الأفعى

إخلاص فرنسيس

عندما أطلّت البوَّابة المشرفة على الوادي المتفرِّعة من الطريق الأسفلتيّ المشرف على الناحية الغربية صوب المحيط كان الوقت قبيل الغروب والشمس قد هدأت حرارتها وهي تغرق خلف الجبل تتهيّأ للغطس في مياه المحيط الهادي الباردة.

سيِّدتان إحداهما قد تخطّت الأربعين، تحمل على ظهرها حقيبة سوداء، ترتدي قميصاً أحمر وبنطالاً قصيراً أعلى من ركبتيها الهزيلتين وتعتمر قبَّعة بيضاء واسعة لتحمي وجهاً دقيقاً نفرت منه عظام الفكّين والشفتان الدقيقتان، ترتدي نظَّارة شمسية سوداء وتمشي جارَّةً رجلها اليمنى بصعوبة. الأخرى ترتدي قميصاً وبنطالاً أسودين، نحيلة، تبدو كشبح يسير في الأرض المهجورة. يمشي إلى جانبهما رجل نحيل طويل القامة في بنطاله الخاكي والحذاء الرياضيّ الأسود وقميص أسود واسع وقبّعة رمادية. عيناه حادَّتان صغيرتان تحملان حدَّة الشرق الأقصى. وأمامهم ولدان دلفا إلى الطريق المتعرِّج الذي تحيط بجوانبه الأشجار وبعض النباتات البرية. ورائحة الربيع المتأخِّر تنتشر مع الهواء البارد.

اقتحمت هذه المجموعةَ شابّة ٌ كانت تهرول مع كلبها الأسود بثيابها الرياضية وجسدها الرشيق، توقّفت وخلعت السَّمَّاعة من أذنيها وقالت للمرأة العرجاء: هذه منطقة أفاعي الجرس. هناك الكثير منها هنا. رأيتها من قبل.

شكرها الرجل مبتسماً فلاحت أسنانه الصفراء من بين شفتيه الدقيقتين. أكملت طريقها بضع خطوات وتوقّفت عند الولدين اللذين بدَوَا في عجلة من أمرهما، يركضان إلى الأمام ثمّ يعودان. قالت:

إنّها أواخر الربيع، وهذه منطقة أفاعي الجرس، فاحذرا.

نظر إليها الولد الصغير مبتسماً يهمّ أن يقول شيئاً، يرفع يده في حركة لا مبالية، أمّا الرجل فقال:

آه.. حقّاً! شكراً للنصيحة.

لم تسمع آخر الكلمات. أطلقت للريح قدميها وراحت تطير بين الزهور البرِّيَّة وكأنَّها في سباق مع الزمن.

عاد الولدان إلى المرأة التي نادت قائلة: 

انتبها، هناك أفاعٍ.

أجاب الرجل: إنَّ هذه الافاعي ذاتُ سمٍّ مميت، وهي خبيثة جدَّاً.

قال الولد الصغير: نعم درسنا عنها، لكن لا أصدّق ما قالته تلك المرأة.

أجابت المرأة: لماذا؟ لو كانت هناك أفاعٍ كما قالت لما عادت مرة أخرى.

– هذه أحراش، ولا تعرف ماذا يختبئ خلفها. أجاب الولد الكبير بصوت مرتجف، واقترب من والده قليلاً وراح يلتفت يمنة ويسرة.

أجابت الأمّ: في كلِّ الأحوال ما علينا إلَّا الحذر الآن.

أمّا المرأة الأخرى فبدت في حالة ذهول، وعيناها كأنَّهما بلّور زجاج. لم تتفوَّه بكلمة، وبدت خطواتها تتعثَّر بالحجارة.

قال الرجل: ليحمل كلٌّ منَّا حجراً.

أجابت الأمّ: انتبه. علَّ تحت الحجارة أفاعي صغيرة قد فقست، فهذا موسمها.

قفز الولد الكبير رافعاً يده التي كانت على وشك أن تمسك بحجر كبير.

أجاب الوالد: لقد شاهدت برنامجاً وثائقيّاً عن أفاعي الجرس، صغيرها أخطر من كبيرها.

قاطعته المرأة: تصدر صوت جرس. هذا حقيقيّ. لقد سمعت صوتاً حين عرَّجنا على الطريق الترابية قبل أن تعلمنا تلك الفتاة عن موسم الأفاعي. لا بدَّ أنَّها كانت أفعى تتربَّص تحت الشجر.

– انظر، قال الولد الصغير، تلك الفتاة قد عبرتْ الوادي. لا أعتقد بوجود أفاعٍ.

– علينا الحذر، قال الولد الكبير بصوت خافت، إنَّ الصغيرة أخطر لأنَّها لا تعرف متى تتوقَّف عن بثِّ السُّمِّ.

أضاف الوالد: لدغتها خطرة فهي تمتلك مجموعة من الأنياب تدخل من خلالها كمِّيَّات كبيرة من السُّمِّ. وأردف يشرح: إنَّ السُّمَّ يجري مع الدم ويدمِّر الأنسجة مسببّاً ورماً ونزفاً داخلياً وألماً حادّاً لا يطاق.

– وهناك نوع آخر لديه مكوِّنٌ إضافيٌّ من السُّموم يضرب الأعصاب ويتسبّب بالشلل. قال الولد الصغير.

قاطعه الولد الأكبر الذي اقترب أكثر من والده ممسكاً يده قائلاً: إنّها هجوميَّة ومفترسة.

قاطعه الولد الأصغر قائلاً: بعد لدغها ينتقل السُّمُّ إلى القلب والدماغ في طريدتها، لهذا تموت الضَّحيَّة بسرعة.

قالت المرأة: يبدو أنّ هناك شيئاً يتحرَّك. أنصِت.

توقّف الجميع. كانت الشمس قد بدأت تهبط خلف الجبل والظلُّ يخيِّمُ على الطريق الترابية. قال الرجل: لا شيء هناك لكنَّ الأفضل

أن نسرع فالرؤية أصبحت صعبة ولا نريد أن نُفاجأ بين الشجر. وشدَّ على يده الولد الأكبر بكلتا يديه. بدت أنفاسه أسرع من المعتاد وصدره يعلو ويهبط. أمّا المرأة الأخرى فقد تعثّرت خطواتها وكادت تقع أرضاً، فتوكّأت على صديقتها.

صاح الولد الصغير: أنا لا أخافها، أنا لا أخاف الأفاعي.

ركض نزولاً نحو المنحدر واختفى عن الأنظار.

راحت الأمّ تصرخ به أن يعود وتولول: إن لدغته الحيَّة فلن يكون لدينا الوقت الكافي لإسعافه. اِلحقْ به. صاحت بالرجل وهي تسحب رجلها المريضة. إن رجعنا فطريق الرجوع أقصر من نهايته.

انفجرت صديقتها باكية تصرخ: أفضِّل الموت بكورونا على الموت بلدغة أفعى.

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply