غابةالأقنعة

عدنان الصائغ

“ما من روح عميقة إلاّ وتحتاج إلى قناع.”

                                                          نيتشه

أمام هيمنة الدكتاتورية والقمع في الكثير من حقب التاريخ التجأ الفكر في أحيان كثيرة إلى ارتداء قناع الخطاب المستتر كي يتقي به سيف السلطة وخطابها المعلن.

وهذه المسيرة الطويلة للقناع ولدت نمطاً من الأدب الشفاهي والمكتوب يعد – بخصائصه الفنية من جهة ووسائله الكفاحية من جهة أخرى – تنويعاً مهماً على تفرعات فنون الأدب بشكل عام، وأدب المقاومة بشكل خاص. فتتجلى قيمته على المستوى الفني والفكري بتواصله مع وعي المتلقي المقموع وقدرته على إنتاج أطياف ملونة تحمل أكثر من تأويل، وتشكل مسحة جمالية هي بالأساس واحدة من ضرورات الإبداع الفني للقناع كشكل، بالإضافة إلى تحميله بالرموز الفكرية والتحريضية التي هي غاية وجوده كمعنى، حيث تبحث الألسنة المقموعة لها في النص المستتر عن فسحة للبوح أو الصراخ. 

وقد ذكر جيمس سكوت أن بعض الدراسات السيكولوجية التي أجراها في الأربعينات آرام كاردينر وليونيل أوفسي رأت أن الرجل المضطهد وهو يكبح جماح غضبه أمام سيده يكون واعياً لعملية الكبح لكن قيامه بالعملية تأتي بشكل غير واعٍ. ويضيفان: “معنى هذا إنه كان منخرطاً في مسار دائم من الرقابة على الذات. لقد كان عليه أن يبقى على الدوام منتبهاً، ولم يكن يجرؤ على التصرف أو القول تبعاً لاندفاعاته الطبيعية”

ثم يستخلصان إلى أن “المعضلة الكأداء التي تنطرح في أولئك الذين يكونون على الدوام عرضة للاستلاب، تكمن في الكيفية التي يتعين عليهم بها أن يكبحوا شعورهم ويحولوا دون التعبير عنه. وما الدافع الأساسي لكل هذا سوى الرغبة في تفادي الوقوع في فخ القيام بعدوان يؤدي إلى الانتقام منهم”.

وفي رواية ريتشارد رايت يصف الفتى الأسود محاولته بالسيطرة على مشاعر الغضب فيقول: “كنتُ أخشى فكرة أنني إذا ما اصطدمتُ بالبيض فأنني سوف أفقد السيطرة على مشاعري لأتفوه بالكلمات التي قد يكون من شأنها أن تكون حكماً علي بالإعدام”.

وهنا يبدو استخدام القناع ضرورةً أمام ديمومة الطغيان، فكلما ازداد سمك القناع ازداد الشعور بالأمان لكنه – أي القناع – قد يكون في كثير من الأحيان أداة خنق للروح وللفكر، وهنا تبدأ فكرة تحدي القناع نفسه واختراقه أو التنويع عليه بوسائل عديدة مثل تغليفه بالحكمة والرفض أو بالمجون أو بادعاء الجنون أو بالالتجاء للعزلة: 

(بهلول، أبو نواس، المعري)، مثلاً.. وتأريخ الأدب العربي والعالمي، حافل بنماذجه الكثيرة. 

وهناك مثل يتداوله العبيد في جامايكا يقول: “ادّعِ الجنون لكي تمسك بالحكمة”. غير أن هذا كله يُعدّ شكلاً آخر من أشكال القناع والخطاب المستتر الذي يخفي خلفه الوجه الحقيقي الرافض. لهذا فالخروج عن القناع يعني المواجهة، أي الثورة وهي المرحلة التالية التي لابد منها حين تستكمل الثورة ظروفها الأخرى بعد أن يكون القناع قد مهد لها الكثير.

وقد يعمد الكاتب إلى إخفاء مشاعره تحت مسحة أخرى من التوريات كصب اللعنة على الزمن أو الصعلكة والسكر والتقيء في الحانات أو وصف المباغي أو مهاجمة قوى الظلم والظلام في الأماكن الأخرى أو تقمص شخصيات تاريخية (أبو ذر الغفاري، الحلاج، المسيح، سبارتكوس، الحسين)، مثلاً،  أو وهمية أو أسطورية، لاستنطاقها بما لا يستطيع النطق به، نافثاً من خلالها شتائمه في وجه قوى السلطة، ومسرّباً الكثير من الأفكار والنقد والاحتجاجات. 

ويمكن تقديم ذلك على منبر السلطة وخشبة مسرحها، باستخدام أشكال التمويه والأقنعة المتعددة. 

فهي ترى أنه لها بينما هو عليها، كما فعل سارتر وبرخت في زمن النازية.

ذلك أن الصمت لم يعد ممكناً أبداً.

فإذا لم يكن لديك جدار حر، فغافل حاكمك واكتب على ظهره. 

وحين لا تستطيع النطق أمام السلطة، موّه خطابك. 

فسيأتي الكثيرون ليقرأوك.

لهذا من الضروري على الذين هم خارج أسوار الدكتاتورية – أن يفهموا تصرف تلك الجماعات المضطهدة داخل الأسوار وعلاقاتها مع بعضها ومع الحاكم وسلطته، فهماً داخلياً يتأتى من التجربة نفسها لا من إسقاط القناعات والتنظيرات البطرة الجاهزة عليها أو الحديث عن النماذج السيئة وتمثلها كنوذج عام لمشهد عام. 

وعليهم أن يلتفتوا – استقراءً وتحليلاً – إلى النماذج الحقيقية، وهي كثيرة وأن يستبطنوا رموزها المستترة ووسائل التمويه التي يستخدمونها كقناع يتفاوت سمكه وشكله طبقاً لتفاوت درجات الرعب المسلط عليهم، إذ تتنوع الأقنعة بجذرها التاريخي وفقاً لمستويات القمع والجمال والفن والسلطة والفكر والجماهير من جهة وقدرات المبدع ذاته من جهة أخرى.

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply