
تفاجأت عند عودتي من المدرسة أن شقتنا –وعلى غير العادة- تعجّ بالكثير من الضيوف ومعظمهم من السيدات، بحثت بحيرةٍ وخجل وبلا جدوى، عن وجه أمي الحبيبة بينهن. تهللت أساريري وشعرت ببعض الأمان عندما رأيت ستي تخرج من غرفة المعيشة وتأخذني في حضنها، ولم أستطع أن أتبين ما كانت تقوله لي في كلمات متقطعة وصوت متهدجٍ ونحيب كانت تحاول جاهدة أن تكتمه، إلى أن نجحت أخيراً في قول:
“تعال يا حبيبي ودّع أمك!”
رأيت أمي في ملابس ناصعة البياض كأنها عروس، وداهمتني ذكريات أوقاتنا السعيدة معاً وأسئلتي الكثيرة والملحة لها: “لماذا أنت وبابا فقط في الصورة؟ لماذا لست معكم؟ هل سافرتما بدوني؟”
فكانت تجيبني بقبلة حانية وكلمات تقطر شهداً: “لا تزعل يا ماجد ;أنت كنت معنا، كنت في قلبي هنا قطعة صغيرة جداً؛ مثل هذا” وتشير لسُّلامي سبابتها وتكمل” ثم صرت في بطني تكبر رويداً رويداً”.
وشاهدها في حكايتها المشوقة صورتها وهي حامل بي والتي أرتني إياها والبِشر واضح على محياها..
“وعندما جئت إلى الدنيا صرنا أنا ووالدك أسعد زوجين في الدنيا كلها”.
وأرتني صورة ناطقة بالهناء والسعادة تضمنا نحن الثلاثة وهي تحملني بين ذراعيها مولوداً أنضم للتو إلى الدنيا وقد بدت علامات الإجهاد والتعب على وجهها رغم إبتسامتها العريضة، الجذلى، وذراعيّ أبي تحوطنا الإثنين معاً، يطوقنا بالأمان والحماية وكأننا أغلى ما لديه.
عدت إلى واقعي الحزين، أتأمل وجهها وقد بدا لي أجمل بكثير في هدوئه و سكونه رغم أن عينيها الجميلتين، الواسعتين كانتا مغلقتين و لم يرفّ لها جفن طوال تحديقي بها.
“هيا أسرع يا إبني، قبِّلها وودِّعها”
قبلت رأسها ووجنتيها وعينيها، بكل الحب الذي يكنّه لها قلبي الصغير، ولكنها كانت باردةٌ كلوحِ ثلجي، لم تمطرني بقبلاتها المعتادة ولا لفّت ذراعيها حولي بعطف وحنان.
ذهبت أمي وخلا البيت من الجميع. وبقيت وحدي مع أبي بعد أن رفض عرض ستي لأذهب وأقيم معها في المدينة المنورة حيث تسكن.
مرّ شهر ملئ بالصمت والفقد وتهيأ لي أنّ كل ما في المنزل من حجرات وأثاث بل وحتى الهواء والفراغ، قاتمٌ وكئيبٌ وحزين إلى أن عاد أبي يوماً إلى البيت وبرفقته امرأتين، قدم الحسناء، الأنيقة منهما بصوت تغمره البهجة ويتراقص على نبرته السرور:
” هذه زوجتي بدرية.. ستحبك مثل والدتك”
ثم أكمل بنبرة جعلت دقات قلبي تتسارع خوفا مما بثته فيه من وعيد:” وأنت ستطيعها وتحترمها وتحبها” وخُلتني أسمع تكملة العبارة بكلمات لم يتفوه بها أبي، بل أكملها لي حدسي “غصباً عنك!!”
مددت يدي لأصافح السيدة بدرية كما أمرني أبي، ولكنها لم ترد بالمثل، بل اكتفت بإبتسامة باهتة وقالت: ” أهلاً ماجد.. كيف حالك؟”
أما المرأة الأخرى، “رحمة”، فقد أخذها أبي مباشرة إلى المطبخ لتبدأ عملها لدينا.
مرّ أسبوع أحسست خلاله أن أبي قد ازداد فيه شباباً وقوة وحيوية، وكنت أشعر في قرارة قلبي بالسعادة لأجله، رغم أنه وزوجته كانا يتجاهلان وجودي فلا أجلس معهما إلاّ على طاولة الطعام لتناول وجبة الغداء، وحتى أثناء ذلك لم يكن يخصني بلقيمات مميزة مثلما كان هو وأمي يفعلان دوماً، بل ولم يعد يسألني عن يومي في المدرسة أو واجباتي! بل كان كل الحديث والتبسم والتدليل واللقيمات اللذيذة لعروسه وحدها!!
فوجئت في الأسبوع الثاني أن أبي قد أمر العاملة المنزلية “رحمة” أن تقدم لي جميع وجباتي في المطبخ لأتناولها وحيداً، صامتاً، أسمع ضحكات السعادة والبهجة من بعيد، وقرقعة غسل الأواني والأطباق من قريب.
ومن إحساسي الشديد بالوحشة والوحدة، وبدافع فضولي طفولي، كنت أحياناً أسترق النظر لشاشة الهاتف الجوال للعاملة عندما كانت تحادث عائلتها بالفيديو لمدة طويلة، وكنت في أحيان أخر، أطيل في جلوسي أثناء تناول وجباتي، مستأنساً بالجو العائلي الذي كان يعبق في المطبخ جنباً إلى جنب مع روائح الفيري والكلوركس!
في نهاية الأسبوع الثالث، كدت أطير فرحاً عندما أخبرني والدي أنه سيأخذنا أنا و”رحمة” معه مساءاً إلى مخيم أحد أصدقائه للعشاء بمناسبة الشعبنة، لم أساله عن معنى هذه الكلمة الغريبة على مسمعي، المهم أني سأخرج للتنزه مع أبي.. وسعدت -في سري بالطبع – بأن زوجته لن تذهب معنا، وبالفعل حقّ أبي بقوله وكنا أول الواصلين إلى المخيم قبل الغروب بقليل، وطلب والدي من “رحمة” أن تذهب معي إلى مخيم السيدات، ولم أفهم لماذا غمز أبي بعينه لها وهو يثنّي طلبه بأن تحرص على سلامتي والانتباه عليّ أثناء اللعب مع الأطفال الآخرين.
على القدر الكبير الذي كنت سعيداً بتواجدي في ذلك المخيم بالقرب من حامل المصحف على طريق مكة /جدة السريع، بالقدر المقابل الذي أحزنني فيه أن جميع الأطفال، ذكوراً وإناثاً، كانوا برفقة أمهاتهم وأخواتهم، ولحسرتي كنت أرى البعض منهن يأتين -حيث كنا نلعب ونلهو أمام الخيمة الكبيرة- للاطمئنان على أولادهم والتأكيد على العاملات بالحرص على سلامتهم، وهو ما كنّ بالفعل يقمن به، أما “رحمة” وبرغم طلب أبي منها بحسن رعايتي فلم تعرني بالاً وتشاغلت بجوالها طوال الوقت.
اهتديت إلى طريقة بسيطة، جلبت لي ليس فقط اهتمام عاملتنا؛ بل اهتمام كل الأمهات، وذلك بافتعال الشجار مع بعض الصبية، تارة بالاستئثار بالكرة التي كنا نلعب بها، و تارة بنثر بعض الرمل على وجه أحدهم وسط ضحكاتي وقهقهات من سلم من مزاحي الثقيل من الأطفال.
حملت لنا نسمات الهواء الباردة والعليلة رائحة الشواء اللذيذ والذي بالتأكيد كنا سنلتهمه حتى وإن لم يكن لذيذاً؛ فالجوع قد أستبد بنا بعد كثير من اللهو اللعب.
ذهب جميع الصبية إلى خيمة الرجال بعد أن ناداهم آبائهم، وبقيت وحدي، مخذولاً ومهزوماً، أتناول العشاء مع النساء بجوار عاملتنا الغافلة عني تماماً.
ساد بعد العشاء هرج ومرج وفوضى كبيرة، فالكل يريد الذهاب بعد انتهاء الشعبنة الممتعة، ولكن نداء الطبيعة كان ملحاً عليّ فأخبرت “رحمة” إنني سأذهب إلى خيمة دورة المياه وأعود سريعاً.
استغرقت وقتاً أطول مما توقعت، ولكني بالطبع عدت في نهاية المطاف..
روعّني المشهد الساكن، الصامت تماماً.. المخيم خال تماماً.. لا أعلم من أين جاءتني الشجاعة لأهرول إلى جهة الرجال ليصفعني الواقع المرير بنفس السكون والفراغ
مع فارق بسيط.
” لا تخف يا ولدي”
طمأنني حارس المخيم والذي ساعدنا من قبل في إبعاد بعض الكلاب الضالة عن الموقع.
” أنت ماجد، صح؟، سأتصل على أبيك ويأتي في الغد لأخذك”
أخرج الحارس جواله من جيب ثوبه العلوي، وبرغم إنهمار دموعي وتزايد وجيب قلبي، استطعت أن أرى بوضوح ورقة خمسمائة ريال وهي تهوي إلى الأرض!
---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل