وأنا أكتب بحثاً اقتبست نصَّين عن الحنين في الشعر، الأوَّل لإيليا أبي ماضي تغنيه فيروز يقول:
وطن النُّجوم أنا هنا حدِّق، أتعرف من أنا؟
والثَّاني لمالك بن الرَّيب يقول فيه:
ألا ليت شعري هل أبيتَنَّ ليلةً بجنب الغضى أُزجي القِلاصَ النواجيا
وقد فتح إيراد نصِّ أبي ماضي ونصِّ مالك معاً فسحة مباغتة للسؤال عن ظاهرة غريبة، هي طبيعة المكان الذي يحنُّ إليه كل من الشاعرين. في الأوَّل الوطن بلاد محدَّدة جغرافياً هي سوريا أو لبنان، وفي الثاني المكان هو وادٍ محدود اسمه الغضى، ولا يمثِّل هذا المكان سوى بقعة صغيرة ولد فيها الشاعر وعاش وليس هناك فضاء جغرافي أوسع يمثِّل وطناً بالمعنى الوارد في النصِّ الأوَّل، أي أنَّ الغضى نفسه لا ينتمي لوطن أوسع.
إنَّ هذه لظاهرةٌ عظيمة الأهمية. وبتوسيع مجال قراءتنا الشعرَ الجاهلي ثم الثقافة العربية بعد الإسلام نكتشف أمراً حاسم الأهمية في وجودنا الراهن وفي جميع مجالات حياتنا هو أنَّ مفهوم الوطن بالمعنى الموجود في نصِّ أبي ماضي غير موجود إطلاقاً في التاريخ العربي لا في النتاج الثقافي ولا في النصوص الدينية. فكلمة وطن لا ترد إلَّا نادراً جداً في الشعر ولا ترد في القرآن الكريم، ولا أعرف أنها وردت في الحديث الشريف، ولم تدخل في تشكيل الوعي العربي إلَّا في القرن العشرين، وقد تكون فعلتْ في أواخر القرن التاسع عشر.
وإنَّ هذه الحقيقة لحقيقة مرعبة. والسِّرُّ فيها أن البدوي كان يولد ويرتبط بمكان صغير يعيش فيه مدَّة قصيرة ثم ينتقل إلى غيره. وحين يشعر بالحنين فهو حنين إلى هذا المكان الصغير. وبعد الإسلام لم يتغير الأمر إطلاقاً لكن حلّ محله مفهوم نقيض له وأشمل بكثير، هو أنَّ الإسلام لا وطن له بل إن العالم كلَّه مكانه أو داره، كما في التعبير (دار الإسلام أو ديار الإسلام). ولا يخيفني أمر آخر في هذه الثقافة بقدر ما يخيفني هذا المفهوم إلَّا غياب مفهوم الحرية، إلَّا بمعنى شديد الضيق أيضاً وغياب كلمة الحرية تماماً من تاريخنا بأكمله قبل الإسلام وبعد الإسلام.
وهكذا نبلغ ذروة الانفصام بين الذات والثقافة. أشعر باغتراب مرعب، فأنا أنتمي إلى ثقافة يختفي فيها أعظم مفهومين يعيش الإنسان بهما: الوطن والحرية، ولا وطن للإسلام فيها. ووطن الله هو العالم بأكمله. وكلُّ أحد غيرنا يعيش في وطن ويعرف معنى الحرية.
---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل