ولأدخل القبر وحدي

Lubna Yassin

لبنى ياسين

هكذا هتف الحنق في قلبي:”سأنفصل عنها مهما كانت النتائج”.

ليس أنني لا أحبها، بل أنها أقربُ إليَّ من حبلِ الوريد، تكادُ تسمعُ ما أناجي به نفسي ساعةَ كآبة تمزقُ إنسانيتي، وتطغى على تفاصيل وجودي، لكن قربها المبالغ فيه يمزقني غيظاً وغضباً، يكاد يقتلني كمداً، يغتال أدق تفاصيل خصوصية مزعومة يُقالُ أنّ على الإنسان أن يحظى بها، وهي تتسللُ من خلال أوردتي، وشراييني فلا يبقى شيء إسمه (أنا) يلوحُ في أفقِ الوجود.

تشبهني هي في كل شيء إلا أنها أقل جرأة مني، وإلا لماذا تتوارى بعينين ملؤهما دموع تحاول إبتلاعها عندما تلمح شبح موضوع إنفصالنا يلحُّ من عينيّ؟! تخافُ على مشاعري، ولا تدرك أنني أعرفُ أدقّ خلجاتها، وأعمق سكناتها، مثلي هي ترغب في الانعتاق، وتهفو إلى سماء الحرية، تتوق إلى الإنصهار في ذات واحدة لا أكون أنا جزءاً منها…لكنها لا تقوى على البوح بأحاسيسها.

عمر بأسره قضيناه معاً، نلملم الوقت المبعثر على (لا شيء) إلا انتظار ممل لمعجزة تهطل علينا من سماء الأماني، معجزة لم تحصل يوماً..ولن تحدث، لم أفارقها يوما، عشرون سنة، وهي تعرف خبايا  قلبي، أفراحه، وأحزانه، نضحك سوياً، ونبكي معاً، تكاد الدمعة تنشطر بين عيوننا، تنتابنا الأحاسيس نفسها في  لحظة واحدة، وتباغتنا الكلمات ذاتها في الوقت عينه، أحبها…أحبها جداً، ولا أكاد أتخيل لحظة الانعتاق، تلك التي أنتظرها بلهفة تحتضن فرحة سنين عمري كله، كم ستكون مؤلمة… رغم كل شيء.

أدرك تماما أن إصراري على الانفصال أرّق من حولنا بمن فيهم هي، كلهم يرددون أمامي بغباء ببغاء لحوح نتائجَ بتُّ أحفظها عن ظهر قلب، يخبروني بأننا كبرنا على الإنفصال حداً لم يعد ُيحسبُ ضمن خياراتنا المعقولة، يهبونني وقتاً للتفكير ثانية، وثالثة، ورابعة، وقتاً أضعت أضعافه في البحث عن إجابة سؤال واحد ظلَّ يؤرق مضجعي: هل يستحق ذلك كل تلك المجازفة؟!

ما أسهل الحديث عن المجازفة، وأنت مستلق ٍ على شاطئ الأمان تنعمً بشمس الإستقرار، لا تكويك نيران الإختيارات الحارقة…الإختيارات التي بين فكيها يستلقي عمر ضائع، وآخر قد يضيع. بين موت افتراضي، وموت محتم.

خائفة هي، أكاد أسمع دبيب الخوف، وهو يعتصر فؤادها النقي، وأرى الأسى يطل من نافذة عينيها، أريد أن أصرخ في وجهها:” لا تكوني جبانة…حياتك تعنيني كما تعنيك تماماً إن لم يكن أكثر، فلا تضيعيها، وأنت ملتصقة بي..إنه قدر كما الموت, بل ربما أشد قسوة”.

إلا أنني أصمت في اللحظات الأخيرة، أعرف أنها ستذعن لرغبتي أولاً وأخيراً، فلماذا علي أن أكلل انتصاري بالصراخ عليها؟ ليكنْ انتصاراً صامتاً، فللصمت هيبة لا يعرفها الا من ُاقتحمتْ قوقعة خصوصيته، وانسكبَ الناسُ في خلوة رأسه.

أسئلة تلح علي كلما أمعنت في التفكير، ما الشيء الذي تخشى أن تخسره حتى يشتتها الحزن، وتبللها الدموع، وتغوص في ردهات قصيّة وحدي أستطيع قراءتها تماماً؟ هل تدرك كم أحبها؟ هل تعلم أن قراري هذا من أجلها بقدر ما هو من أجلي؟هل تعلم كم يؤلمني إجبارها على الانصياع لقرار اتخذته وحدي؟ 

لم أقصد أن أخذلها، لكنها أجبن من أن تتخذ قراراً، كعادتها تركت الأمور على عاتقي، وانكفأت إلى عوالمها العميقة يجللها صمت حزين، وبقيت وحدي أجابه كل من حولي بقرار …أغلبهم لا يرونه صائبا، لأنهم لم يتورطوا يوماً في الإنشطار بين رغبتين لا تقل إحداهما إيلاماً عن الأخرى، ولا في التوحد في كائن آخر ترغب في أن تفصل إنسانيتك عن كيانه، ولو للحظة واحدة تموت بعدها.

تقدم أبي مني يحمل ورقة تحمـّلني وإيّـاها مسؤولية القرار، وفي عينيه شظايا عتب مدببة اخترقت قلبي بدءاً من نافذة عينيّ، أشحت بوجهي عنه هرباً من سكاكين اللوم التي يوجهها إليّ، فاصطدمت بها، عينان مغرورقتان بالخوف معجونتان بالرجاء، ولماذا الخوف؟ هل هناك من يستطيع أن يهرب من القدر؟ هب أننا سنموت بسبب الإنفصال، أليس الموت قدراً كتب علينا من قبل حتى أن نولد؟! ما الفرق إن متنا معاً، أو متنا منفصلتين؟! وما يهمني في اللون الذي ارتدته المنيّة طالما أنها لن تحدث إلا في وقتها المحدد تماماً على لوحة القدر؟ هل هناك فرق بين الموت كمداً، أو الموت في غرفة العمليات، أو الموت في حادث سير؟ أليس طعم الموت واحداً في كل الأحوال؟! لماذا لا يستطيعون أن يروا أبعد من أنوفهم المدببة؟!

أمسكتُ القلمَ بيميني ووقعتُ دون تردد، ناولتها إياه، وكما توقعتُ تماماً، رغم برودة أطرافها، وإرتعاش أناملها، ودقات قلبها التي أسمعها بكل وضوح معلنة جبنها الأبدي، وسلبيتها القاتلة عند المنعطفات الصعبة في دروب الحياة، ورغم اعتراضها وتحفظها، أذعنتْ لرغبتي دون تذمر وسط نحيب مر حاولتْ أن تبتلعَ شهقاته فلم تفلح.

مشى الطبيب أمامنا دون صوت يقودنا إلى غرفة التحضير للعمليات، غرفة بسرير واحد، أمني نفسي ..أحلم.. غدا سيكون لي غرفة بسرير منفصل، أحظى بشغله وحدي، أتقلب كما أريد وعلى الجانب الذي يريحني دون أن أزعج أحداً أو يزعجني، سيكون الغد أفضل لكلينا مهما قالوا اليوم، ومهما نال منا الألم، سأسير في الشارع وحدي، وسيكون لي أسراري الصغيرة التي أواريها دون أن يشاركني فيها أي إنسان سواي.

غدا سأرتدي ما أشاء وأخلع ما أريد ..أذهب في أي إتجاه دون الحاجة إلى رأي آخر ما هو إلا صدى مشوه لرأيي، صدى يكرر ما أقول، ويعيد ما أفعل، أظنني عبء عليها أكثر مما هي عبء علي، فلطالما كان القرار لي وعلى عاتقها تنفيذه، لم تعترض يوماً، ولا هي امتعضت حتى، وهكذا وجدت نفسي أمتلك شرعية لا أستحقها تماماً- حظيت بها ليس بسبب صفة أملكها, بل لصفة لا تملكها هي- أمسك دفة القيادة، وتمسك هي بتلابيبي فأشعر بالإختناق رغم كل تنازلاتها، أشعر أنها حمل ثقيل أحمله فوق رأسي، حمل أحبه وأكره وجوده..أكره التصاقه بي، أكره أن يكون لي ظلاً، حتى ظلي المرسوم على الأرض ساعة تستبد الشمس بنا يذكرني دوماً بها، يجرعني تفاصيل علقم وجودها أكثر مما أطيق، كأنه مفصل على مقاس حنقي وامتعاضي، تُراني عبئا ثقيلا على كيانها؟ أم أنها اعتادت على الخنوع حتى لم يعد الإنعتاق جزءاً من أحلامها؟…ذلك الذي هو حلمي الوحيد الذي أعيش من أجله، وقد أموت من أجله أيضاً.

غدا …سأغدو أنا…أنا وحدي…أنا التي لم أعرفها ، لأنني لم أكن (أنا) يوما…بل كنت دوماً جزءاً ممحياً من (نحن).

يا الله ما أحلى هذا الغد الذي سيكلفني ألماً فوق طاقتي…وطاقتها.

فجأة يقاطعني صوتها ضارباً أفق السكون، قادماً من عالم لا أسكنه إلا في جسد يستعد للتمزق، والإنعتاق في لحظات كهذه، تتساءل في خنوع، وخوف محملة صوتها من الرجاء ما يفوق طاقته:”هل كان علينا أن نجازف فعلاً…ماذا لو باغتنا الموت؟!!

أجبتها بصوت عالٍ والغيظ يأكل أطراف قلبي:

 على الأقل سيكون لي قبر…قبرأدخله وحدي.

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply