
أبياتٌ مختارةٌ
هذه قصيدةٌ نظَمَها الشَّاعرُ الرَّاحلُ نعمان ماهر الكنعانيّ في العام 1968 من وحيِ معركةِ (بلدة الكرامة) التي وقعتْ بينَ الفدائيّين العربِ وجيشِ العدوِّ الصُّهيونيّ في فلسطينَ. بعد انقضاءِ أكثر من نصفِ قرنٍ على نظمِ القصيدةِ ما زالتْ مناسبتُها قائمةً وصورُها حاضرةً وكأنَّ الزَّمنَ لم يتحرَّك من مكانِه، فالعدوُّ ما زال مسعوراً يمدُّه أراذلُ (البيت الأبيض) بـآلـةِ بغيـِه بينما الزَّعاماتُ العربيَّةُ تُرغي وتُزبِد في غدرٍ وتحشدُ الأقوالَ لا الجيوشَ، ومنهم مَن لا يستحيي من كشفِ عورتِه وقد غرقَ في وحلِ الخيانةِ ونجاستِها وصوَّبَ سهامَه نحوَ قلبِ إخوتِه ووَضعَ رأسَه وعقالَه تحتَ حذاءِ صهيون. ما زالتْ خيبةُ الخذلانِ تظلِّلُ القدسَ وبيتَ لحمَ، والمدامعُ تفيضُ إذ تجوسُ الأذوادُ* في حَرَمَيهما.
وما زالتْ في المؤمنينَ بقيَّةٌ باقيةٌ على العهدِ سيطلعُ فجرُ الأمَّةِ على أيديهم.
يقولُ الكنعانيّ:
بكِ والإبـاءَ من الهـوانِ يُـعادُ حــقٌّ وتـسلمُ أربُـعٌ وبــلادُ
بكِ والصِّراعَ المرَّ يعرفُ خائرٌ أنَّ العـقيدةَ وقـفةٌ وصِـمادُ
بكِ يا (كرامةُ) للكرامةِ هَـزَّةٌ حـينَ العزائمُ خيـبةٌ ورُقادُ
كانَ الضَّياعُ يلفُّـنا حـتَّى إذا أَبـليتِ أومضَ بارقٌ يرتادُ
وتلمَّسَ المتحيِّرونَ جراحَهمْ هلْ للجراحِ وقدْ نَغرْنَ ضِمادُ
*****
للصَّبرِ يا هذي النُّفوسُ طعينةً ممَّا جـنتْ بربوعِـها الأذوادُ
تكبــو الجيـادُ لغـفلـةٍ أو زلَّــةٍ لـكنَّـهـنَّ وإن كَـبَونَ جِـيـادُ
ومرارةُ الخذلانِ خفَّفَ لذعَها أنَّ الإبـــاءَ تـشـدُّهُ أكـبـادُ
أستـغــفـرُ التَّاريخَ أيَّـةَ كبـوةٍ تشقى بذكرِ سوادِها الأحفادُ
جاسَ اللُّصوصُ وأعلَنوا عن ليلِهم إذْ لم تسلَّ سلاحَها الأرصادُ
فإذا حَـميُّ الأمسِ غيرُ حَـميِّه وإذا دعـيُّ الأمسِ فيه تـلادُ
وتسـاءلتْ عنها الحميَّةُ وقـعةً لا الظَّـنُّ صدَّقها ولا الأشهـادُ
كيدٌ تقمَّصَ ثوبَ عزمٍ وانتشى بالنَّصرِ ما خُدِعتْ بهِ الأنجادُ
غَـيٌّ يريدُ الفـتحَ لعبةَ لاعبٍ ألِـفَ الطَّريقَ وما عليهِ طِـرادُ
لم يعرفِ النَّصرُ الخجولُ بما جنَوا غــــاراً تُكـلِّـلُـه بــــهِ أوغـــادُ
منْ أينَ للغدرِ العريقِ تعفُّفٌ عمَّا يشينُ النَّصرَ وهـو مرادُ
خُلُقُ الذِّئابِ يسوءُ في ظلِّ الطِّوى أمَّــا السُّعـارُ فمـا لـهُ أبعـادُ
*****
إيـهٍ بـقــيـَّةَ مؤمـنينَ بمـجـدِهم بـذلتْ لـهُ مـا تسألُ الأمجـادُ
سَطَّرتِ في سِفْرِ الجهادِ قصيدةً هيهاتَ ينسى ذكرَها الإنشادُ
هي للغـدِ المرجوِّ قَدْحُ زنادهِ إذ ليـسَ إلَّا أنْ يـشدَّ زنـادُ
*****
قالوا السَّلامُ فقلتُ ذلك قبرُهُ في القدسِ داستْ هامَهُ الأجنادُ
يتأوَّهُ (المحرابُ) من شـجنٍ به وعـلى (القـيامـةِ) خَـيـبةٌ وسَوادُ
يتساءلانِ عـن التَّسـابيحِ الَّتي فــيهـا لأبــوابِ السَّــماءِ مَـعـادُ
ما بالُها اختنقتْ، أَأَخفَتَ صوتَها طاغي الخوارِ؟ أللخوارِ وصادُ؟
واضَيعةَ البَيتينِ لا عيسى لـهُ دفــعٌ ولا مِـن أحمـدٍ أحـشـادُ
تمشي الوَضاعةُ في حِمى حَرمَيهما عجبـاً أمـا عمـَّا ذَخـَرْنَ يُـذادُ؟
فلزَفرةِ البيتِ العتيقِ تـَفـجُّـعٌ ولـبـيـتَ لحـمَ كآبـةٌ وحِـدادُ
هَبْ أنَّ خلفَ البحرِ بيتاً أبيضاً فــيهِ لـكـلِّ رذيـلـةٍ إسـنـادُ
أينَ البيوتُ الخافقاتُ على الذُّرى أعــلامـُها ووعـيـدُها المنـــآدُ
أينَ الأُلى حَملوا اللِّواءَ دَعاوةً فيها الزَّعاماتُ العجافُ تُشادُ
حشدٌ من الأقوالِ كانَ رصيدُهُ في الـعَـدِّ صفراً ما لـَهُ تعدادُ
حتِّى إذا رانتْ وأطبقَ ليلُها واستـبهمَ الإصـدارُ والإيـرادُ
قـامَ الحماةُ لها وأسمعَ صادقـاً صـوتٌ وَعَـتْهُ عـَزمـةٌ وجِهــادُ
فارتدَّ مصطفقَ الجوانحِ جامحٌ ضـاقتْ به الأغـوارُ والأنجـادُ
من عهدِ آدمَ والكفاحُ طريقُه عـزمٌ عـلى دربِ الـفداءِ يُـقادُ
والسِّلمُ في ظلِّ الوَنى أسطورةٌ جـوفاءُ والأمـنُ المَـهيبُ ذِيـادُ
*****
أبَنيْ فلسطينَ الَّـذين رأيتـمُ عُـقبى تـنوءُ بـعـبئها الأطـوادُ
وبَلوتُمُ كذِبَ الرَّجاءِ مجدَّداً بالوعــدِ يـَبلى عـهـدُه ويـُعـادُ
وسمِعتمُ مِلءَ الأثيرِ حماسةً يُـرغـي بهـا الـزُّعـماءُ والقُـــوَّادُ
قدْ حانَ أن تبلوا الكفاحَ مخضَّباً حـتَّى يـبرَّ بــوعـدِه الميـــعـادُ
كـونوا لـها لا كانَ غيركمُ فـما كذبتْ لـدى أمثـالِـها الـرُّوَّادُ
كونوا لها وَقداً فليسَ بغيرِكم يُخشى اللَّهيبُ ويَصدُقُ الإيقادُ
وترقَّبوا اليومَ الَّذي في فجرِه تـتـمايــزُ الأشــبـاهُ والأنــدادُ
هـو يومُكمْ تهفـو إليه أمَّـةٌ كم أخـلصتْ لكمُ وخانَ قِيادُ
كان الرُّضوخُ وكان حالكُ ليلِه فـنَفـرتُمُ فـتـطـلَّـعتْ أجـيـادُ
وأعـدتمـوها للنُّـفوسِ جَـليَّـةً ثـقـةً أحاطَ بها ونىً وكـيادُ
ولقد يطولُ من الصِّراعِ سهادُه ما ضرَّ همـَّاً أنْ يطولَ سُهادُ
أَبَنيْ فلسطينَ الَّذين علمتمُ ما أخـفـتِ الأثـوابُ والأبـرادُ
لكمُ بمن صانَ الوديعةَ قدوةٌ فَسَلوا الجزائرَ كيفَ عـادَ الضَّادُ
الدَّارُ دارُكـمُ وحَسْبُ حنينِها ما كـفَّ عن نجوى ومالَ ودادُ
والصَّبرُ صبرُكـمُ يُشرِّفُ ذكـرَهُ عَنَتٌ على طولِ المدى يزدادُ
* الأذواد هي البهائم الـمُذادة أي المطرودة عن المورد فلا حُماةَ لها يضمنون لها السِّقاية. والمراد بالتَّشبيه اليهودُ الَّذين تجمَّعوا من آفاق الدُّنيا ليستوطنوا فلسطين على حساب أهلها العرب.
---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل