البيئة في روايتي صحراء لوكليزيو والخباء لميرال الطحاوي

أيمن الغندور

تنتمي هذه الدراسة إلى الأدب البيئي الذي يهتم بتعزيز العلاقة بين البيئة والكتابة، منطلقا من مقولة ميشيل سير: ”نحن نفهم الأرض وهى تفهمنا” (Le contrat naturel, 1990, p.171)، هذا الأدب الذي تشعبت من أفرع أخرى نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر النقد البيئي والنقد الجغرافي والجغرافيا الشعرية. 

وتشغل البيئة مكاناً مهماً في أعمال الروائي الفرنسي جان ماري جوستاف لوكليزيو الحاصل على جائزة نوبل في الآداب عام 2008 و الذي ترجع جذوره إلى جزيرة موريشيوس وكذلك في روايات الكاتبة المصرية ميرال الطحاوي، ابنة قبيلة الهنادي الحاصلة على جائزة نجيب محفوظ عام 2010 والتي دخلت روايتها أيام الشمس المشرقة ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية لهذا العام.

قدم لوكليزيو من خلال روايته حكايتين متعاقبتين. تناولت إحداهما بدو المغرب في بداية القرن العشرين ومقاومتهم ضد القوات الفرنسية وألقت الضوء على الشيخ أحمد بن محمد الفاضل المعروف بماء العينين و الذي أسس مدينة السمارة. في حين قدمت الحكاية الاخرى قصة لالا، فتاة مغربية تعيش في إحدى العشوائيات الواقعة بين البحر والصحراء و تناول الكاتب من خلالها المغرب أثناء حقبة السبعينيات التي اتسمت بالتضخم الاقتصادي و تصحر الريف و ظهور مجتمع استهلاكي. كما طرح أيضاً من خلالها ظاهرة هجرة المغاربة إلى فرنسا هروباً من البؤس والفقر حيث أصيبوا بخيبة أمل في بلد تجسدت فيها كل الظروف القاسية بما في ذلك العنصرية. وبدا ذلك واضحاً من خلال عمل لالا في فندق سانت بلانش ”القديسة البيضاء” حيث شاهدنا عن قرب غرف المهاجرين فارغة تماماً.

ومن ناحية أخرى قدمت لنا ميرال الطحاوي شخصية فاطمة، الطفلة المتمردة على قسوة و صرامة مجتمع البدو، الباحثة عن الحرية، والتي تصعد من وقت لأخر فوق شجرة مجاورة لمنزلها كي تعبر ”فضاء البيوت و الجدران الطينية و تخرج من دوار إلى دوار”

اعتمد لوكليزيو في الحكاية الأولى من روايته على تقنية المشي التي تتيح للقارئ رؤية الطبيعية عن قرب و استطاع بالفعل أن يكشف لنا أدق التفاصيل من خلال شخصية الحارتاني الذي يذكرنا بإنسان الغاب و بشخصية حي ابن يقظان, فهو يجهل لغة البشر ويفهم الحيوانات و” يعرف كيف يقودها إلى حيث يريد دون أن يضربها”.(Désert,1980,p.110)  وفي الحكاية الثانية نجد لالا تترك باريس رغم نجاحها في مجال الموضة لتلبي نداء الطبيعة و تعود إلى مسقط رأسها كي تضع مولودها. وفي مشهد يذكرنا بميلاد السيد المسيح، جلست لالا أسفل شجرة تين تتساقط من بين أفرعها قطرات الندى وكلما زادت تقلصاتها كلما تفاعلت الشجرة معها بشكل إيجابي وكأنها ممرضة تقدم لها يد العون حتى أتى الصباح معلناً عن ميلاد طفلتها حواء.

وبالعودة إلى رواية الخباء, نجد أن البدو يعيشون مع الحيوان جنباً إلى جنب فهم يستخدمون الجِمال في تنقلاتهم و الكلاب لحراستهم و نجحت الكاتبة في أن تبلور حُب البدو للحيوان من خلال شخصية فاطمة و هى تقول: ”الغزلان حوريات سكن الأرض […] مِن اشتهى لحمها طاردته اللعنة.” كما نلمس في موضع أخر من الرواية سعادة البطلة و هى منصهرة مع الطبيعة حيث تشكل الحشرات و الحيوانات جزءاً من عالمها و يبدو ذلك جلياً حين نراها هى و صديقتها موحا ” يلاحقن العقارب الصفر في جحورها، […] ويضحكن وهن يطاردن السحالي.” وهكذا  يمكننا القول أن لالا و فاطمة يعشقان الطبيعة بكل أشكالها، فالأولى تركت حياتها المرفهة في باريس كي تعود إلى الصحراء والثانية رفضت أن تعيش في قصر آن ذي الحجرات الفارهة والإضاءة الصناعية وقالت لصاحبته ”أنا لست ضفدعة في بلورة تتفرجين عليها.”

وقد برع الكاتبان في تجسيد الطبيعية وتقديمها كأشخاص مجسمة مؤثرة في أحداث الروايتين. في رواية صحراء قدم لوكليزيو التلال “كبقرات نائمة وجهها منخض وظهرها مقوس” (Désert, 1980, p.81) كما جعل من لالا صديقة للبيئة وأعطاها ملكة فهم الطبيعة والانصات أليها. وفي رواية الخباء رأينا فاطمة تتطلع في فضاء الصحراء الرحب، ”لا شيئ إلا الخلاء والسكون وهنهنة حزينة تطلقها الريح التي تدير جذعها في الرمال.” و لم تكتف الطفلة بالمشاهدة و لكنها حذرتنا من الخطر وحدثتنا عن قسوة الخماسين المغبرة التي ” تزوم وتصفر ثم تختطف مهرة أو بغلة وأحيانا خياما وشقوقا ومرابع.” 

حتى حينما لجأ الكاتبان إلى الأسطورة كانت البيئة حاضرة بقوة. قص لوكليزيو أسطورة الأميرة ليلى التي قدمها أبوها قرباناً لحيوانات الغابة كي يحمي مملكته من الجفاف الذي كاد أن يقضي عليها. و هنا بعث القدر شاباً عاشقاً للأميرة كي ينقذ حياتها، ارتدى خاتماً ورثه من أبيه الساحر وتحول لهيئة طائر ورافقها إلى الغابة وشدا بأنغام عذبة جعلت الحيوانات المتوحشة أليفة وفي الصباح عادت الأميرة سالمة إلى قصرها.

ومن جانبها قدمت ميرال الطحاوي اسطورة ”ملك و ملكة لا ينجبان إلا بناتاً، كلما حملت شيئاً في بطنها و انتظر الملك وريثه، جاءته ابنة يلقي بها في بئر قصره” فتنبت مكانها شجرة. و ذات مرة أنجبت الزوجة وأخفت الحقيقة عن زوجها كي تصبح أماً ولكن الراوية تفاجئنا بأن ” الملك لم ينجب ولداً و لا بنية، بل كان جَملاً صغيراً.” 

وفي نهاية الروايتين، قدم الكاتبان لنا رسالة مفادها أن لا أمل إلا في الطبيعة التي تبدو كأم تهدهد أطفالها. فمن ناحية بدت فاطمة، بطلة الخباء أكثر قوة وهى منفتحة على البيئة المحيطة بها و من ناحية أخرى أنجبت لالا طفلتها أسفل شجرة التين وبجوار شاطئ البحر ليصبح هذا الميلاد دعوة إلى الحياة و إلىحب الطبيعة.

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

1 Comment

Leave a Reply