدوية من حيث اختصار الشكل.
إنّ باحة المصلّى للمسجد لا تشبه باحة الكنيسة ولا المعبد حيث لا يوجد مركز يتوجّه نحوه المصلّون للعبادة كما هو الحال مع تجمّعات العبادة المسيحية ويمكن ملاحظة المركزية فقط وقت الحجّ إلى مكّة أمّا في أوقات الصلاة الأخرى فإنّ المصلّين يتوجّهون نحو ذلك المركز البعيد للقبلة خارج أسوار المسجد. ولا تمثّل الكعبة نفسها مركزاً مقدّساً مقارنة بالمذبح المسيحي كما أنّها لا تحتوي على أيّة رموز معدّة للعبادة المباشرة8لا يمثل الحجر الأسود الموجود في زاوية الكعبة مركزاً يتوجّه المصلّون نحوه في صلاتهم كما أنّه لا يعدّ وثناً يصلّي له المصلّون بل هو للتّبرّك فقط لأنّها خالية من الداخل وهذا الفراغ يمثّل جانباً روحياً مهمّاً أي أنّها تمثّل سلوكية مهمّة على الصعيد الروحي للإسلام.
إنّ الورع المسيحي يتحمّس للتركيز على مركز محسوس مادّيّ واضح لأنّ “الكلمة المتجسّدة ” تجسّد المركز كونياً وزمانياً ، كذلك فإنّ “القربان المقدّس” يمثّل مركزاً للتوجّه هو الآخر بينما يتوجّه المسلم في عبادته نحو الوجود الإلهي اللّا محدود واللّانهائي وينكر تجسّد الله إلّا فيما يتناسب وعظمته كالفضاء اللّا محدود، وعلى الرّغم من ذلك فإنّ التصميم المحوري وما يتركّز حول المركز لا يعدّ غريباً على العمارة الإسلامية فنحن نجده في عمارة الأضرحة أو المراقد الدينية المسقّفة بالقباب وكان هذا التصميم شائعاً في الفنّين البيزنطي والآسيوي ويرمز لتوحّد الأرض بالسماء حيث يجسّد الشكل المستطيل للبناية الأرض بينما ترمز القبّة الكروية الشكل للسماء. وقد استوعب الفن الإسلامي هذه الفكرة واختصرها إلى أدقّ وأوضح شكل ممكن، فما بين الجسم المكعّب للقاعدة والقبّة المستدقّة القمّة ثبّت المسلمون قاعدة مثمّنة الركائز لتثبيت القبّة، وبوسع مثل هذا الشكل الهندسي النموذجي الواضح السيطرة على منظر الصحراء اللامحدود كما أنّ الضريح أو المرقد للأنبياء أو الأولياء الصالحين يمثّل مركزاً روحياً للعالم. إنّ هذه العبقرية الهندسية المتمثّلة بقوّة في الفنون الإسلامية تتأتّى مباشرة من نوعية التفكير المفضّل إسلامياً والمتمثّل في الأسلوب التجريدي لقانون أو فكرة الوحدانية التي يخدمها بصريّاً “الفكرة المجرّدة” والتي لا تستند إلى المرتكز العائد للأسطورة أو ما شابهها.
تتجلّى العبقرية المعمارية الإسلامية ومحاولة الحفاظ عليها في المغرب العربي خاصة أي في غرب العالم الإسلامي فهنا في بلاد المغرب والجزائر والأندلس وصلت العمارة الإسلامية لقمّة التميّز حيث جرى تحويل داخل المساجد و القصور إلى واحات من الانتعاش لعالم يمتلئ بالجمال الرائق الشّفّاف وكأنّه لا ينتمي إلى هذا العالم.

آية صوفيا في اسطمبول، تركيا

ويمكن إيضاح استيعاب التصاميم البيزنطية في العمارة الإسلامية بالتغييرات التركية التي طرأت على فكرة أو ثيمة آيا صوفيا (Hagia Sophia)، فكما هو معلوم فإنّ الآيا صوفيا تتكوّن من قبّة ضخمة وسطية مع أنصاف قباب جانبية مدعومة هي الأخرى بتجاويف معقودة (Vaulted Apses) وتغطّيها جميعاً مساحة تمتدّ بعمق نحو محور واحد أكثر من الآخر يمتدّ إلى المذبح ممّا ينتج عنه بيئة تبدو مخادعة جدّاً وكأنّها تمتدّ إلى ما لانهاية بسبب غياب التقطيع المفصلي الواضح. في حين قام المعماريّون المسلمون كالمهندس سنان مثلاً بأخذ فكرة القبّة الوسطية المدعومة بالقباب الجانبية وأتى بحلّ يُعَدُّ هندسياً بامتياز في مفهومه. يمثّل جامع سيلمي (Swlimiye) في أدرنا أنموذجاً واضحاً لذلك، ففي حين ترتاح القبّة على قاعدة مثمّنة تتعاقب الجدران المنحوتة (Into Apses) منتجة أسطحاً مسطّحة ومنثنية بشكل متعاقب بينما تبدو زواياها بشكل واضح. ويمكن مقارنة هذا التّبدّل الحاصل في تصميم آيا صوفيا بتقطيع الحجر الثمين ليبدو أكثر انتظاماً وقوّة من خلال الصقل.

إذا نظرنا إلى الداخل لا تبدو قبّة المسجد وكأنّها تحوم في الفراغ لكنّها في الوقت ذاته لا تبدو ثقيلة على الأعمدة التي ترتكز عليها فليس هناك ما يعبّر عن الجهد في العمارة الإسلامية إذ لا يوجد ما يشير إلى التعارض والتّضادّ بين الأرض والسماء وليس هناك ما يوحي بنزول السماء من الأعالي إلى الأرض كما في فكرة التصميم الأصلي للآيا صوفيا ككنيسة ولا الرغبة بالارتقاء الذي تظهره الكاتدرائيات القوطية. إنّ ذروة الصلاة هي عندما تمسّ جبهة المؤمن الساجد على سجّادته الأرض، ذلك السطح الشبيه بالبلّور والذي من شأنه محو الفروقات بين الارتفاع والعمق لأنّه يصنع من الفضاء وحدة متجانسة دون إضافات خاصة أو شخصية. إنّ جوّ المسجد المشبّع بالسكون هو أهم ما يميّزه عن كل ما هو زائل وفانٍ، فهنا لا يتمّ الحصول على الحياة الأخرى من خلال استمرار الانتقال بدعم جدلية مضادّة للأخرى ففي هذا النوع من العمارة لا يكون عالم الغيب هدفاً وحسب بل هو ما نعيشه هنا الآن بحرّيّة عابرة للنوازع الشخصية كلّها حيث يندمج الوجود الكلّيّ مع هذا الصرح الذي هو أشبه بطبيعة الماسة المجردة وشكلها. يتميّز الشكل الخارجي للمسجد التركي -والواضح جدّاً- في مسجد الآيا صوفيا بتضادّ الفكرة معبّراً عنها بالشكل الكروي للقبّة والشكل الإبري للمنارة، فعلى الرّغم من اختلاف المفهومين فإنّهما يكمّلان بعضهما ففكرة الاستراحة المتمثّلة بالقبّة تكملها فكرة اليقظة أو الانتباه المتمثّلة بالمنارة.

المسجد والبيت الإسلامي
يعكس البناء العام للمسجد التوازن التامّ بين الوحدانية الإلهية والقوانين الكونية، وبغضّ النظر عن أنّ الوحدانية الإلهية ذاتية أصلاً ولا يشبهها شيء مهما أُريدَ تجسيدها أو تمثيلها فإنّه يمكن للجسم المنتظم لبناء المسجد وشكله أن يعبّر عن قدسية المكان وقد تشير جوانب البناء المضلّعة إلى صفات الله (اسمائه الحسنى) بينما تنبّهنا القبّة للوحدانية المحيطة التي لا يشبهها شيء.
يتكوّن المسجد عادة من باحة أو فناء مع بركة فيها نافورة أو شذروان مخصّص للوضوء تهيئة للصلاة، وغالباً ما نجد قبّة صغيرة لحماية النافورة، وتشكّل باحة المسجد ببركتها الوسطية مع الحديقة الداخلية التي يفيض فيها الماء من أربعة مجاري ما يمكن تشبيهه بالجنّة الأرضية، إذ يصف القرآن الكريم الجنّة بحدائق أو جنان فائقة الجمال تمرّ فيها الأنهار واحداً أو اثنين في كلّ حديقة من حدائق الجنان. ومن صفات الجنّة أن تكون محجوبة وبعيدة عن الرؤية المباشرة فترمز بذلك للعالم المكنون وهو عالم الروح غير المرئيّ للعين الدنيوية و يُعَدُّ هذا هو العالم الذي على البناء الإسلامي محاكاته أو تقليده بشكل عام. لهذا نرى أنّ البيت الإسلامي هو عادة حوش أو باحة تحميها الجدران من جوانبها الأربعة وفيها حديقة داخلية تتوسّطها بركة بشذروان أو نافورة ماء أو بئر. ويكاد البيت أن يكون مسكناً للنساء في الأسرة فهنّ من يحكمنه، بمعنى أنّهنّ يقضين أطول وقت فيه خلافاّ للرجال الذين يمكن تشبيههم بالضيوف عادة .

فنّ الأرابيسك Arabesque Art

يُعَدّ الأرابيسك إبداعاً إسلامياً واضحاً تتوحّد فيه العبقرية البدوية مع العبقرية الهندسية فلدينا هنا جدلية (ديالكتية) زخرفية يحيد فيها المنطق لفائدة الإيقاع الحيوي والمستمر معتمداً على جانبين رئيسين: الزخرفة وعالم النبات. وبينما يعدّ الأول ناتجاً عن التأمل الهندسي في علم الهندسة فإنّ الثاني (النبات) يمثّل شبه تكوين (غرافيكي) للإيقاع يعبّر عنه بالتصاميم اللولبية والحلزونية التي قد لا تكون متأثّرة بالنبات ذاته بل بالخطوط المستقيمة أو الممتدّة اللولبية التصاميم أو الأشكال، ويمكن العثور على هذه النماذج في نقوش الحيوانات وأوراق الكروم المتجسّدة في الفنّ البدوي الآسيوي وفي الفنّ السنثي Synthian Art بشكل خاصّ.9 إنّ الأرابسك هو مزيج من الزخرفة النباتية والهندسية وهو عربي بامتياز خصوصاً في الدول المغاربية لأنّها اتّبعت المذهب المالكي الذي حرّم التصوير عامّة فتوجّهت الفنون نحو التجريد والزخرفة الهندسية (د.قبيلة حمود)، وقد انتشر أيضاً في الأندلس (إسبانيا) والبرتغال وجنوب فرنسا حيث امتدّ الإسلام

الخطّ العربي Calligraphy

يعدّ الخطّ العربي من أكثر أنواع الفنون البصرية نبلاً في العالم الإسلامي فبهِ نُقِشَ القرآن الكريم الأكثر شرفاً وقدسية بشكل لا يضاهى عند المسلمين كافّة، وهو (الخط العربي) يمثّل ما تمثّله الأيقونة في العالم المسيحي.
يشترك النقش الديني للأحرف العربية مع نقوش الأرابسك بانسيابية خاصة تتماهى مع الجماليات النباتية التي تقترب من رمزية فكرة الشجرة في الثقافات الأسيوية حيث تحاكي أوراق الشجرة كلمات الكتاب الشريف، فضلاً عن أنَّ الأحرف العربية ذاتها تحمل إمكانيات جمالية و زخرفية غير محدودة الغنى تختلف نماذجها بين الخط الكوفي البارز بشكله الأفقي بتقطيعات عمودية والخط النسخي الذي تتميّز خطوطه بالانسيابية الأفعوانية إلى حد بعيد.
ويستمدّ الخطّ العربي غناه من تطويعه التام لبُعديه: العمودي الذي يضفي على حروفه الجلالة والفخامة والنبل والأفقي الذي يصل الجميع بانسيابية منتظمة، ويمكن تشبيه ذلك بفنّ الحياكة حيث ترمز الخطوط الطولية للأحكام القرآنية الثابتة غير المتبدّلة، في حين تشابه خطوط العرض في النسيج الخطوط الأفقية للخط العربي التي تصل الاشياء بعضها ببعض. يبدو ذلك واضحاً في القرآن الكريم حيث يمكن أن تشير الضربات العمودية في الخط إلى أحكام التنزيل التي تعمل على تنظيم التدفّق السريع لأحرف التواصل الأفقية. وتكتب اللغة العربية من اليمين الى اليسار معبّرة بذلك عن التدفق والفيض من حقل الكون الشامل والكلي الى حيث مقر القلب. وتعتبر الكتابة العربية اكثر الكتابات السامية اختلافاً عن الكتابة العبرانية حيث أنّ الخط العبري يبدو ثابتاً كاللوح الذي نُقشت عليه الوصايا العشرة كما انها تشبه باطنياً النار المقدسة التي ترمز للتواجد الالهي (في مقابلة النبي موسى عليه السلام مع الذات الالهية) في حين تعبر الكتابة العربية عن الوحدة التي تكلمنا عنها سابقاً والمعبّر عنها كما مرّ ذكره بالإيقاع الشامل والمستمر وكما زادت سعة الايقاع زاد الاحساس بالشمولية والتي ترمز للوحدانية. وتقوم النقوش العربية المكتوبة على الأفاريز (جمع إفريز وهو مكان أعلى الاعمدة في الأبنية والعمارة الاسلامية تنقش عليها الكتابة والأرابسك) يجلب انتباه المؤمن في باحة الصلاة أو تلك التي تحيط بالمحراب بشكلها المنتظم وإيقاعها الجميل الى قوة وجلالة لغة القرآن الكريم. هذه الآيات الربانية تستعرض الحياة الاسلامية كاملة وبما نها تعبر عن فكرة الوحدانية بتدفقها المستمر الجميل وايقاعاتها التي لا تضاهى فهي ثابتة في فكرتها لا تتحول وهي معين لا ينضب من جمالية الفن المعماري. تتجسد معجزة الإسلام بكلام الله الذي يعبر عنه القرآن الكريم والذي تؤكده التلاوة الخاصة به من تجويد وترتيل وبذلك فأن المسلمين يرون بأن كلام الله يجب ان يحفظ عن طريق الكتابة والتلاوة لا عن طريق الصور والرسومات أو الابداع المادي الذاتي وذلك كي تتناقله الأجيال جيلاً إثر جيل وليبقى حاضراً دائماً متجدداً ومشابهاً لوقت نزوله من حيث اثره المعنوي لمن يتلقونه وذلك سيحفظه من النسيان أو التلف بسبب تقادم الزمن، ويتناسب هذا النوع من التفكير مع الجماعات البدوية المترحلة وخاصة الجماعات السامية منها وقد نقل الاسلام ذلك النظام الروحاني الى البيئة الانسانية وللعمارة بشكل خاص مضيفاً دائماً بأن كل ما في الكون ما هو إلاّ تعبير عن الحقيقة الالهية السامية وإنّ كل ما دونه زائل.

