ثروتان لا تلتقيان

محمد إقبال حرب

مع أنني خبيرُ بصَريّات يعرِف البصَر وخباياه، وكاتبٌ يستنجدُ بالبَصيرة ولو عن بُعد، بين رواية وقصّة، لم يخطُر ببالي المُقارنة بينهما. واليوم أجدُني ساعيًا للكِتابة عنهما بعدما طلبَ مني الأخ الصديق والأديب الباحث د.علي حرب أن أكتُب لمجلّة “همس الحوار” الأكاديميّة البريطانيّة بدعوة من السيّدة الراقية مي العيسى عن البصَر والبَصيرة.

من البديهي أن نسبُر حقيقة البصَر والبَصيرة قبل الشُّروع في مُقاربتهما أو مُقارنتهما إن استطعنا إلى ذلك سبيلًا. فالبصَر جزءٌ من جِهازنا البشَري المُعقّد حدّ الإعجاز. مواصفاتُه غير مُتناهية العدد والدقّة، مُترابطة كشريط وراثي لا يفنى رغم أنه يورّث، مع ذلك  سبَر البشَر خباياه إلى عُمق النانوميتر. أدرَك العِلم أن العين تعملُ كـآلة تصوير دقيقة، تحتوي على ستة ملايين خليّة مخروطيّة للرؤية النهارية ومئة وعشرين مليون خليّة عصوية للرؤية الليليّة. تنتقلُ الصورةُ إلى الدماغ لتحليلِها خلال 13 ميلي-ثانية (Millisecond) لنُدرك الصورة التي نُسمّيها بصَرًا. العين جزءٌ من الصّفقة البشَريّة، تولد معنا خاليةً من الشوائب، وإذا وُجدت يمكن حلّها في معظمها.  يخوّلنا الطُبّ الحديث المُحافظة على بصَرنا إلى نهاية المطاف، وحتى تحسين عُيوبه بجراحات وأدوات مِجهريّة عبر عمليّات تستغرق، في غالبيّتها، دقائق.

يوصلُنا البصَر بالعالم الخارجي بعيدِه وقريبِه، كما يُساعدنا على التفرقة بين الجيّد والخبيث، الخطَر المُقبل أو الخير المأمول، فضلًا عن رصد ما حولنا لمسافات بعيدة، ويمنحُنا مُتعة الاستمتاع بالجمال أو الحذَر من المخاطِر كما التفرقة بين بيئة وأخرى والحُكم عليها، كلّ ذلك  من خلال الصورة التي يلتقطُها الجهاز البصَري. لكن ليس كلّ ما نراه صادقًا وحقيقيًّا إذ قد يتعرّض الجهاز البصَري لخِدع بصَرية، سواء ظواهر طبيعية أو خِدع بشَريّة. العين جهاز آلي لا يتمتع بالذكاء لذلك يعتمد البصَر في تحليله وتقييمه على الفص القذالي ( Occipital Lob) من الدماغ، غير أن لهذا الكمال نقطة ضُعف تتجلّى بتردّي الحالة الصحيّة وتتأثر بالإرهاق والكُحوليّات والحالة النفسيّة، لذلك لا يُعتمد عليه في الأوقات الصعبة. من حسنات عصرنا التكنولوجي المميّز القُدرة على إعطاء البصَر زخمًا غير مسبوق، فنسبُر الفضاء عبر رؤيتنا للمجرّات، ونقرّب المسافات عبر هواتفنا، فنرى أبعد مما حلم به بشَري على مدى تعاقُب الأزمان والحضارات. البصَر الناتِج عن جهاز بصَرنا “العينين” المُكوّن بمجمله من مادة مُدجّجة بجهاز عصبي مُتطور، نتحكم  فيه شخصيًّا أو عبر تدخُّل بشَري، حميد أو خبيث على حدّ سواء.

أما البَصيرة التي لا تحمِل تعريفًا مُحدّدًا، وليست حاسةً مُحدّدة في كينونتنا البشَريّة كما بقية الحواس، بل لا يمكن تصنيفُها وتحديدُ وظيفتها على غرار ما نفعل مع الحواس الخمس، فتتجلّى في الأوقات الصعبة بردًا وسلاما، وتُشرق، عندما يحلّ الظلام بصاحبها، رؤىً وحكمًا. 

لا يتوافر سجلّ مُحدّد لبداية تجلّي البَصيرة، تمامًا كطفرات الذكاء بأنواعه التي نرى آثارَها عبر شواهد انتروبولوجية كثيرة. أما في عصرنا الحالي، فإن طفرات الذكاء كالذاكرة الفوتوغرافية، أو التواصل عن بعد “Telepathy” وغير ذلك من حالات نادرة، تخضع للبحث والتنقيب بسريّة تامّة لاعتبارها ثروة قوميّة. هذه الحالات بما فيها البصَريّة أو الرؤيا وُصمت في الماضي بالسحر والزندقة والكُفر كونها تشي بعَلاقات مشبوهة مع عالم الجنّ أو العالم المُظلم. لكن مع تطور العِلم وتحضُّر الإنسان حملت هذه الطفرات اسم الحاسّة السادسة التي يتمّ التعرف عليها من خلال نتائجها وليس عبر أحد أعضاء الجسم. 

لو عُدنا القهقرى إلى الأجيال الأولى، لما وجدنا أثرًا يُذكر لأصحاب الطفرات من مُخترعين ومُبدعين ومُصلحين اجتماعيّين، في حين نجد  تفاصيل لا تُحصى لأصحاب القوّة والجاه، إذ كانت الكلمة الفصل للقوّة التي تجرُف المُبصِرين والمُتنوّرين كما الرُعاع. أهمل التاريخ البَصيرة وتمّ التعتيم على أصحابها لأسباب سياسيّة ودينيّة، لكن في عصرنا “المتسامح” بدأ العالم المادي يبحث عن أصحاب الطفرات ليمحّصها ويُدرك سرّها بأساليب ماديّة بحتة، في مفارقة مُبكية تجعل المسعى المادي وسيلة لسَبر حقيقة البَصيرة، ما أدّى إلى فشل ذريع أجبر العالم على نعت هذه الطفرات بالروحانيّة، ولو على خجل. لم تتغيّر النظرة الحاليّة للبَصيرة في العالم المادّي بشكل قاطع إذ أن شيطنتَها الغائرة في التاريخ ما زالت سائدة عند العامة، ومن أشهر حالات الكراهية للمُتبصّرين الحرب على “الساحرات” في أوروبا في القرن السابع عشر خاصة في بريطانيا وألمانيا، وأيضًا في أميركا، التي قضت على عشرات الآلاف من النساء المُتبصِّرات والثائرات بتهمة السّحر، ما “أدّى إلى القضاء على مواسم الزراعة وانهيار الاقتصاد” كما جاء في السجلّات الرسميّة. والبَصيرة المتوهّجة أودت بحياة مُصلحين وعُلماء كالحلّاج الروحاني بتُهمة الزندقة والإلحاد، كما بروتاغورس الذي أصدر كتاب “دوران الأفلاك” بتبصُّر مُذهل. ساهمت جرائم القتل والتنكيل بالمُتبصّرين وأصحاب الرؤى في انحسار ذِكرهم، وتواريهم عن حدّ السيف لقُرون، مع ذلك برز بعض أصحاب البَصيرة المُتنوّرين بلباس وِجداني ورع تحت راية الدين كالسيد المسيح، والحكيم لاتسو والإمام الحسين، إضافة إلى عُلماء نازعتهم بصيرتُهم على الابداع وتغيير الحياة البشَريّة رغم المخاطر التي أودت، عبر التاريخ،  بحياة الذين أناروا دروب  الإنسانيّة على هذا الكوكب المُظلم وجدانيًّا. 

بعد كلّ ما سبق يُربكني السؤال عن البصَر والبَصيرة فأجدني مُربكًا في الإجابة، مُربكًا من السؤال بحد ذاته، إذ لا يُمكن مُقارنة أو مُقاربة المادي بالروحاني، فالبصَر مادي صرف، فيما البَصيرة روحانيّة أو غيبيّة نقيّة، لكن يُمكننا الخوض في ماهيّة كلّ منهما، قدر الإمكان، وفي أثره الاجتماعي.

العين جهاز يمتلكُه البشَر كما أي عضو من أعضاء الجسم، وقد أشرنا، آنفًا، إلى مواصفاتها بإسهاب. أما البَصيرة، فهي شأن وِجداني، غير مادي، لا صِفة محدّدة أو وصفًا وافيًا لها، على غرار الروح أو الحُبّ، وقد احتار العُلماء في تحديد ماهيّتها وكينونتها الماديّة أو الفيزيائيّة، فلم يُنشر كتاب علمي واحد حول البَصيرة، ورغم وجود كُتب فلسفيّة وأدبيّة حولها إلا أن أيًّا منها لا يدّعي معرفة بيّنة دامغة حول حقيقة البَصيرة، بل شطح كُتّاب كُثر إلى حدّ اعتبار صاحب البَصيرة وليًّا أو قدّيسًا.

وما أصاب البَصيرة في مقتل هو التجاهُل المقصود للمُتبصّر العليم خوفًا من الحاكِم ما أدّى إلى تحجيم أو تحجير “البَصيرة”، فلم يُذكر إلّا أصحاب الكرامات أو دراويش الصوامع وتمّ وشمُهم بالبَصيرة والرؤيا، ونزع عنهم سمة الرُقي الإنساني الذي أنار قُلوب البشَر على إثنياتهم ودياناتهم وألوانهم عبر العُصور. 

ما زلت أتساءل عن البَصيرة بينما أُبحر في عالمها بشغف المُريد! ربما أدركتُ بعض نورها راغبًا في المزيد. وجدت أن البَصيرة لا لونَ لها إلا النور، ولا مادّة لها إلا عطر الحِكمة وصِدق الفعل. يتميّز صاحبُها بالعقل والإدراك والفطنة، وبنظر نافذ إلى خفايا الأُمور. لا تَنتج عن علم مُسبق أو وعي واختيار، لكنها تنضُج بالعلم والمعرفة، تنجلي بالتجربة والتأمّل، ترقى بالاستدلال والتحليل، تتوهّج بالحِكمة المُكتسبة، والمُتبصِّر العالِم القدير يطوّعها للنفاذ إلى عُمق المُعضلات وسَبر دُروب تفكيكِها بحِكمة ورويّة تتفادى الأثمان الباهِظة في النفس والروح والمادّة. والبَصيرة، صنو الرؤيا لا تخضَع لعِلم أو تنساق لعُلوم ماديّة لا تخدُم جوهرَها، فهى دانة بحار العِلم تحفظُها قوقعةٌ خالدة تفتحُ أبوابَها لأشخاص يختارُهم القدَر في طفرات عبر الكوكب والأزمان. 

في الختام، أرى أن مقاربة ومقارنة المادي إلى الروحاني غير عادلة للطرفين. فالبصر مادي صرف يخضع للمرض والتغيُّر والتدخل البشري، بينما تولد البصيرة متوهّجة لا تخبو حتى بعد فناء حاملها البشري. ومن الناحية الاجتماعية لا يستفيد من البصر إلا صاحبه ويفنى بفنائه، أما البصيرة، يفيد كلّ من يغترف منها، وتنحث آثارًا وجدانية تستقي منها الأجيال حِكمًا ومواقف إنسانية، وعلومًا روحانية يحتاجها كلّ منّا في حقبة ما من حياته. 

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply