ربَّما تكون مفردة “المعلومات” من أكثر مفرداتنا الشائعة إثارةً للجدل على الرغم من رسوخ جذرها في معاجم اللغة، ومن شيوعها في الاستخدام اليومي للفصيحة والعامّية، وبين المثقَّفين والأمِّيِّين، وفي أوساط الصغار والكبار على حدٍّ سواء. وما يفسر عِلّة عدم الاتفاق على مدلولاتها تنوُّعُ استخداماتها ومسايرتهُا تطورَ الحياة ووسائل الاتصال الحديثة بين الناس، تلك التي يُعَدُّ جيلُنا الذي جرَّب الصحافة الورقية والكتاب مهاجراً إليها بينما يُعَدُّ أولادنا وأحفادنا الذين نَبتوا في حقول التكنولوجيا من مواطنيها الأصليين، على حدِّ تعبير برنسكي مصمِّم الألعاب الإلكترونية المعروف.
دعونا نستطلع ما يقوله الناس في “المعلومات”:
- خبراء علم المعلومات يميّزون بينها وبين البيانات فيقولون إنَّ المعلومات هي “بيانات مفسَّرة”. وعليه فإنَّ الأرقام والحروف والكلمات والأصوات والصور وغيرها لا ترتقي إلى مستوى المعلومات إلَّا إذا انتظمها سياق ذو معنى.
- علماء الاتصال يعلّموننا أنَّ المعلومات ليست نصوصاً نقرؤها ونحفظها، ولا إشاراتٍ أو رموزاً نستذكرها، ولا إيماءاتٍ أو صوراً أو إيحاءاتٍ لونية وحسب وإنَّما هي جميع ذلك، وأنَّ المعلومات لا تنتقل إليك بالضرورة من الآخرين فقد تستطيع توليدها بنفسك. وهم يؤكِّدون أنَّ أيَّة معلومة لابدَّ أن تستند إلى مصدر موثوق وإلَّا فلا تُصدّقْها. وجُلُّ ما يتناقله الناس من معلومات يمكنك أن تُشكّك في صحَّته عندما لا تجد له مصدراً تثق به.
- الباحثون العلميون يقولون إنَّ المعلومات هي ما يتراكم لديك من معرفة خلال سعيك لإدراك الحقيقة. وبمقدار ما تجنيه من حصادك البحثي يكون حجمُ إنتاجك المعلوماتي أو المعرفي.
- نقَّاد اللغة والأدب والمؤمنون بنظرية “موت المؤلِّف” يَرَون أنَّ المعلومات التي تحصل عليها لا تكتسب معانيها إلَّا عندما تتفاعل مع مخزونك المعرفي، وأنَّ كلّاً منَّا يدركها بحسب مرجعياته المعرفية وخبراته السابقة. وعليه فإنَّنا حين نقرأ كتاباً سيَخرج كلٌّ منَّا بـمعلومات أو أفكار وقناعات لا يُشترط فيها التماثل مع ما أراده مؤلِّفه.
- بعض الناس يقيسون “ثقافة” المرء بما يختزنه من “معلومات”، ويصفون الرجل بأنَّه مثقَّف إذا اتَّسعت معلوماته. لذلك فهم يصفون المثقَّف بأنَّه “قاموس” أو “موسوعة” أو “معجم”. ولك بعد ذلك أن تبحث في تعريف “الثقافة” الذي اعتمدوه!
- المربّون التقليديون يَرون أنَّ مفردة “معلومات” تمثِّل ما يكتسبه المتعلِّم في رحلته الدراسية، وبقياس حجمها نَعرِف مقدار ما تَعلَّم. لذلك هم يحكُمون على جودة المنهاج الدراسي بعَدد صفحات الكتاب المدرسي على الرغم من أنَّ التعلّم كما يتَّفق التربويون، السلوكيون منهم والمعرفيون والبنائيون، هو تغيّر في السلوك لا ينحصر في حفظ المعلومات وتَذكّرها وإنَّما يمتدُّ إلى القدرة على توظيفها بصورة خلّاقة في المواقف الحياتية المختلفة.
وبصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع أيٍّ من هذه التوصيفات فإنَّ مفردة “المعلومات” تحافظ على جذرها اللغوي وتفرُّعات اشتقاقها بجدارة على الرغم ممَّا ألقته عليها التكنولوجيا من ظلال وما يضيفه المطَّلعون عليها من مرجعياتهم المعرفية. وهل العِلْم والعالِم والعَليم والعلّامة والمتعلِّم والمعلِّم والعَلَم إلَّا بعض ما اشتُقَّت منه هذه المفردة المثيرة للجدل: “المعلومات”!
وليس بعد الخوض في ذاكرة مفردة “المعلومات” وفي العوالم المعرفية مفتوحةِ النهايات إلَّا أن نقول ما يُنسَب لابن المبارك:
لا يزال المرءُ عالماً ما طَلب العِلم، فإذا ظنَّ أنَّه قد عَلِم فقد جَهِل.
---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل