
قلم غادة عريم
العمل الفني لوي كوفير Loui Jover
الصباح يحلو في هذه المدن الاسكندنافية عندما تنشر أشعة الشمس نورها فيتراءى كأنَّه بلّورات ذهبية تتساقط على الثلج الفضي المائل إلى البياض فيتلامع الكلُّ مع بعضه ليصبح صفحة من قصص الأساطير التي كنت أقرؤها وأنا صغيرة. ينكشف هذا اللمعان عن قصر كثير القبب بعيد لا يصله أحد غير الأفكار. كلُّ فكرة لها غرفة خاصَّة بها ترسم خارطة للناس فيتحرَّكون ويتصرَّفون وفقها. وعندما يكتمل المشهد تعود الأفكار إلى غرفها تنام لتصحو في يوم التَّالي بخطَّة جديدة.
عندما وصلت سناء إلى مدينتها التي قررت دائرة الهجرة أن تُسكنها فيها لم تكن تحمل حقائب أغراضها الخاصة فقط إنَّما كانت تحمل معها حقائب ثقيلة من المخاوف، مخاوف تلك الأفكار والمعلومات التي سمعتها من الآخرين ومن الإعلام عن هذا البلد الغريب جدَّاً عنها.
إنَّهم يبتسمون في وجهي دون أن يعرفوني بطريقة ودودة لم أكن أتوقَّعها!
لقد حذَّرها سمير الذي كان معها في الطائرة من أنَّهم أناس يتَّسمون بالوحشية ضد الأغراب ويمقتونهم.
أوَّل شخص تعرَّفت إليه سناء هو (يارلا) المسؤول عنها في البلدية. كان يستقبلها بابتسامة ويتحدَّث معها بالإنكليزية ويسألها عن احتياجاتها هي وابنتها البالغة من العمر ثماني سنوات. وكان يقدِّم لها التسهيلات الممكنة بلا تردُّد، وهو الأمر الذي جعلها تشعر بالأمان والاطمئنان.
في المبنى الذي كانت تسكنه سناء كانت هناك أربع عوائل أخرى: اثنتان من أهل البلد واثنتان من أفريقيا. كانت الأصوات تتعالى من الشقق التي يسكنها الأجانب. أزعجها ذلك فطلبت من يارلا أن يجد لها سكناً آخر فأخبرها بصعوبة الأمر.
كان الأجانب عندما يلتقون ببعضٍ يتبادلون الأحاديث عن سرقة الأطفال من العوائل الأجنبية عن طريق مؤسَّسة تدعى (رعاية الطفولة)، وقد سمعت سناء بهذه المؤسَّسة قبل قدومها إلى هذا البلد. كانت تخاف أن يأخذوا ليلى منها فهي كلُّ ما تبقَّى لها من عائلتها التي قُتلت في الحرب.
في صباح أحد الأيام وهي في الطريق إلى المدرسة رأت جارتها الأفريقية مع ابنها وهو يقف على الجليد يرفض التحرك وأمُّه تحاول سحبه دون جدوى. دفعته الأم بقوة فوقع على الجليد وهو يصرخ والدم يتدفَّق من فمه. أصاب سناء الذعر وراحت تتلفَّت حولها فرأت امرأة تصوِّر المشهد. علمت حينها أنَّ المصيبة قادمة وستأتي الشرطة ومؤسَّسة رعاية الطفولة لتحاسب المرأة الأفريقية. فكَّرت للحظة: ماذا لو أخذوا ليلى منها أيضاً؟
ركضت مسرعة ولملمت أشياءها المهمَّة وهربت لا تعلم إلى أين حتَّى وصلت إلى مزرعة بالقرب من المدينة واختبأت بداخل كوخ صغير. بقيت تلك الليلة هناك حتى تقرِّر ما ستفعل بعدها.
وبالفعل أخذت الشرطة ومؤسَّسة رعاية الطفولة الطفلَ الأفريقي من عائلته ولا أحد يعرف مصيره.
في اليوم التالي اتصلت سناء بيارلا، فهو طيِّب القلب، لتخبره بما حدث وبهروبها من السكن. أطلق ضحكة عالية وطلب منها الرجوع؛ فلا خطر عليها وعلى ليلى.
عندما التقت سناء بيارلا أخبرها بحقيقة الأمر. هذه المؤسَّسة، مؤسَّسة رعاية الطفولة، هي بالفعل تعتني بالطفل ولا تأخذ الأطفال من العوائل دون سبب. والمعلومات التي وصلت لسناء كانت خاطئة. وبالفعل كان الطفل الأفريقيّ يتعرَّض للعنف من عائلته وستأخذ المؤسَّسة الطفل لبعض الوقت في محاولة تهيئة عائلته لتحسن رعايته. وإن لم يحصل الأمر واستمرُّوا بتعنيفه فحينها يُرحَّل إلى عائلة أخرى.
شكرت سناء يارلا على التوضيح واعترفت بخطئها. لقد اعتمدت على معلومات خاطئة من المغتربين في هذا البلد، والحقيقة شيء آخر.
أدركت سناء أنَّها حصلت على الكثير من المعلومات الخاطئة ممَّن هم حولها. فأهل البلد ليسوا بوحوش، ولا عقاب دون ذنب.
تؤدِّي المعلومات دوراً حيويا ًفي حياة الأفراد والمجتمع سواء إيجاباً أم سلباً، فكم من الدول انهارت بسبب دسِّ المعلومات الخاطئة. وقلَّة المعرفة في المجتمعات تجرُّها إلى قعر الهاوية حين يصدِّق الناس تلك الإشاعات والافتراءات. كلُّ تلك الانقسامات التي حصلت في بلداننا سببها ضعف قاعدة المعرفة.
وكما يُقال: يعتمد نجاح القرارات على أمرين : المعلومات المتوفِّرة و العقل الذي يصنع الإنسان.
---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل