
قلم: محمد إقبال حرب
Black and White Surrealist photography by Tommy Ingberg
في يوم من أيّام الصّيف الجميلة، حيث تبدأ زيارة الشّمس الصباحيّة باكراً، إذ يصيبها الأرق طيلة أشهر الصّيف، زارت بقاع العالم من دون استثناء، ووزّعت هدايا الدّفء بسخاء حتى اشتاق البشر لعاصفة باردة. لم تخب دعوات البشر ولم تذهب صلواتهم سدىً في التقاط نسمات باردة في 20 آب 2054 من موجة باردة غير متوقّعة، نسمات باكرة أنست الرّعاع حرّ الصيف. بدأ الطّقس يميل إلى البرودة في النّصف المزدحم من الكرة الأرضيّة بل ازدادت حدّته حتى ظنّ البشر أن سيِّد الكون قد أنهى مهامّ فصل الصّيف لارتكابه خطأ ما أوجب تأديبه.
بدأت الطبقات الجويّة تتّخذ لوناً قرمزياً فاتحاً، ازداد دُكْنة مع ساعات بعد الظّهر، حتى غدا الكوكب الأزرق كوكباً قرمزيّاً. لم تنعدم الرؤية بل ازدادت حدّة، فيما تضاربت الأنباء عن هذه الموجة غير المسبوقة، تلك التي فاجأت علماء الكوكب بمن فيهم وكالة ناسا NASAالتي لم ترصد أيّ إشارة لهذا الحدث. لم تفضِ تقارير البحث الأوليّ إلى أية إجابة إذ لم يستطع العلماء تحديد أيّ عامل إيجابيّ أو سلبيّ من خلال تحاليلهم السريعة. ما أثار تساؤلاتهم الجمّة هو ازدياد حدّة البصر وانقشاع الرّؤية لمسافات طويلة رغم كثافة اللّون الغريب الذي طغى على الغلاف الجويّ حتى أديم الأرض.
نزل الغوغاء من أنحاء الكوكب الصغير إلى السّاحات جماعات وأفراداً، بعضهم يصلّي ويبتهل والبعض الآخر يستمتع بجمال كوكب الأرض من مسافات لم يحلم أن يراها من ذي قبل. تحركّت فجأة مشاعر الإيمان المكبوتة إصراراً وعِنداً وجهلاً فأُذِّن في المآذن وقُرعت أجراس الكنائس فارتعدت فرائص لم تكن على بال. ابتهل رجال الدّين إلى الله؛ لينجّي أبناء البشر من شرور هذه الموجة التي أفتت مراجع أديان عديدة على أنها علامة كبرى من علامات يوم القيامة، على الرّغم من عدم وجود أحاديث أو أدلّة تدعم هذا الادعاء. لكن كونيّة الحدث فرضت هذه الفتاوى، وأذابت جليد العصبيّة الدينيّة، وسقط في يد الأثرياء والزّعماء سراب سلطتهم التي لم يستطع أحد مسّها قبل اليوم.
بدأ العويل والصّراخ في اليوم التّالي كعاصفة جارفة تتناقلها وسائل الأنباء من الشّرق تباعاً حتى الغرب، واكتمال اليوم على وجه البسيطة. فجميع البشر فقدوا حاسة البصر. لم ينجُ أحد. بدأت موجة العمى من حيث بدأ اللون القرمزيّ تلوين القدر بلون أسود حتى مسح الكرة الأرضيّة ووشم أهلها بعمىً كليّ من دون اكتراث للون أو عرق أو دين. اكتظّت الشّوارع بالحوادث وسقطت الطّائرات مرتطمة بأبنية وجسور ومزارع ناهيك عمن سقط في لُجَّة* البحر.
أصابت عاصفة العمى الجميع بمقتل فأسقطت الحضارة. لقد تهاوى كلّ ادعاء بشري بعظمة الجنس البشريّ تهاوى. لم يعد هناك صوت سيارة واحدة في رصيف أو خطّ سريع ولم تعد أصوات الطّائرات تؤرّق رفيف أجنحة الطّيور. طغت أصوات الحوادث والكوارث الممزوجة بصراخ البشر وعويل الاستغاثة على باقي الأصوات. كذلك لم تعد الأنوار ذات أهمية، الشّبكة العنكبوتيّة الأخرى أخذت راحة من تفاهة البشر، وارتجّ على نشطاء “الفايس بوك وتويتر” الذين لم يعرفوا كيف يرسلون “سيلفي Selfie” العمى إلى عميان الكوكب. تساوى العلماء والأغبياء، الفقراء والأغنياء ذكوراً وإناثا في هذه المحنة. الجميع تائه في الطرقات، لا رجال أمن تحفظ القانون أو دفاع مدني قادر على الاستجابة. تاه الجميع، وضاع كلٌّ عن بيته، فاختلطت الأجناس والألوان والأعراق، وتمسّك كل فرد بيد استشعرها على أمل أن تهديه إلى درب الأمان. تضاعف خوف نساء الكوكب من تكاثر موجات الاعتداء والتحرّش التي يتفنّن بها بنو البشر، فكل الرّجال يتحرّشون بالنّساء بطريقة أو بأخرى. لذلك كانت النّساء على حذر من إصدار أي صوت أو حركة تفضي عن جنسهن، مما أدّى بهنّ إلى الانعزال في أماكن منزوية بانتظار رحمة الله. ومع ذلك كانت حوادث الاعتداء في عالم العميان أعلى بكثير من قبله. أما في المدن الكبيرة فشعر لصوص الكوارث بالعجز والخيبة، كما تفرّقت الأسر، وتاه الأولاد والكبار على حد سواء. المادّة لم تعد ذات قيمة، السّيارات الفارهة و”التُكْتُك Toktok* تساويا مع العدم. لا يعرف أحد من أين يحصل على طعام، أين ينام بل كيف يعود إلى منزله. استطاع البعض استخدام جهاز الهاتف الذكي للتواصل عبر العزيزة “سيري Siri ” بمن يحبّ، لكنّ نضوب البطارية أعلن موت التّواصل مع الشّبكة العنكبوتيّة وضرورة الاعتماد على ذكاء لم يستعمل منذ فترة طويلة.
بعد فترة وجيزة من التّيه وانعدام الأمل على كوكب الأرض ملَّ كثيرون وتاه أكثر، وبات الذّعر والخوف من المجاعة والأوبئة بل الاستقرار في أيّ ركن الشّغل الشّاغل لكلّ فرد. كانت الحيوانات فقط هي من تجلَّت فسرحت ومرحت، اعتدت فجرحت وقتلت ونشرت الذعر. لم يتمكّن أحد من معرفة ما إذا ما كانت الحيوانات قد فقدت بصرها، واعتمدت على حواس شمّها وحدسها الفطري أم أنها ما زالت تتمتّع ببصرها، وأهدتها بصيرتها على كائن فقد بصيرته يوم فقد حاسة واحدة من حواسه الخمس، فيما أدرك كلّ المدعين امتلاك الحاسة السّادسة أنّهم كانوا يعيشون في وهم أماط عنه اللثام كارثة على غير ذي بال.
فجأة وفي مدينة ما، سمع النّاس صوتاً بشرياً من خلال مذياع يغطي نطاقاً واسعاً من المدينة: إخواني أبناء البشر، بالغ التّهاني لتخلّصكم من وباء الكراهية، وأهلاً بكم في عالم البصيرة. أنتم خائفون تائهون لولوجكم عالمنا النّقي. نعم النّقاء يخيف من باع جسده وكيانه وروحه لحاسة واحدة، أهلاً بكم لعالم لا يعرف العنصريّة، لا يكره أحداً للونه ولا يحبّ أحداً لجمال بشرته. عالم لا يُنبذ فيه من غطَّته قشرة البشاعة. هأنتم تتعايشون سوياً في محنة البقاء بيضاً وسوداً، نساء ورجالاً، أغنياء وفقراء من أجل البقاء. ها قد تساويتم في قلة الحيلة وسرتم سوياً غصباً وكرهاً باحثين عن حقيقة نفوسكم في أعماقكم التي أهملتموها منذ فجر التاريخ. أهلًا بكم في عالم العمى.
تعالت أصوات العميان الجدد متسائلة: من أنت؟
كيف استطعت تشغيل المذياع؟ لا بد أنّك الوحيد الذي يحتفظ ببصره.
رد عليهم الصّوت: أنا من المحظوظين الذين لم ينعموا بنعمة البصر قط، بل ممن حباهم الله بنعمة البصيرة. أنا من ضحاياكم.
صرخ كثيرون: ضحايانا!!!
نعم أنا من جماعة العميان المبصرة. أنا من فريق الإنقاذ الذي تشكَّل من كل الذين ولدوا عمياناً. الذين استمتعوا بجمال الكون عبر أربع حواس نسيتمونها وتجاهلتم أهميتها منذ فجر التاريخ.
ضحك كثيرون من رد أحدهم: كيف سيقود العميان عمياناً إلى أرض النّور؟
قال الصوت: لا لن نعود بكم إلى لعنة البصر، بل إلى نعمة البصيرة. ماذا يهمّكم من أرض تحفل بنور لا ترونه؟ وماذا ستفعلون بنور شمس لا يرتد إليه البصر؟ ألا ترون أنّ البصر كان نقمة عليكم. ألم تكبتوا كلّ الحواس لتستعبدها حاسة واحدة كما استعبدتم اللون الأسود وكرهتموه. طمستم أصحاب القلوب النقية، لأنّ علبة أجسادهم لم تكن مغلفة ببشرة ناعمة. لقد أسرفتم في الاعتماد على البصر فجرَّكم إلى عمق عالم ماديّ حتى انجرفتم إلى أسحق السّحيق. إعتمدت كل اختياراتكم على الشّكل والّلون، حبّكم وكراهيتكم تعلوان وتهبطان طبقاً لحدّة نظركم. آفاقكم على مدّ بصركم مع أنّ آفاق البصيرة حدودها أبعد من المجرات.
أتحدّث إليكم نيابة عن كلّ العميان الأصليين، العميان الذين ولدوا كذلك ولم يعرفوا بل لم ولن يفهموا معنى البصر الذي لم يفتقدوه يوماً. جررتمونا إلى عالم المادة، فصرنا نقول مثلكم: أبيض جميل وأسود قبيح مع العلم أننا لا نعرف الفرق. كنّا مضطرين أن نجاريكم فيما لا نعرف فنقول فلانة جميلة وفلاناً قبيحاً ترديداً لخبثكم الذي أدخلتموه كياننا عنوة حتى تتقبلوننا… تباً لكم علمتموننا الكراهية.
لكنّنا بالمقابل سنعلمكم الحُبّ والسلام، سنمدّ لكم حبال البصيرة والحكمة. سنعلمكم أنْ تعيشوا على هذا الكوكب مستمتعين بجمال القلوب، أن تتحسّسوا المشاعر من قلب إلى قلب، أن تحكموا على بعضكم البعض تبعاً لدرجة نقاء القلب وحرارة المشاعر. سنعلمكم كذلك كيف تطربون بجمال الطير من خلال صوته لا من خلال قتله. ستنعمون بعبق الوردة لا بلونها، وترفلون بحنان المرأة لا بإغراء جسدها… أيها الماديون أهلاً بكم في عالم الرّوحانية، عالم البصيرة.
رد أحدهم: كيف سنسافر إذاً، كيف سنتواصل دون وسائل التكنولوجيا العصريّة؟
زعق آخر: أنت لا تفهم أيها الأعمى قيمة العلم وما قدمه عصر الصناعة للبشريّة؟
رد آخر: لو كنت يوماً بصيراً لما تفوهت بهذا الجنون…
رد صوت انثويّ من المذياع: أنا إينانا، أخت لكم من عالم العميان، عالم البصيرة. أرحب بكم أيها العميان الجدد على الرّغم من حنقكم على عالم لم تعرفوه بعد. عالم من الصدق والوفاء والعطاء.
سكتت قليلاً كأنّما تسترجع أنفاسها، وقالت: لا ليس عالم العميان مثالياً وما كان خالياً من موبقات البشر، لكنه عامر بفيض أكبر من النّقاء. فأسباب البقاء فيه تتطلّب مزيداً من المحبة والتّسامح، مزيداً من التّعاون بحواس لن يكبتها البصر بعد اليوم. نحن في عالم الظّلام نسْتشفّ نوراً من الحبّ وحرارة من المودة تبعث فينا روح تواصل غير ماديّة. نحن لا نعرف القتل عن بُعد، ولا نعرف التّجسّس والتلصّص، لا نقيِّم البشر تبعاً لأشكالهم ونضارة بشرتهم أو فراهة ما يملكون… بل لا نحبّ بعضنا البعض إلا بقدر الصّفاء والنّقاء الذي ينبعث موجات من كيانات أبناء جلدتنا. أيّها العميان الجدد أهلاً بكم في عالمكم الجديد الذي سيجعلكم تحبون كل الألوان وجميع الأشكال من دون استثناء رغبة في البقاء. أهلا ًبكم في عالم خالٍ من عنصريّة اللّون والشّكل وتزييف الوجوه بأقنعة الكذب والدجل. أهلا ًبكم في كوكب العميان.
***
* لجّة: ماء كثير تصطخب أمواجُه.
* التكتك: هو مركبة نارية ذات ثلات عجلات، تستخدم غالبا كويسلة للانتقال بالاجرة.
~-~-~
* من مجموعة “العميان الجدد” القصصية
---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل