أصوات الصَّمت: العين الثَّالثة
في قرية صغيرة اسمها الجوهرة عاشت فتاة تدعى ليلى. كانت ليلى مشهورة ببصرها الحادِّ؛ لقد كانت تستطيع رؤية عشِّ الطيور من مسافة بعيدة، وعدَّ النجوم في السماء ليلاً. وبالرغم من رؤيتها الحادة كانت تشعر دائماً أنَّ ثمَّة شيء أعمق تفتقده.
في إحدى أمسيات الصيف، وبينما كانت تستكشف الغابة الكثيفة على مشارف الجوهرة، تعثَّرت ليلى برجل مسنٍّ ضرير جالس إلى جانب شجرة. كان اسمه يوسف وكان معروفاً في القرية بحكمته العظيمة.
“مرحباً يا سيِّدي. ماذا تفعل هنا وحدك؟” سألت ليلى بفضول.
ابتسم يوسف بحرارة. “قد أكون وحدي يا طفلتي لكنَّني لست وحيداً. الغابة تبقيني مع رفقة.”
جلست ليلى بجانبه. “كيف تستمتع بالغابة دون أن تكون قادراً على رؤيتها؟”
ضحك يوسف بهدوء. “البصر هو مجرَّد وسيلة واحدة للإدراك. أغلقي عينيك واستمعي.”
بالرغم من شكِّها دفعَها فضولها لإغلاق عينيها. في البداية لم تسمع سوى حفيف الأشجار وزقزقة الطيور. ولكن مع التركيز أكثر، بدأت تسمع خرير الماء من جدول بعيد، ودويَّ الحشرات، وهمس الرياح بين الأشجار. وكأنَّ الغابة أُحِيَيتْ بطريقة جديدة.
“أترَين؟” قال يوسف، “عندما تعتمدين على عينيك فقط تفوتك جواهر الأشياء. البصيرة الحقيقية تأتي من إشراك حواسِّك جميعها وفهم الروابط بينها.”
فتحت ليلى عينيها وعقلُها يضجُّ بأفكار جديدة. أدركت أنَّه بينما بصرها قد أراها العالم فإنَّ البصيرة هي التي ستساعدها على فهمه حقَّاً.
منذ ذلك اليوم راحت ليلى تزور يوسف بانتظام. علَّمها كيف تشعر بملمس الأوراق وكيف تميز الروائح المختلفة للأزهار وكيف تستمع إلى القصص التي ترويها الغابة بأصواتها. تغيَّرت وجهة نظر ليلى وبدأت بتقدير عمق محيطها وغناه بطرق لم تكن قد أدركتها من قبل.
كتبت في مفكَّرتها تحت عنوان “أصوات الصَّمت: العين الثَّالثة”
“إنَّ البصر والبصيرة جانبان متكاملان من الإدراك الإنسانيّ. البصر يعطينا القدرة على رؤية العالم من حولنا، بينما تمنحنا البصيرة الفهم العميق لهذا العالم وتحليل معانيه ودلالاته. في حياتنا، من المهم أن نتعلَّم كيفية تطوير القدرتين كلتيهما لنتمكَّن من العيش بتوازن وإدراك كامل لجمال وتعقيد العالم من حولنا”.
بعد سنوات، بعد أن وافت يوسف المنية، أصبحت ليلى راوية القصص في القرية، تروي الحكايات عن جمال الجوهرة كما تبصره العيون وتشارك أهل قريتها البصائر العميقة التي اكتسبتها.

رؤى عميقة
تأكَّد من هُويَّته الوطنية بعد إصدارٍ جديد لهُويَّة شخصية له، ممَّا جعله يشعر بالانتماء والاعتراف الرسمي بهويَّته.
تأكَّد من زوجته المستقبلية بعد أن التقاها في الجامعة، فقد بدأ يرى الحب من منظور جديد، لا كرابط بين شخصين وحسب بل كقوة تربط القلوب والأرواح.
تأكَّد من مستواه العلمي بعد أن نال شهادة من الجامعة، ليكتشف أنَّ التعليم ليس مجرد معلومات يحصل عليها الإنسان، بل هو عملية تمكِّنه من رؤية العالم بطرق جديدة وتمنحه فهماً أعمق للحياة.
تأكَّد آدم من ذاته في اختيار وظيفة تناسبه، ممَّا جعله يدرك أهمية التوافق بين الإنسان والعمل الذي يقوم به لتحقيق الرضا الذاتي والنجاح المهني.
اختارته الحكومة ليكون في إحدى اللجان المهمة في إدارة القضاء، فتعلَّم رؤية العدالة بعين الإنصاف والبصيرة.
واجه آدم تحدَّيات كبيرة في وظيفته…
حاربه الموظَّفون…
حاربه السياسيون…
حاربه الحزبيون.
هذه التحديات كانت اختبارات لصبره وإخلاصه، ممَّا جعله يرى قوة الصدق والنزاهة في مواجهة الفساد.
تأكَّد آدم من إخلاصه في العمل بعد أن أبعده ربُّ العمل عن عمله الذي حارب خلاله أنواع الفساد الإداري والمالي، إلى عمل آخر.
كانت هذه التجربة درساً في التضحية والإخلاص لمبادئه عزَّز رؤيته العميقة لمعنى العمل الحقيقي.
---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل