1
حين يُخدع الكرَم
طلب منه مبلغاً من المال كدَين، واعداً أن يسدِّده خلال شهر. لم يتردَّد كريم فقد كان معروفاً بكرمه واستعداده الدائم لمساعدة أصدقائه، حتى وإن كان ذلك يؤثِّر على ميزانيته المحدودة. سلَّمه المبلغ فشكره الرجل بحرارة.
لم يكن كريم يوماً يتخلَّى عمَّن يحتاجه برغم الصعوبات التي يواجهها بين الحين والآخر. قبل ذلك، توسَّط لصديقه لدى أحد معارفه الذي يشغل منصباً كبيراً في الدولة ليحصل له على وظيفة. لكن ما إن باشر العمل حتى تورَّط في قضية فساد، الأمر الذي وضع كريم في موقف محرج أمام صديقه المسؤول الذي لامه بشدَّة على التوصية برجل لا يستحق الثقة.
أمَّا المال الذي أقرضه فلم يكن بالمبلغ الكبير لكنَّه أثقل كاهله. فهو صاحب محل لبيع الألبسة يعتمد على ما يجنيه يومياً لسدِّ احتياجاته. وعلى الرغم من أنَّ معروضاته توحي بالرفاهية فإن كساد السوق جعل البيع بطيئاً وأثَّر على دخله كما هو حال باقي التجار.
مضى الشهر ولم يتلقَّ كريم أيَّة إشارة إلى نيَّة صديقه في السداد. انتظر أسبوعاً ثمَّ تردَّد كثيراً قبل أن يتصل به، لكنَّه لم يردَّ. حاول مجدَّداً في اليوم التالي فجاءه ردٌّ مقتضب:
“لاحقاً، أنا مشغول الآن.”
لم يكن الأمر يطمئن لكنَّ كريماً آثر الانتظار. مرَّ أسبوعان، ثمَّ شهر، وحين التقى به صدفة في أحد المقاهي كان الرجل يتحدَّث بسخاء عن مشروعه الجديد ويبدو عليه الازدهار. اقترب منه، وبابتسامة ودودة سأله عن الدَّين. ضحك الرجل وقال ببرود:
” آه، ذلك المبلغ الصغير؟ اِعتبرْه هدية، فأنت رجل كريم كما هو اسمك!”
تجمَّدت ملامح كريم وهو يحاول أن يستوعب كلمات صديقه. شعر بوخزة خيبة في صدره لكنها لم تكن بسبب المال، بل بسبب الخديعة التي لم يتوقَّعها من رجل كان يظنُّه أهلاً للثقة. حدَّق في عينيه يبحث عن أي أثر للخجل أو الندم لكنَّه لم يجد سوى ابتسامة باردة واستهزاءً مقنَّعاً.
حاول أن يتمالك نفسه، فأخذ نفساً عميقاً وأجبر شفتيه على رسم ابتسامة هادئة لا ضعف فيها ولا غضب. قال بصوت متَّزن:
“لم أكن أنتظر منك ردَّ الجميل لكنَّني كنت أظنُّك أكثر احتراماً لوعودك.”
ضحك الرجل بخفَّة وهو يرفع كوب قهوته إلى شفتيه، ثمَّ قال بنبرة ساخرة:
“كريم، الدنيا مصالح! من يهتمُّ اليوم بوعود كهذه؟ ثم إنَّك لم تخسر شيئاً، أليس كذلك؟”
أحسَّ كريم بحرارة في وجهه لكنَّه قاوم أيَّ انفعال. أدرك أنَّه لن يستعيد ماله، لكنَّه لم يكن يهمُّه المال بقدر ما كان يهمُّه ألَّا ينحدر إلى مستواه. نهض بهدوء، عدَّل ياقة قميصه، ثمَّ قال بصوت خالٍ من أيِّ توتر: “ربَّما تكون محقَّاً؛ الدنيا مصالح. لكن تذكَّر أنَّ من يَخدع مرَّة قد لا يجد من يصدِّقه مرَّةً ثانية.”
ثم تركه وغادر تاركاً وراءه رجلاً يظنُّ نفسه ذكياً، ولا يدرك أنَّه بخس شيئاً أثمن من المال… ثقته.
وقف كريم أمام المرآة في زاوية المتجر. تأمَّل صورته بصمت متفحِّصاً ملامحه بحثاً عن إجابة لم يكن يدرك كم يحتاجها. رأى رجلاً أنهكته الأيام، ليس بسبب المال الذي خسره، بل بسبب الثقة التي أودعها في غير أهلها.
مرَّر يده على ياقته المرتَّبة ثم ابتسم بسخرية خفيفة. لم يكن الندم هو ما شعر به بل الفهم… الفهم بأنَّ الكرم حين يُمنح لمن لا يستحقُّه يصبح خدعة لا للآخرين فحسب بل لصاحبه أيضاً.
أعاد ترتيب بعض القطع على الرفوف وكأنَّما يعيد ترتيب أفكاره. لم يتغيَّر كريم، سيظلُّ كريماً كما كان، لكنَّه تعلَّم درساً جديداً: ليس كلُّ من يطلب العون يستحقُّه، وليس كلُّ يد تمتدُّ تستحقُّ أن تُملأ.
أطفأ الأنوار وخرج تاركاً خلفه متجره هادئاً، لكنَّه هو نفسه لم يعد كما كان.
2
شريكُ الظِّلِّ
منذ اللحظة الأولى بدا المشروع كأنَّه الحلم الذي طالما انتظراه. جمعتهما صداقة قديمة وتكامُل واضح في المهارات؛ كان سامر رجل المال والإدارة بينما امتلك طارق الشغف والمهارة الفنية التي يحتاجها المشروع ليزدهر. لم يكن هناك داعٍ للعقود المعقَّدة أو الحذر المفرط، فالثقة وحدها كانت تكفي.
مرَّت الأشهر ونمت الأرباح، لكنَّ طارقاً بدأ يلاحظ أن الأمور لا تسير كما كان يظنُّ. لم تكن الحسابات واضحة، والقرارات المالية كانت تُتَّخذ دون الرجوع إليه. كلما سأل سامراً حصل على إجابات مبهمة ومطمئنة، لكنه لم يكن مرتاحاً. راوده الشك فقاومه مفضِّلاً تصديق أنَّ شريكه لن يغدر به.
قرَّر طارق أن يراجع السِّجلَّات بنفسه. بعد محاولات عدَّة للوصول إلى الوثائق اكتشف حقيقة صادمة: سامر كان يعيد استثمار الأرباح باسمه الشخصي دون أن يوزِّعها بعدل. وحسب العقود لم يكن طارق شريكاً بل موظَّفاً غير رسمي… في شركته الخاصَّة.
واجهه طارق بغضب لكنَّ سامراً ابتسم بهدوء، ثمَّ أخرج ملفَّاً ملياً بالعقود والتوقيعات. “كلُّ شيء قانوني، يا صديقي. لقد وثقت بي ووقَّعت على كل شيء بنفسك.” شعر طارق أنَّ الأرض تنسحب من تحته. كلُّ شيء كان مخطَّطاً له بعناية، وكلُّ ثغرة قانونية قد استُغلَّت ضده.
أراد طارق اللجوء إلى القانون لكنه وجد نفسه عالقاً في شبكة من المستندات التي تثبت أنه لا يملك أي حقٍّ فعلي في المشروع. كان أمامه خيار واحد: الخروج بصمت محمَّلاً بدرس قاسٍ عن الثقة العمياء.
شعر أنَّ سنوات عمره أُهدرت في صداقة كان يعدُّها فاضلة. جلس في زاوية مقهاه المعتاد يتأمَّل الأوراق القديمة بين يديه، وأدرك أن بعض الخيبات لا تشفى بل تَحفر في القلب درساً لا يُنسى…
أمَّا سامر فقد واصل صعوده دون أن ينظر خلفه.
3
صوتٌ للبيع
في مدينة أنهكها الفقر والإهمال خرج المرشَّح الجديد قاسم الواسطي ليملأ الشوارع بوعوده الرنَّانة. تحدَّث عن العدالة وعن حقوق المواطنين وعن مستقبل أكثر إشراقاً. صوته هادئ، كلماته مرتَّبة بعناية، ونظراته تحمل الأمل الذي طالما انتظره الناس.
تسابق المواطنون إلى صناديق الاقتراع محمَّلين بأحلامهم وآمالهم وأعطوه أصواتهم بلا تردُّد. ولم يكن فوزه مفاجئاً فقد استطاع أن يجعل الجميع يصدِّقون أنَّه مختلف وأنَّه المنقذ الذي سيغيِّر حياتهم.
لكن سرعان ما بدأت الحقيقة تتكشَّف. اختفى قاسم عن الأنظار. لم يعد يزور الأحياء التي وعد بإصلاحها ولم تعد كلماته تصل كما كانت تفعل قبل الانتخابات. تحجَّج بالصعوبات والعراقيل وتحدَّث عن «تعقيدات السياسة» التي تمنعه من الوفاء بوعوده.
حاول بعض المواطنين مقابلته لكن وجدوا بابه مغلقاً وحرَّاسه يقفون بينه وبينهم. لم يعد ذاك الرجل الذي كان يسير بينهم ويصافحهم بحرارة. تحوَّل إلى صورة على شاشة، إلى تصريحات جوفاء تحمل المزيد من الوعود التي لم يعد أحد يصدِّقها.
وعندما اقترب موعد الانتخابات التالية عاد قاسم ليظهر من جديد، بابتسامة مطمئنة وكلمات جديدة عن مستقبل أفضل. وبينما كان بعض المواطنين مستعدِّين لمنحه فرصة أخرى كان الآخرون ينظرون إليه بعيون منهكة وقد أدركوا متأخِّرين أن أصواتهم لم تكن سوى ورقة في لعبة أكبر منهم.
عاد المواطنون المخدوعون إلى منازلهم يحملون في صدورهم مرارة الخديعة لأنَّ أصواتهم التي أعطوها بحسن نيَّة بيعت في سوق السياسة.
4
حبٌّ مسموم
كانت نادين ترى في سمر صديقةً مقرَّبة، ولم تتوقَّع يوماً أن تكون تلك الصداقة غطاءً لخطَّة محكمة. كانتا تتشاركان كل شيء: الضحكات، الأسرار، وحتى الحديث عن الحب. عندما وقعت نادين في حب خالد كانت سمر أوَّل من عرف بالأمر. استمعت لها باهتمام وابتسمت كما لو كانت سعيدة من أجلها.
لكن في قلبها كانت النار تشتعل.
خالد هو الرجل الذي رأته سمر مناسباً لها لا لصديقتها. كانت ترى كيف يضيء وجه نادين عندما تتحدَّث عنه وكيف يبادلها الاهتمام. لم يكن بإمكانها السماح بذلك. وهكذا، بدأت المكيدة/ اللعبة.
راحت سمر تزرع الشكَّ في قلب نادين. أخبرتها أنَّ خالداً يبدو مشغولاً عندما تكون قريبة، وأنَّه يبتسم لنساء أخريات ابتسامة العاشق. اختلقت رسائل وهمية، وأقنعتها أنَّ خالداً ليس صادقاً معها.
بعد شهور قليلة على علاقة نادين بخالد صارت متردِّدة متوتِّرة، تتجنَّبه خشية أن تكون مجرَّد محطَّة عابرة في حياته. وفي اللحظة المناسبة كانت سمر هناك، تمسح دموعها وتواسيها.
وحين ابتعدت نادين أخيراً كانت سمر تنتظر. ولم يمرَّ وقت طويل حتى وجدت طريقها إلى خالد، وبينما كان يحاول نسيان ما ظنَّه حبَّاً خائباً وجد في سمر العزاء والمواساة. بعد مدَّة قصيرة أصبحا معاً.
وقفت نادين تشاهد المشهد من بعيد، تتساءل كيف انتهى كل شيء بهذه السرعة، وكيف خُدعت من أقرب صديقاتها. أمَّا سمر فقد ابتسمت بانتصار غير مبالية بدموع صديقتها القديمة؛ فقد كانت تؤمن بأنَّ الحب ليس دائماً شعوراً صادقاً… قد يكون لعبة يفوز بها الأذكى.
---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل