النَّافذة الموصدة

لمياء موسى

سمعتُ صوتها الخائف المذعور خلف الستائر، أيقظني أنينها وارتطامها مرات عدَّة بالنافذة. فتحتُ الستائر فإذا اليوم مشمس وجميل، ووجدتها عالقة تريد الخروج إلى الأفق الواسع. هممتُ، دون تفكير، بفتح درفة النافذة المباشرة لها لكني وجدتها موصدة من أثر أمطار البارحة. ففتحتُ الدرفة الأخرى، وهي لا تبعد كثيراً عن الأولى، فتحتُها على اتِّساعها لعلها تهتدي وتهرب من سجنها. لكنها كانت في حالة ذعر شديد، تريد الهروب، وظللتُ معها أراقبها. هممتُ بمساعدتها حتى تهتدي لكنها لا تفارق مكانها، وكانت في حالة تصميم على الخروج من المكان الذي أرادته. ومع حالة الخوف التي انتابتها لم تستطع رؤية أي شيء آخر ولا حتى اليد التي امتدت لمساعدتها.

من منا ليس كذلك؟ يظل أيّاماً وشهوراً وسنين في محاولات لفتح باب يظنه ملجأه الوحيد، يظل في محاولات للإصلاح في وظيفة هي سجن للروح، ولا يرى خياراته الأخرى المتاحة. نظل نجاهد أنفسنا في محاولات مستميتة لإنقاذ علاقات محكوم عليها بالفشل، ونظل نحاول من الباب ذاته ومع المعطيات ذاتها وبالأسلوب ذاته، ثم نصرخ ونبكي: لماذا لم تُفتح النافذة؟ لقد حاولتُ وحاولتُ.

تظل النحلة لا تهتدي إلى النافذة المفتوحة حتى تخور نصف قوتها. ظللتُ بيدي معها حتى تهتدي لكنها كانت مصممة على الخروج من النافذة الموصدة.

مع كل باب موصد هناك باب مفتوح، ولكن العيون دائماً وأبداً لا تراه، وكأن هناك حائطَ سدٍّ داخل العقول. هل لأن أسلوب تعليمنا يغلب عليه التلقين ولا يسمح لنا بالتفكير وابتكار حلول جديدة لأي شيء في حياتنا؟ أم لأن أسلوب تربيتنا ونحن صغار كانت فيه لغة الأمر سيدة اللغات داخل الأسرة؟ أم أن وابل العادات والتقاليد بنى أسواراً كثيرة داخل أدمغتنا؟ أم أن إغلاق باب الاجتهاد في كل دين جعل كل شيء موصداً كالنافذة؟

نظل في هذه المتاهة على المستوى الفردي والوطني والدولي. يظل الفرد يدور في دائرة مغلقة على نفسه، في مأزق أصابه في أي جانب من جوانب حياته. يطرق الأبواب ولا تُفتح، ويطرقها من جديد، ثم يبكي وينوح. وعندما تحاول تقديم حل مبتكر يكون الجواب الذي لا يُقال: “لقد وجدنا عليها آباءنا، وإنَّا على آثارهم لمهتدون”، حتى يفقد قوته وطاقته. وعندها ستجد الأحلام الجميلة موجودة فوق المقابر تتراقص على أنغام الحياة، تنتظر العقل الذي يحتويها ثمَّ يطير بها في كل اتجاه.

أما على المستوى الوطني والمجتمعي، فتظل الدولة تطبق قوانين منذ قرون على أناس اليوم، وعملية تغيير القوانين بطيئة جداً وتخضع لروتين عقيم، فيظل المجتمع يعاني انفصاماً ولا يستطيع مواطنوه الإبداع، فيقعون في الخداع والغش والتحايل على الواقع بشتى الطرق ويصبح الكذب سيد المعاملات.

أمَّا على المستوى الدولي فحدِّث ولا حرج! تظل اتفاقيات عفا عليها الزمن، قد أُبرمت تحت ظروف وبين أطراف لم يعد لهم وجود  تُطبَّق على دول اليوم، ومنظمَّات تصدر قرارات وحلولاً يُضرَب بها عرض الحائط، ونعالج الأمور بالطريقة ذاتها منذ قرون.

ومع التكنولوجيا التي ننعم بها كان من المفترض أن تصبح حركاتنا وابتكاراتنا سريعة لرفاهية الإنسان وأن تتغير أفكارنا وتعاطينا مع الأمور لتصبح أكثر رحابة وحلولنا سريعة ومبتكرة لكل أمر ألمّ بنا، ولكن حدث شيء عجيب! لقد كان جلُّ تقدُّمنا منصبّاً على السلع الاستهلاكية والأجهزة الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، التي برغم عِظَم منافعها أغرقتنا في وابل من التفاهة والانحطاط فتقلُّصت العقول وتبعثر الإنسان فلم نعد نهتدي إلى أنفسنا، ناهيك عن أسرنا وعلاقاتنا.

توقَّفت حركة النحلة ووقف أنينها وأنا أكتب كلماتي، ولفظت أنفاسها الأخيرة أمام باب موصد، وبينها وبين الأفق الواسع قيد أنملة.

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply