تأرجح الهويات بين المعقول واللا معقول

حارث عبود

أتساءل أحيانا إن كنا سنشهد يوما قوانين تجبرنا أن نمشي على أيدينا بدل أرجلنا، 

أو أن يدير كل منا ظهره لصاحبه حين يتحدث معه، 

أو أن نسير إلى الوراء كي نصل إلى أعمالنا كل صباح، 

وربما ترون معي هذا الخلط في المفاهيم والقيم في عصر كنا نظن أنه عصر العلوم والتكنولوجيا وأنه سيفتح كل الأبواب المغلقة للوصول إلى الحقيقة و الوضوح في معضلات حياتنا وتناقضاتها الشائكة. 

كما أضحى من المتوقع أن نفاجأ كل يوم بصرعات غربية تخلط المعقول باللامعقول..والمنطق باللامنطق.. والثابت بالمتحول.. والحرية بالانفلات، وكل ما يحقق مصلحة الفرد – ولا أقول حريته – على حساب مصلحة المجموع وحريتهم. 

لقد أصبح العالم أسير قوانين تسنها دول “عظمى” وتدعمها منظمات “كبرى” ومن لا يذعن يقام عليه الحدّ.

وإذا قيض لكم أن تضعوا على أعينكم مجهر المروجين لهذه القوانين فستجدون أنهم لا يرون في الأخلاق غير تقاليد بالية، ولا في الإيمان غير وهم وتخلف، ولا في الدفاع عن الأوطان غير إرهاب وتوحش.

حتى الذكور والإناث لم يعودوا يميزون بينهم، بل يمنحون الحق لمن أراد أن يكون لا هذا ولا ذاك، أو أن يكون مرة هذا ومرة ذاك، بل الحق في أن يكون إنسانا أو حيوانا يستهويه.

إن المرء ليتساءل.. ما الذي يمكن أن يحصل لو انسلخ كل منا من إنسانيته؟ لو مزقت كل أمة عريقة هويتها وتاريخها؟ لو تمردت القصيدة على شروطها، لو انتزعت من اللوحة خطوطها وألوانها، وتخلى البناء عن أسسه وأعمدته؟

هل مرت في خواطركم مثل هواجسي المرعبة هذه؛

أن نغرق في الظلام حين نشعل مصباحا مثلا؟ 

أن نضحك عند الحزن ونبكي حين نرقص فرحا؟

أن نزرع أشجارنا بالمقلوب؟ أن نقيم مأدبة نأكل فيها أوراقنا النقدية بدل الطعام والشراب؟  

الأمثلة إن شئتم تملأ المشهد أمامكم بالصوت والصورة والوثيقة الدامغة. 

هذا العالم نفسه هو الذي يقرّر أن المحتل هو الضحية والمهجر هو المعتدي!

وأن القاتل مظلوم والقتيل هو الظالم!

أي عالم من الفوضى القيمية إذن ينتظر أجيالنا المقبلة! بل أية منظومة قيمية وذوقية وفكرية وجمالية ستتحكم في مصائر البشر في السنوات القريبة المقبلة! إن لم نسارع في التصدي لما يراد بنا.

وبعد هذا وذاك نتساءل مرة أخرى… 

هل هو زحف التكنولوجيا الذي يقف خلف هذه الفوضى في حياتنا؟ أم جشع المصالح الاستعمارية؟ أم هي نظرية المليار الذهبي التي تُجهز على شعوب بأكملها لأنها – كما تدّعي – عبء على خيرات الأرض! 

وبيد من ستكون مفاتيح هذا المأزق الحضاري أو اللاحضاري الذي تلتف حولنا أسلاكه الشائكة.

لا شك أن الوحيدين الذين يعول عليهم في كبح جماح هذا الاختلال المريع في الموازين هم المربون، آباءَ وأمهات ونخباً فكرية وإعلامية وثقافية واجتماعية، وليس تلك الأنظمة السياسية التي راحت تتسابق في الاستسلام لما يملى عليها من قوانين وإجراءات وتنازلات.

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply