
ذكريات متأخِّرة تنبض بالحنين
بدأت علاقتي بوالدي في وقت متأخر، على عكس العلاقة المعتادة بين الأب وابنته. وُلدتُ في مرحلة كان فيها المرض قد اشتد عليه، مما اضطره إلى الابتعاد عن المنزل لفترات طويلة متنقلًا بين المستشفيات في بلدان أخرى طلباً للعلاج. ومع ذلك لم أشعر أبداً باليُتم فقد تولّى خالي الأستاذ فؤاد طه العبد الجليل رعايتي أنا وإخوتي وكان الأب الذي عرفته أولاً. كنت أناديه “بابا”، ونشأت مدلَّلة لا يُرَدُّ لي طلب، بفضل قلبه الحنون الذي أغدق عليَّ حبه ورعايته.
مرّ الوقت، ومع تقدمي في العمر، بدأت أسترجع صوراً قديمة باهتة لوالدي بدر، صوراً كانت في أطراف ذاكرتي لكنها لم تبهت تماماً. من بين هذه الذكريات، أعود إلى طفولتي في بيت الموانئ العراقية حيث كنا نعيش في شارع أجنادين. هناك كنا نلعب مع أبناء الأقارب وأصدقاء العائلة الذين اعتادوا زيارتنا للاطمئنان على صحة والدي. كنا نمارس لعبة “الغميضة”، وكنت أجد أنسب مكان للاختباء في غرفة والدي، تحديداً تحت سريره، برغم تحذيرات والدتي المستمرة لنا بعدم دخولها كي لا نزعجه وهو مريض.
تحمل ذاكرتي أيضاً لحظات وداع والدي في مطار البصرة حين رحل في رحلته الأخيرة إلى الكويت. أذكر أنَّ أحدهم كان يحملني ويطلب مني أن ألوّح له مودِّعةً وهو جالس على كرسيه المدولب مستعدًا للصعود إلى الطائرة. حتى الآن، ما زالت صورة الفوطة التي كان يلفها حول رقبته عالقة في ذهني.
مع مرور السنوات بدأت علاقتي بوالدي تتشكل بطريقة مختلفة من خلال قراءتي قصائده ومن الحكايات التي كانت ترويها لنا والدتي – رحمها الله – عنه. كانت تحدثنا عن عادته في العودة إلى المنزل بعد العمل وجيوبه ممتلئة بالسكاكر والشوكولاتة، وأحيانًا بألعاب تصدر أصواتاً تنبئ بقدومه قبل أن يصل إلى باب المنزل. وكانت تسرد علينا القصص التي كان يرويها لأختي غيداء وأخي غيلان قبل النوم، قصص من نسج خياله لكنها مستوحاة من شخصيات حقيقية من أهل قريته وأقاربه.
كان والدي صادقاً مع نفسه ومع الآخرين، وهي خصلة غرستها فيه نشأته في الريف حيث النقاء في البيئة والروح. ربما كان هذا الصدق الشديد هو السبب وراء نكساته السياسية فلم يكن انتماؤه اليساري قائماً على مصلحة أو منفعة شخصية بل تعبيراً عن تعاطفه العميق مع الطبقة الكادحة من العمال والفلاحين. لكن، كما كان صادقاً في انتمائه كان صادقاً أيضاً في انفصاله عن هذا التوجه عندما أدرك أنه لم يعد يتماشى مع قناعاته. لم يكن يُجيد حساب المصالح أو مراعاة الدبلوماسية التي تقتضيها السياسة، ولهذا تعرض للهجوم، وما زال اسمه يشكِّل إزعاجاً لبعضهم.
لكنَّني أؤمن أنَّ الشاعر يحتاج إلى فضاء بلا حدود ليحلِّق ويبدع، وها هو سنا شعره لم يخفت بالرغم من السنوات الطويلة التي مرت على رحيله. ما زالت قصائده تتجدد مع كل قراءة، وكل رؤية جديدة، وكأنَّها تبوح بأسرار جديدة في كل مرة تُفتح صفحاتها.
---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل