موضوع شيق ومتشعِّب، ويحتمل تحليلات كثيرة.
التمكن هو الركيزة الاساسية لكل انطلاق. كلما كان التمكن قوياً، مشبّعاً، معمّقاً، وبعيد المدى، كانت القوة الاندفاعية أصوب ومدى منظورها أبعد. وبذا يكون التمكين مرتكزاً على نتائج التمكن الأول. وتتوالى التمكينات كأنها ركائز وقوى اندفاعية جديدة.
فالقوة الكامنة في التمكن تنتظر ذروة اكتمالها لتنطلق.
وهي التي تحدد مستقبل التمكين الذي ستظهر نتائجه، وبالتالي يمكن قياسه والبناء عليه مجدداً:
إما معدلا أو تصاعدياً.
تصاعد لا يقف عند حدود، ما دام التمكين يتغذى على القوة الجديدة المتجددة بإثرائها المتجدد.
من خلال تجربتي الشخصية، أعرف أنَّ العمل على اللوحة لا ياتي أبداً من اللا تمكن، ومصادره متنوعة وكثيرة.
كل ما يدور في فلك الفنان يدخل إلى قاعه الواعي واللاواعي. هنا تبدأ عملية التبلور.
من خلال اشتغالي المرتكز على أبحاث بعض من علمائنا من العصر الذهبي أمثال “ابن الهيثم” و”الجزري”، وجدت الولوج الى عالمهم صعباً، بخاصة علم الانعكاسات عند “ابن الهيثم”، في غياب المراجع الموثقة فكان الاعتماد على منشورات من هنا وهناك.
أما موضوعات “الجزري” فهي تشكيلية بامتياز : من ساعاته المتنوعة ( المائية والشمعية) التي هي غاية في روعة الوصف، إلى روبوتاته (وهو أبو الروبوت).
لست هنا بصدد تعداد إنجازاته الكبيرة.
وهذا موضوع أعمل عليه منذ أربع سنوات ما زلت في طور العمل. وكلما توغّلت أكثر وقيّمت النتائج على اللوحة، تفتَّحت أمامي لوحات أخرى (اللوحة تخرج من رحم اللوحة، والبحث يفتح أبواباً لأبحاث جديدة).
ومن خلال بحثي مجدداً وجدت شيئا جميلاً وملفتاً؛ اختراع لامرأة من القرن العاشر الميلادي هي “مريم الإسطرلابية” من حلب. وقد جاء لقبها من اختراعها “الاسطرلاب المعقّد”).
والغريب العجيب، أنها لم تُعطَ أهميةً تُذكر بين العلماء.
هل لأنَّها امرأة؟ وفي ذلك يقول كريم الهاني : “مريم الاسطرلابي… هذه حكاية عالمة عربية صنعت التاريخ فكافأها بالجحود.”
حتى التعبير اللاواقعي أو اللاموضوعي ( التجريد في الفن التشكيلي) هو نتاجٌ طويلٌ وتراكمٌ لأحاسيس لا نعرف على وجه اليقين من أين تأتي وكيف تدخل، فكله يرجع إلى التمكن من جوانب متعددة المشارب؛ شعر أو موسيقى أو تشكيل.
أما المعاناة والتجارب الحياتية فتذهب كلها إلى الشخص الذي سيكوّن المادة الأساسية للقوة الدافعة. وخروج هذه القوة لا يترك فراغاً. بل يزيد من قدرته ويمكّنه من التحول إلى قوة جديدة على شكل أعمال.
والتمكين هنا يرتكز على القدرة على بيان النتائج ونقدها. هنا يكون التمكين تصاعدياً.
بدون هذه المراجعات يمكن للتمكين/التمكّن أن يصاب بالنضوب والاختلال، وينتفي العامل التصاعدي، أو نصبح في دوامة مفرغة، وهذا ما نسميه التكرار الممل.
التفاعل مع العلم وتحويله تشكيلاً هو بحد ذاته تحدٍّ كي لا نقع في فخ رسوم وسائل الإيضاح.
على الباحث أن يكون مستمتعاً ببحثه ليصل الى عمقه المطلوب.
ولنا في ثقافتنا منهلٌ لا ينضب وتفاعلٌ يؤدي الى تجديد الرؤية. إنّ مدَّ جسور إلى الماضي جزء من ترميم تمكننا. المستقبل من دونه يكون مزعزعاً، مهزوز الرؤية، كما هو حاصلٌ اليوم. التبرؤ من ذاتنا واندفاعنا وراء الآخر الذي لا يريدنا ونحن نقلدّه تفريغ للتمكن، ينتج عنه موتٌ للقوة.
وهنا، يرتدّ التمكين عكسياً ويذهب باتجاه قتل القدرة بعد تشتيتها وتهشيمها.
---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل