الشّعرُ العربيُّ بين الأصالةِ والتّجديد

مقتطفات من دراسة نقديّة كتبها الأديب الشّاعر نعمان ماهر الكنعانيّ مطلع سبعينيّات القرن الماضي عندما كان الشّعر الحرّ عشباً لمّا تنهض له سيقان بعدُ وكان نقده غير لاحب الطّريق، بحسب وصف الكنعانيّ.
إنَّ أهمّ صفتين أو ميزتين يجب توفّرهما في الشّعر ليكون شعراً مواكباً للمجتمع الّذي يعيش فيه هما الأصالة والتّجديد. والشّعر الأصيل أو الّذي ينظمه شاعر ذو أصالة غير الشّعر الّذي يصنعه من هو قادر على صناعته من غير أن يمتلك هذه الأصالة. وليست هناك قواعد متّفق عليها إذا طبّقتَها على قصيدة خرجتَ من التّطبيق بإثبات الأصالة أو نفيها، إنّما تدرَك الأصالة بالإحساس لا القياس. والشّعر الّذي ينظمه شاعر ذو أصالة دون أن يأتي بجديد في الفكرة أو التّعبير أو الصّورة أو المعنى، بل يكرّر ما سبقه إليه غيره، هو شعر تقليد لا تجديد. فما التّجديد؟
التّجديد عند قدامى النّقّاد تجديد في اللّفظ أو في المعنى، و يرى بعضهم أنَّ المعاني مطروحة في الطّريق يقدر عليها كلُّ من يقدر على النّظم، والعبرة في رأي هؤلاء في إكساء المعاني كساءً جديداً يرتفع بها عن أن تكون في كساد مهلهل. أمّا النّقّاد المعاصرون فقد خرجوا بتعريف التّجديد إلى ميدان واسع شمل اللّفظ والمعنى والأسلوب والصّورة والتّراكيب والموضوع والسّياق.
قسّم الكنعانيّ ما عرف بالشّعر الحرّ أوّل ظهوره، وهو اليوم يسمّى شعر التّفعيلة، إلى ثلاثة أقسام هي:
1. شعر يمتلك أصالة ويحسن استخدامها
2. شعر يمتلك أصالة ولا يحسن استخدامها
3. شعر لا يمتلك أصالة ولا يحسن الاستعاضة عنها بسواها، كما يفعل (نظّامو) الشّعر العموديّ.
فالّذين يحسنون استخدام الأصالة تضمّ قصائدهم فيما تضمّ الفكرة والصّورة والإطار و قد لا يبتعدون عن أسلوب الشّعر العموديّ إلّا قليلاً بل يلتزمون بالوزن أو التّفعيلة ليحفظوا الجرس الموسيقيّ. وأمّا شعراء القسم الثّاني الّذين تظهر أصالتهم لحظةً أو لحظاتٍ ويلفّها الغموض والإبهام لحظاتٍ فيبقى الحكم على شعرهم متأرجحاً بين الأصالة و عدم قدرة الشّاعر على رسم تجربته وهو يتأرجح بين الوجود والضّياع. وأمّا القسم الثّالث فلون قابل لأن تنكر وجوده الأنظار لطموسه وبعد متاهاته.
كمثال على القسم الأوّل تتناول الدّراسة قصيدة (راية على الجسر) للشّاعر محمّد الفيتوريّ الّتي ألقاها في مهرجان المربد الشّعريّ في العام 1971، يقول فيها:
وتوكّأتُ على الجرس قليلاً
وتلاشت ضجّة الأشياء من حولي
وعانقتُ ضحاياي طويلاً
ولكنّيَ -في وهمي- تساقطتُ قتيلاً
وتلوّى نهَرُ الأردنّ
يا أردنُّ تبكي أم تغنّي
أنا لن تعرفني يا نهْرُ
إنسانٌ من السّودان
بي من غضب اللّيل ومن قهر الظّهيرة
و من الدّهشة في تهويمة الصّوفيِّ
و الفجأةِ في صحوِ الملايين المثيرة
و أنا الرّايةُ
و الرّيحُ الّتي تركض في الغابةِ
حتّى تشعلَ النّارَ الكبيرة
و أنا الرّايةُ
و المصلوبُ كالرّايةِ
في ضفّتِك الأخرى الأسيرة
***
آه .. لا تنبشْ بعينيك ترابَ الأمس
فالأقزامُ في أضرحةِ التّاريخ
يختالون فرساناً
و قوّادُ الهزائم
يَلبَسون الشّمسَ تيجاناً
و يمشون غروراً فوق آلافِ الجماجم
و كأنَّ الدَّمَ – مرسوماً على أوجههم
ليس جريمة
و الخياناتِ الّتي أفرغتِ العارَ على تاريخهم
لم تحتضنْ بيض الهزيمة
و كأنَّ الجيلَ لم يغرقْه أفيونُ الأكاذيب
و عهرُ الكلمات
و أغاني أمِّ كلثوم
و أنفاسُ الأراجيل
و ألعابُ الحواة
لا يفارق الفيتوريّ أسلوب الشّعر العمود يّ إلّا قليلاً، فلكي يحافظ على وزن البيت استعمل لفظ (نهَر) ولم يقل (نهْر)، وحرّك (لكنّيَ) لكي يُبقي على الجرس، واستعمل الفجأة على وزن فَعْلة حفاظاً على الجرس كذلك. ولو أنّه في مطلع القصيدة قال:
وتوكّأت على الجرس قليلاً ثمَّ عانقت ضحاياي طويلاً
لكان بيتاً عموديّاً، فالتّجديد الّذي جاء به الشّاعر هنا شمل الأسلوب عندما لم يكمل البيت في تفعيلات بحر الرّمل، لكنّه لم يخرج منه إلى سواه ولم يحطّمه، وأمّا ألفاظ القصيدة فقد نهضت بالمعنى دون عثار.
من القسم الثّاني تختار دراسة الكنعانيّ قصيدة للشّاعر خليل خوري ألقاها في مهرجان المربد الشّعريّ العام 1971 عنوانها (المجزرة)، يقول فيها:
واقفٌ في تخوم الهزيمة
بين وادي العقيق و نخل السّواد
واقفٌ خائفٌ و الزّمان
يتكسّرُ نهر جليد، و يجرحني
يتصدّع بهو مرايا، و يجرحني
يتمدّد كالأفعوان
يتمطّى و في حدق الأعين المثقلة
بالتّوجّس، و الرّيبة، الأعين المستثارة
بنوايا ابن سعد تسيل المرارة
آه قايين لا تفجعِ الأمّهات
آه لن يستطيع الفرات
غسلَ عارِ الجريمة

والكلام هنا يلفّه الغموض، يقول الكنعانيّ، ” فالشّاعر هنا واقف في تخوم الهزيمة، ولعلَّ الواقفَ غيرُ الشّاعر، لعلّه إنسان آخر أو لعلّه الوطن العربيّ” و “الزّمان هو الآخر واقف أو خائف، أو إنّه غير واقف ولا خائف لكنّه يتكسّر كمثل تكسُّر نهر الجليد، وهو تشبيه غير واضح، أو إنّ الّذي يتكسّر هو نهر الجليد والواو الّتي سبقته واو الابتداء.” وما الّذي يتمدّد ويتمطّى كأفعوان؟ “لو أنَّ الشّاعر اكتفى بنهر الجليد المتكسّر وشبّهه بالأفعوان لعلّه كان قريباً من الوضوح لكن من الصّعب أن تتخيّل بهو المرايا يتحوّل إلى أفعى!” وربّما نعرف من أخبار التّأريخ (ابنَ سعد) الّذي أسال العيون مرارة، يقول الكنعانيّ، “لكن من يكون قايين؟ أهو الحاكم العربيّ الّذي بعث بجنود العرب إلى معركة خاسرة فلاقوا حتفهم وفجعَ أمّهاتِهم، أم هو العدوّ الّذي قتل جنود الحاكم العربيّ؟”
وعلى الرّغم من لمعان صور أصيلة تراها عين النّاقد في الأسطر الآتية:
و في حدق الأعين المثقلة
بالتّوجّس، و الرّيبة، الأعين المستثارة
بنوايا ابن سعد تسيل المرارة
يخلص نعمان ماهر الكنعانيّ إلى أنّه بين صدق التّجربة وافتعالها حافظ الشّاعر على تفعيلات الوزن على الرّغم من عدم حرصه على تعادلها، وضمّنها من التّراكيب ما جانب الأسلوب البيانيّ و من الصّور ما تناثرت دون إطار يلائمها. لم يحلِّق الشّاعر مجدِّداً كما إنّه لم يخسر الجولة كلّها.
ويختار الكنعانيّ مثالاً على القسم الثّالث قصيدة (عذاب الأحجار) لمحمّد عفيفي مطر الّتي يقول فيها:
أيّها النّهر، تعرّفتُ عليك
و تحسّستُك … أحزانُك في الرّأس ضفائر
و انتظاراتُك شوكٌ طالع في قدميك
و تعرّفت على وجهي الّذي يغرق، منحوتاً و مهدوم
الهيولى في يديك
و تعرّفتُ على أغنية الشّهوة و الخلق البدائيّ
و أحلام السّنين المقبلة
غمغمات لم تزل صامتة في شفتيك
لا يستطيع النّاقد هنا تحديد أحزان النّهر وانتظاراته تحديداً يطمئنُّ إليه لأنّه لم يدرك لمن يعود الرّأس الّذي يحمل الضّفائر:
أهو رأس النّهر؟ كيف هو رأس النّهر وما شكله وما صفته؟
أهو رأس الشّاعر؟ كيف انتقلت أحزان النّهر ضفائر إلى رأس الشّاعر ولأيَّ سبب؟
ووجه الشّاعر مهدوم الهيولى وقد غرق منحوتاً في النّهر. والهيولى لفظة يونانيّة تعني المادّة الأولى أي الّتي تبدأ منها الأشياء، فما هي في وجه الشّاعر؟ وإذا كانت المادّة الأولى كوّنت وجه الشّاعر في رحم أمّه ثمّ خرجت إلى الحياة وجهَ طفل نما وكبر مع الأيّام فكيف استطاع الشّاعر أن يعيده إلى مادّته الأولى ليغرق منحوتاً في النّهر؟
هذا كلام فيه تفعيلات الوزن وما يشبه القافية، والألفاظ فيه يدلّ كلّ منها على معنى لكنّها حين ضُمّت إلى بعضها طمست وضاعت معها المعالم ولم يقدر الأسلوب على بيان المعنى للقارىء أو للقارىء الاعتياديّ على الأقلّ.
ثمَّ يعرّج الكنعانيّ في دراسته على تعابير نشأت مع (الشّعر الجديد) ودارت في فلكه مثل البناء الدّاخليّ للقصيدة “وهو أبرز ما يلوّح به دعاة هذا المذهب الشّعريّ إذ يقولون إنَّ وحدة البيت الّتي درجت عليها القصيدة العموديّة لم تعد تؤدّي وظيفتها في العصر الحاضر، وهو قول فيه وجاهة لكنَّ شعراء العمود قد فطنوا إليه منذ القدم فقسّموا الشّعر إلى أبواب فقالوا مدح وهجاء، غزل ورثاء، فخر وحماسة. وإنّما الفارق بين العموديّين والجدد أنَّ العموديّين أجازوا أن يمسَّ الشّاعر مواضيع شتّى تقود إلى موضوعه الرّئيس بينما يرفض الجدد هذا الأسلوب ويرون فيه إطالة للقصيدة وهذا نوع من الاستجداء الدّالّ على الفقر”. يرى الكنعانيّ أنَّ هذا يمتدُّ إلى النّوعين من الشّعر، فكما يتعكّز بعض شعراء العمود لإطالة قصائدهم على غير ما هو من صلب الموضوع يتعكّز شعراء الجديد على رؤى ضبابيّة أو حكايات أسطوريّة هي الأخرى ليست من صلب الموضوع.
في قسمها الأخير، تنتقل الدّراسة للبحث في أصالة حركة الشّعر الحرّ العربيّ الّتي أخذ شعراؤها بأسلوب شعراء الغرب وعلى وجه التّحديد الشّعراء الإنجليز والفرنسيّين، فتعبير (قصيدة النّثر) تعبير فرنسيّ الأصل وتعبير (الشّعر الحرّ) إنجليزيّ. وينفي الادّعاءَ بأنّ الشّعر الجديد ابتكار عربيّ المدّعون أنفسهم، ففي عددها الصّادر في الخامس عشر من تمّوز من العام 1924 جاء في مجلّة (الحرّيّة البغداديّة) أنَّ نجيب الرّيحانيّ ابتدع الشّعر المنثور محتذياً طريقة والت وتمان وهذا يؤكّد أنَّ من ابتدع هذا النّوع من الكلام والت وتمان لا نجيب الرّيحانيّ. وأمّا الادّعاء الثّاني فقد جاء في كتاب (قضايا الشّعر المعاصر) للشّاعرة نازك الملائكة بأنّها هي الّتي أوجدت الشّعر الحرّ يوم الثّلاثاء السّابع والعشرين من تشرين الأوّل في العام 1947. ناقشت الملائكة في كتابها هذا –بإسهاب- فنّ (البند) ونفت أن تكون قد سمعت به قبل نظمها الشّعرَ الحرّ. إنَّ الوشيجة بين البند والشّعر الحرّ واضحة متينة لذا يرى بعض النّقّاد أنَّ الشّعر الحرّ امتداد للبند ويرى الكنعانيّ أنَّ (الشّعر الجديد) توليد من البند، مع يقينه بأنَّ السّيّدة نازك الملائكة صادقة كلَّ الصّدق في قولها إنّها نظمت الشّعر الحرّ قبل أن تطّلع على البند، لكنَّ المشكلة ليست في نسبة الشّعر الحرّ إلى المبتدع قدر ما هي حركة أدبيّة لها مقدّماتها وعوامل ميلادها ومنها اطّلاع أدباء عرب (وشعراء المهجر خصوصاً) على حركة الشّعر الأوروبيّ والأميركيّ.
ختاماً، يطرح الكنعانيّ سؤالاً كبيراً:
“إذا كان (الشّعر الجديد) موزونُهُ وغيرُ موزونِهِ في العربيّة وليدَ تقليد للشّعر الغربيّ الجديد فهل يمكننا أن ننعته بالأصالة؟”
ثمَّ يحيلنا إلى أوّل الدّراسة النّقديّة ليجيب قائلاً:
“إذا كان الشّاعر العربيّ يمتلك الأصالة الشّعريّة فإنَّ نزوعه إلى استعمال أسلوب الشّعر الغربيّ لا يُفقده أصالته أو يذهب بها، وبعكسه فهو تقليد فاشل شأنه في ذلك شأن النّظّامين من شعراء العمود الّذين إذا قرأتَ منظومهم لا تشعر بحرارة الشّعر ولا بخفقته” و “لن تستطيع التّراكيب الرّياضيّة ولا التّعابير الضّبابيّة ولا الإبهام المفتعل أن تجعل من الشّعر الحرّ أو الجديد -موزوناً كان أو منثوراً- شعراً محسوساً.”
—————–
∗هذه الدّراسة لم تتناول ما يدعى (قصيدة النّثر) لأنّها لا تمتلك وزناً في بحر أو تفعيلات وهي ليست بشعر، و إذا كان كلُّ كلام خطر لقائله أن يدعوه شعراً وكلّ تعبير أدبيّ فيه ومضات شعر أو صورة شعريّة أو خلجات عاطفيّة أدخلناه في نطاق الشّعر نكون قد ساوينا بين الشّعر والنّثر ولم يعد بينهما فرق ولم تبقَ لكلٍّ منهما ميزاته. نعمان ماهر الكنعانيّ.

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

1 Comment

  1. عرض جميل لدراسة عميقة تصلح لأان تكون دليلاً للنقاد و الجمهور في التمييز بين الحداثة و التقليد الذي يجتاحنا في مناحي
    الحياة كلها. الأصالة شرط كما ذهب إليه صاحب الدراسة الشاعر نعمان ماهر الكنعاني رحمه الله..

Leave a Reply