الهوامش:

1 وحدانيّة الله سبحانه وتعالى
عندما دخل المسلمون مكّة المكرّمة أمر الرسول الكريم (ص) بتحطيم الأصنام التي كانت تعبد من قبل العرب قبل الإسلام في باحة الكعبة، ثم دخل الحرم وكانت جدرانه مزيّنة برسومات رسمها أحد الفنّانين البيزنطيين ومن بينها صورة لنبيّ الله إبراهيم (عليه السلام) وهو يوحى إليه و أخرى للسيدة العذراء وطفلها (عليهما السلام) فقام الرسول بتغطيتها بيديه وطلب إزالة بقية الصور .

2 سأل أحد الفنّانين المتحوّلين حديثاً للإسلام العبّاس (رض) عمّ النّبييّ معبّراً عن حيرته فيما يجب عليه رسمه او نحته فأخبره العبّاس (رض) أن يعمد إلى رسم النباتات والحيوانات بشكل لا يشابه الواقع قدر الإمكان.
3للوحدانية: صفة المشاركة Participation aspect
Unity

4 واساس المماثلة principle of analogy
5 له علاقة بالشكل  والمضمون ويعني تزيين الأشياء بما يبرز الفلسفة الدينية التي تتضمنها لان لكافة الأشياء جمال ضمني غير ظاهر وهناك ايضاً الظاهري والملموس . د. قبيله حمود
6 إن فن الارابسك للمسلم لا ينحصر في إمكانية العمل أو الإنتاج الفني بدون إضفاء الرسوم او الصور بل هو واسطة مباشرة لإدماج الصور وكل ما يتعلق بها في سياق عقلي او فكري ذهني .

7 لا يمثل الحجر الأسود الموجود في زاوية الكعبة مركزاً يتوجّه المصلّون نحوه في صلاتهم كما أنّه لا يعدّ وثناً يصلّي له المصلّون بل هو للتّبرّك فقط.
8 إنّ الأرابسك هو مزيج من الزخرفة النباتية و الهندسية وهو عربي بامتياز خصوصاً في الدول المغاربية لأنّها اتّبعت المذهب المالكي الذي حرّم التصوير عامّة فتوجّهت الفنون نحو التجريد والزخرفة الهندسية (د.قبيلة حمود)، وقد انتشر أيضاً في الأندلس (إسبانيا) والبرتغال وجنوب فرنسا حيث امتدّ الإسلام

Leave a Reply