مُذكِّرات ضابِط شُرطة

قراءة في (مُذكِّرات ضابِط شُرطة) لعبد القادر ماهر الكنعانيّ

بين يدينا كتابٌ يضمُّ مذكِّرات مقدَّم الشُّرطة الرَّاحل عبد القادر ماهر الكنعانيّ الّتي كتبها خلال سنوات عمله بين عامي 1949 و 1977. وثَّق صاحب المذكِّرات تفاصيل يوميَّاته المهنيَّة والظُّروف التي واجهها خلال خدمته في أوقات عصيبة من تاريخ العراق والأمَّة العربيَّة. وقد تركها مع عائلته مدوَّنةً بخطِّ يده. عمل على إعداد الكتاب وتحريره وطباعته ولداهُ المهندس سعد والدُّكتور المهندس رامي لتكريم ذكرى أبيهما ولتقديم لمحة عن تاريخ العراق من خلال عينَي رجل عاش الأحداث بتفاصيلها.

 يقع الكتاب في ثلاثمائةٍ وتسعين صفحةً من القطع الكبير، وهو مقسَّم على أربع مراحل حسب تسلسل الأحداث التَّاريخيِّ تطوف بنا بين محطَّات حياة صاحب المذكِّرات المهنيَّة الَّتي لم تقتصر على العمل في مراكز الشُّرطة ومديريَّاتها في مناطق مختلفة في العراق بل امتدَّت إلى الخدمة في مديرية مكافحة الإجرام وفي مديرية الأمن العامَّة. ويقف بنا المؤلِّف عند أحداث أمنيَّة واجتماعيَّة وسياسيَّة كان شرطيَّاً فاعلاً فيها أو شاهداً عليها، ويفصِّل في بعضها تفصيلاً يجعل الكتاب مرجعاً لمعلومات قيِّمة عن قضايا جوهريَّة عصفت بالعراق امتدَّت آثار بعضها إلى يومنا هذا، ولا يغفل عن إبداء رأيه الشَّخصيِّ في تلك الأحداث الَّذي قد يعارض موقف السُّلطة الحاكمة وموقف جهاز الشُّرطة، وقد كانت سريرة نفسه تدفعه دائماً للوقوف إلى جانب شرف المهنة دون التَّخلِّي عن مبادئه. وتعرِّج المذكِّرات أيضاً على هواجس صاحبها في العمل السِّياسيِّ وهواجسه الإيمانيَّة.

فمن الأحداث والقضايا الحسَّاسة ما يخصُّ اليهود في العراق وما حدث في عامَي 1950و1951 والتَّفجيرات الَّتي  قام بها يهود عراقيُّون ومتعاونون من المسلمين العرب لغرض ترهيب يهود العراق وحثِّهم على ترك العراق والهجرة إلى فلسطين المحتلَّة على غرار ما حصل في مصر، ودور الحكومة العراقيَّة في ذلك. ومنها اكتشاف شبكة تجسُّس عام  1969 عناصرها من اليهود والإيرانيِّين ومعهم عراقيُّون آخرون من غير اليهود.

وعن التَّجسُّس أيضاً يشير المؤلِّف إلى اكتشاف شبكة تجسُّس لصالح دولة أوروبيَّة وإلقاء القبض على أجنبيٍّ ادَّعى أنَّه عراقيٌّ وعاش باسم (الحاجّ محمَّد) في منطقة الشَّوَّاكة، وبعد مداهمة منزله عُثر على أجهزة اتِّصال مع سفارة تلك الدَّولة واعترف بتعاونه مع أشخاص عدَّة بينهم عراقيُّون. 

وفي الكتاب سرد مهمٌّ ليوميات عمل الكنعانيّ في مكافحة الشَّغب الَّذي أحدثه التَّمرُّد الكرديُّ في المنطقة الشَّماليَّة، وهنا يسهب المؤلِّف في الحديث عن عمله في القُوَّة السَّيَّارة لمطاردة العُصاة الأكراد المتمرِّدين في شماليِّ العراق وهو عمل يتطلَّب مستوى استثنائيَّاً من الشَّجاعة والانضباط لما فيه من المخاطر والمواقف الحرجة الَّتي تفرض اتِّخاذ قرارات سريعة ودقيقة تحت ضغط شديد. ويتحدَّث بتفصيل عن المعارك مع “المتمرِّدين الَّذين لا يعرفون حرمة رجال الحروب عند وقوعهم أسرى أو جرحى أو قتلى، فهم يمثِّلون بالأحياء والأموات، وكان ذلك يجري أمام عيوني”. 

ويسجِّل صاحب المذكِّرات ملاحظاته الوصفيَّة على كثير من الأحداث السِّياسيَّة والمؤامرات والاغتيالات، كما شهدها، دون مدحٍ أو ذمٍّ ودون أن يدَّعي المعرفة، فنقرأ عن انقلاب ناظم كزار وعن اغتيال حردان التّكريتيّ، ونقرأ أيضاً معلومات مهمَّة عن اغتيال السَّفير د. ناصر الحاني وقد رأسَ الكنعانيُّ لجنةَ التَّحقيق فيه لوقوع الجريمة في منطقة تابعة لسلطته، وكانت لجنة مشتركة من الشُّرطة ومديريَّة الأمن، قبل أن تنقل الحكومة الملفَّ إلى جهاز المخابرات لأسباب أثارت الشَّكَّ في نفس المحقِّق. 

وعن عمله في مديريَّة الأمن العامَّة الَّذي لم يستمرَّ فيه طويلاً يقول: “لم يرُقْ لي العمل في جهاز الأمن العامِّ لعدَّة نواحي، منها ما شعرت به من عدم راحة من المشاهد الأليمة الَّتي رأيتها أمامي لأُناس، أغلب الظَّنِّ كانوا أبرياء، وجريمتهم الوحيدة أنَّهم شيوعيُّون أو قوميُّون. لم أستطع تجاهل الظُّلم الَّذي كان يحدث أمام عيني. كنت أواجه تناقضاً بين واجبي المهنيِّ ومشاعري الإنسانيَّة”. ونُقل بناءً على طلبه.

وفي الكتاب صفحات كثيرة عن دور الشُّرطة في حماية المظاهرات أو قمعها، فمنها إضرابات تشرين الَّتي اشتعلت بعدما أصدرت الحكومة قراراتٍ عدَّتها المجاميع الطُّلَّابيَّة مضرَّة بحقوقهم. اندلعت الاحتجاجات في صباح يوم السَّبت الموافق 22 من تشرين الثَّاني 1952، وسرعان ما اتَّسعت رقعتها. لجأت القوَّات الحكوميَّة إلى استخدام القُوَّة لتفريق المحتجِّين  فسقط أكثر من ثلاثمائة طالب قتلى وجُرح المئات. يقول الكنعانيّ: “كان في داخلي شعور بالخيانة، وكأنَّ من يفترض أن يحميَ النَّاس قد اختار أن يقف ضدَّهم، ويستخدمَ القُوَّة لإسكات أصواتهم” و “كنت أتساءل باستمرار: كيف يمكن لأيِّ ضابط أن يبرِّر لنفسه استخدام هذه الأساليب ضدَّ أبناء بلده؟”

ومن الحكايات المثيرة الَّتي يطالعها القارىء ما يختصُّ بقضايا جُرميَّة مُعقَّدة منها جرائم أبي طبر، وقد كان الكنعانيُّ على رأس لجنة التَّحقيقات فيها والَّتي ضمَّت لاحقاً خبراء أجانب من بينهم كبير المحقِّقين في باريس ومدير شرطة موسكو ومدير شرطة برلين. ونقرأ أيضاً عن القبض على تاجر مخدِّرات وإعدامه، وعن جرائم قتل وسرقات قاد الكنعانيُّ فيها فرقاً متعدِّدة لكشف الجريمة أو منعها وحفظ النِّظام بفاعليَّة وكفاءة مستخدماً حدسه في فكِّ كثير من الألغاز المستعصية عندما كان يعزُّ عليه العثور على الدَّليل القاطع. وفي هذا الباب يلفت نظرَ القارىء بُعدُ نظر ضابط الشُّرطة إذ لا يغفل عمَّا يمكن أن يفضي إليه تطوُّر الأحداث في أيَّة قضيَّة يتصدَّى لها رجل الشُّرطة المسؤول. يقول: “كان رأيي دائماً خلال خدمتي أنَّ تطبيق القانون في قضايا ليست على درجة عالية من الجرميَّة، يتطلَّب المزج بينه وبين الأعراف والأخلاق الَّتي تربَّيت عليها وتربَّى عليها معظم النَّاس”. ففي حادثة دهس فتاة فقيرة الحال من قبل شابٍّ تبيَّن أنَّه ابن رجل موسر كان صديقاً له لم تثنِه الصَّداقة عن استكمال التَّحقيقات وإحضار الفاعل الهارب، ثمَّ خيَّر الطَّرفين بين حلِّ القضية بالقانون أو ودِّيَّاً وسعى في الحلِّ . اختار الطَّرفان الحلَّ الودِّيَّ وكان فيه مصلحةٌ للفتاة الفقيرة وأهلها ومراعاةٌ لظروف الشَّابِّ وأهله. وأمَّا ضابط الشُّرطة فيخبرنا أنَّ ضميره كان “مرتاحاً لما آلت إليه الأمور في هذه القضيَّة”. 

ونقرأ عن أحداث محلِّيَّة كان لها أثرها في البلاد مثل حلف بغداد والجوِّ العامِّ وقتئذٍ، وعن افتتاح مشروع سدِّ الثِّرثار عام 1955 الَّذي يقول فيه: “بالرَّغم من أنَّ الحكومة استولت على أراضينا الزِّراعيَّة مقابل تعويض ماليٍّ… لم أستطع كبح حماسي تجاه هذا الإنجاز”. 

وتقف المذكِّرات بنا عند جوانب اجتماعيَّة حين مارست الشُّرطة دوراً إنسانيَّاً خارج حدود مهامِّها مثل فيضان نهر دجلة عام 1954 واستنفار الشُّرطة، وفي ذلك يقول: “أحسست الآن أنَّ واجبات رجل الشُّرطة أكبر من حفظ أمن المواطنين بل يتعدَّى ذلك إلى أمن البلد، ولولا هذا الإحساس لما رأيت في كتابة هذه الأسطر من فائدة لمن سيقرؤها لاحقاً”.

وعن دور الشُّرطة في فضِّ النِّزاعات العشائريَّة يقول: “واجهتُ خلال مسيرتي المهنيَّة العديد من المشاكل التي كانت تنشأ بين العشائر، وفي كثير من الأحيان كنت أجد نفسي أمام خصمين أعرفهما جيِّداً بحكم عملي وقرب العائلات في هذه المناطق. كنت أستمع بعناية إلى كلا الطَّرفين قبل اتِّخاذ قراري حول من هو المذنب، وأحرص على عدم التَّحيُّز لأيِّ طرف مهما كانت الضُّغوط. كانت العدالة هي هدفي الرَّئيس، ولم أكن لأسمح بأن تؤثِّر العلاقات الشَّخصيَّة أو الانتماءات العشائريَّة على قراراتي”.

تناول المؤلِّف أيضاً أحداثاً عربيَّة حرَّكت الشَّارع العراقيَّ مثل ثورة مصر عام 1952، والعدوان الثُّلاثيِّ على مصر عام 1956، والوحدة بين سوريا ومصر عام 1958، والاتِّفاق العراقيِّ الأردنيِّ لتكوين الاتِّحاد العربيِّ بين الدَّولتين عام 1958، والحرب بين العرب و(إسرائيل) عام 1967، ووفاة جمال عبد النَّاصر عام 1970.


وفضلاً عن توثيق أحداث مهمَّة متنوِّعة، فإنَّ أهمِّيَّة هذه المذكِّرات تكمن في الرَّسائل الَّتي يرسلها صاحبها وآرائه الشَّخصيَّة الَّتي تمثِّل خارطة طريق لضابط الشُّرطة وهو يتحمَّل مسؤوليَّة الحفاظ على سلامة المواطنين وحفظ الأمن والنِّظام ويقف عند الخطِّ الفاصل بين استخدام القوَّة لردع المسيء وسوء استخدامها لقمع النَّاس. وإنَّها مسؤوليَّة توجب على المكلَّف بها أن يؤدِّيَها بأمانة. هنا يخبرنا ضابط الشُّرطة أنَّ رئيس وفد أجنبيٍّ أمَّنَت الشُّرطةُ حمايتَه خلال زيارته مدينةَ سامرَّاء التَّاريخيَّة قدَّم له هديَّةً مسدَّساً (نمرة 7) مع أربع وعشرين إطلاقة موزَّعة على صندوقين، فأبلغ رؤساءه بشأنها فوراً ثمَّ سلَّمها لهم. يقول في هذا الموقف: “الأمانة الوظيفيَّة ليست مجرَّد واجب بل هي جزء أساسيٌّ من شخصيَّتي ومبادئي”، “تعلَّمتُ على مرِّ السِّنين أنَّ قبول الهدايا، حتَّى وإن كانت بنيَّةٍ طيِّبة، قد يضعني في مواقف غير ملائمة أو يفتح باباً للتَّأويلات”.

ختاماً، فإنَّ الكتاب مكتوبٌ بأسلوب جذَّاب ولغة تكاد أن تكون أدبيَّة حيثُما سمح المقام، وأمَّا القضايا الجُرميَّة وما تعرَّض له ضابط الشُّرطة أو عائلته من تهديد ففيها من التَّشويق ما يُشعر القارىء أنَّه يقرأ رواية بوليسيَّة.

الكتاب صدر حديثاً عن (دار الحكمة) في لندن.

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply