قلت لصديقتي صفاء بفرح إنّي أكتب رواية.
كانت قد اتصلت هاتفياً وأخبرتني أنَّ أمها ماتت منذ عشرة أيام، وأنها تحس بالاختناق وبأشياء غريبة، واقترحتْ أن نذهب إلى السينما. واقترحتُ أن نقضي سهرة في بيتي.
– عندي إحساس بأني أتخلَّص منه على صفحات الرواية.
قالت:
– ومن يدري؟ ربما بعد أن تنهي الرواية تجدين أنه من المحزن التفريط بمثل هذا الحب فتعودين إليه.
كانت تدخن بشراهة. عزمت عليَّ بسيجارة. نفثتُ دخانها وأنا أقول:
– لا أدري. لا أظن. زمان، عندما كنت أصغر سناً، كنت أقول لا كبرياء في الحب. الآن تبدو الأمور محيِّرة، فمن ناحية، يجب أن أكون سعيدة، لأني أجد حباً كبيراً في هذه السن، ربما كان ينتظر أن اقدِّم الكثير من التنازلات، لهذا السبب. ولكن من ناحية اخرى، تبدو مسألة الكبرياء كأنها آخر ما يتبقى للواحدة منا.
**
يجب أن أغيِّر قلم الحبر هذا.
أخذتُ أذرع غرفتي جيئة وذهاباً. أستلقي على السرير قليلاً. أسوِّي كتبي المتناثرة على المنضدة. أغلق باب الشرفة.
ذهبتُ إلى المطبخ وغسلت طبقين كانا في الحوض. كنتُ أدرك أن هذا القلق يعني شيئاً من اثنين: أما أني على وشك الكتابة أو أني أريد أن أمسك الهاتف لأهدر بقايا كبريائي على أسماعه. خُيِّل إلي أني أستطيع أن أهاتفه لأقول له: إني أكتب. سأكتب .. لا أقلَّ من رواية. لم أكتب رواية من قبل، ولا أعرف كيف أبدأ، ولكن لن تكون أقل من رواية فقد طالت القصة أكثر مما ينبغي.
أستطيع أن ابتدىء الرواية بوصف كفِّكَ اليسرى تزيِّن ظهرها شامة واضحة. كنت أقول لكَ مداعبة: “أنت ابن ملك أضاعوه، ويوماً ما سيعرفك الملك من هذه الشامة”. كنتُ سأتعرف كفَّكَ من بين مئات غيرها، راحة ناعمة جداً وأصابع غليظة تنتهي نهايات مدبَّبة. تتذكر كم تعبنا حتى وجدنا خاتم زواج ذهبياً، يناسب مقاس إصبعك. كنتُ كلما أتامَّل يدكَ بالخاتم أزداد افتتاناً بها وأتلمس أصابعك المدربتين، وهما تجوسان في أنحاء جسدي، تتوقف هنا قليلا، وتضغط هنا، تتوغل هناك برقة .. بقسوة.. متمهلة .. متعجلة.
وهل بعد ذلك تلومني إذِ انتزعتُ من كفِّك، وأنت تغادرني، خاتم الزواج؟ كنتُ أجرِّدها من هويتي وملامحي، أنزع عنها بهاء اللغة التي كانت أصابعك تترجم بها خصوصية ما كان بيننا. بأية لغة تتحدث أصابعك الآن؟
هل تشعل النار في جسدها المنطفيء؟ أريد أن أعرف إن كانت أطراف أصابعك قد أدركت أنها تجوس الآن في غير أرضها. أيمكن أن تعرف تلك الأصابع التي احببتُها كلَّ هذا الغدر؟
ها أنا أتهاوى إلى قاع الرثاء لنفسي، وأتحسَّس جبلاً ينهض من داخل روحي ليسد النورعن عقلي فلا أرى سوى بركان غضب يحتدم في أعماقي.
ليس هذا ما أردته من الكتابة. أن تكتب بغضب يعني أن لا ترى سوى نفسكَ. كان قصدي أن أكتب لأفهمك أكثر وتفهمني أكثر، وربما تقع الرواية في يدها فتفهمنا أكثر. تلك المرأة التي خرجت عن طورها، وحاربت بكل الطرق الممكنة.
**
ماهذه القصة؟ يتساءل القارىء. امرأتان ورجل؟ ولكن هذه قصة عادية!
**
عندما فتحتُ الباب لم أفاجأ به فبعد المشاجرة الهاتفية بيننا بالأمس كنت أتوقع حضوره، وإن شعرت بالأسى والخجل لأنه يطرق الباب الآن بدلاً من أن يستخدم مفتاحه الذي انتزعته منه يوم جمع ملابسه ولوحاته وكتبه وغادرني، قبل شهر تقريباً.
كان يوم جمعة، وقد وصلت الأمور بيننا إلى حد اللارجعة، وهو حد وهمي دائماً، لأننا لا نستطيع سوى أن نرجع، بعد أن يهدأ اللهيب الذي نؤججه ونلقي إليه بحطب الكلمات، ولكنه في تلك الجمعة أخذ أشياءه وذهب إليها، تلك المرأة التي ظلت تنفخ في الرماد، من بعيد. قال محتدَّاً حين عاتبته عبر أسلاك الهاتف بالأمس: “ماذا كنت تريدين مني أن أفعل؟ أنام في الشارع؟”
**
ماذا يفعل الكاتب عندما يشرع برواية؟ هل يرسم مخططاً مسبقاً للأحداث والشخصيات أم يتركها تتخذ مساراتها دون تدخل كثير منه؟ لقد ابتدأت قصتنا وانتهت أكثر من مرة. في كل مرة ننتهي ثم نبتدىء من جديد. هل يكون لهذه الرواية أكثر من بداية ونهاية واحدة أم بداية واحدة ونهايات متعددة؟
دخل وسحب كرسياً إلى جانبي في حين تشاغلتُ ثانية بجهاز الكومبيوتر الذي كنت أنقل إليه قصة انتهيت منها هذا الصباح. تحاشيتُ النظر إليه. لم أرغب في رؤية ملامح الأخرى مطبوعة على وجهه.
قال متشفيَّاً:
– أراك تفتحين بابك لي. هل أخافتك لهجتي في الهاتف؟
رددت بسرعة :
– لقد اعتدت لهجتك المتوعدة المهددة، ولكني أعرف أنك لست هذا النوع من الناس.
كنت أتحدث دون أن أنظر إليه.
– متى تنتهين من هذا الشيء؟ دعينا نخرج قليلاً.
– ومن قال إني أريد الخروج؟
– عندي كلام لا بدَّ أن أقوله لك.
– لا بدَّ أن أنتهي من القصة أولاً.
– وماذا عن قصتنا؟
– ماذا عنها؟
– ألا ننتهي منها؟
التفتُّ إليه هذه المرة:
– أهذا ماجئت لأجله؟
– هذا وأشياء أخرى.
نهض من مكانه وبدأ يجوس خلال البيت. دخل غرفة النوم ثم الحمام ثم المطبخ. وسمعت صوته من هناك.
– أريد أن أعرف ماذا فعلت خلال هذه المدة.
– ومايهمك من ذلك؟
– لا تنسي أنك ما زلت زوجتي.
اقترب مني وقال، وقد اكتست ملامحه عبوساً:
– في الحمام عقب سيجارة، وفي المطبخ أدوات حلاقة. هل كان في البيت رجل ليلة امس؟
– عقب السيجارة لا أعلم عنه شيئاً، قد يكون للكهربائي الذي عمل هنا منذ يومين، أما أدوات الحلاقة فهي لي.
لا أدري لمَ كان علي أن اشرح له كل هذا. لقد عاد إلى ظنونه! وكان احتدام الغضب والمهانة في داخلي يتحول إلى ما يشبه الغثيان.
عندما تصعد دموع الغيظ إلى عينيكَ تعرف أن الوقت قد حان كي تترك القلم حتى تستعيد هدوءك، فكتابة رواية عملٌ عقلاني بارد وليس دفقات غضب ويأس.
قلبتُ قنوات التلفزيون. على إحداها ظهر مخرجٌ شابٌّ كتب قصَّة فيلم سيعرض بعد قليل يتناول حياة امرأة في منتصف العمر ومشاعرها ومشاكلها. تحدَّث المخرج طويلاً. في الواقع، استغرق كلامه المتقطِّع المرتجف وقتاً أطول ممَّا استغرقه الفيلم. ثم عُرض الفيلم؛ مشاهد مشتَّتة لامرأة ترتدي بدلة رجالية وتدخِّن طول الوقت، ولكنها بين علبة سجائر وأخرى تردِّد لنفسها: “افتقد لمسة يديك”. تمنَّيت لحظتها أن تكونَ – وأنت في الطرف الآخر من الجحيم – أمام شاشة التلفزيون، تستمع إلى هذه الكلمات .. أفتقد لمسة يديك!
**
يتساءل القاريء، وهو يرمي الرواية من يده: هل هذه قصة عن إمرأة في منتصف العمر؟
**
بدأَتِ السنوات الأربع التي سرقتها من عمرك -كما تقول- بذلك الصباح الصيفي الذي كانت شمسه تغري بيوم بديع ممتد ونحن في طريقنا إلى مدينتك الساحلية. كانت أول مرة نكون فيها وحدنا وفي طريقنا إلى خارج القاهرة.
عندما توغَّلت السيارة في الصحراء زدتُ من سرعتها وقلت لك ضاحكة:
– لا تخف. معك سائقة ماهرة.
– لست خائفاً. لقد سلَّمتك أمري.
وتلمَّستَ أصابعي المشدودة على المقود. سحبتُ يدي وغيَّرت موضعها بعيداً عن يدك، ولم يكن ذلك بدافع الحشمة – كما قد تكون فهمت- وإنما كان مجرد لمس يدي في تلك المرحلة المبكرة من علاقتنا يمكن أن يجعلني أترك المقود وأندفع إلى أحضانك.
كان منظر البحر ساحراً حين جلسنا إليه بعد أكثر من ساعة. كنتُ قبلها قد دخلت الحمام لأنفض عن وجهي تعب الطريق. سوَّيتُ شعري وأصلحتُ زينتي الخفيفة. وذهبتُ إليك. نظرت إليك من الخلف. كنتَ جالساً تحت سقيفة مصنوعة من سعف النخيل وأمامك البحر ممتداً ناعماً وهادئاً مثل حصيرة.
قلتَ لي حين جلستُ إلى جانبك: “يذكِّرني البحر بالأيام التي قضيتها في بحيرة المنزلة بعد تهجيرنا. كنتُ أسكن بيتاً داخل البحيرة، وعندما تهدأ حركة الصيادين لم أكن اسمع سوى أصوات النوارس والطيور البحرية. ولكني مع ذلك أحب هياج البحر.”
والتفتَّ إلي مبتسماً:
– يقولون إنَّ مزاجنا نحن أهل السواحل مثل البحر: يوم هاديء ويوم عاصف.
هل كان عليَّ أن أسرق من عمرك – كما تقول- أربع سنوات قبل أن أفهم مزاج البحرهذا؟
**
لمَ لا أبدأ الرواية بقولك مرةً أنك تفتقدني – ويا للغرابة- كلما دخَّنتَ أرجيلة؟ وضحكنا وأنت تقول إنه عليك لكي تنساني أن تترك عادة التدخين هذه.
لم أشعر بالإطراء بل انتابتني الحيرة. أدري أن هذه العادة تذكِّرك بالأرجيلة الخشبية المزخرفة التي جلبتُها من بغداد. كان من المفترض أن توضع زينة في الركن العربي في غرفة الصالون. هذا ماكانت عليه منذ سنوات في بيت اختي التي لم تجد ما تهديني وأنا أودعها مسافرةً سواها. ولكنك حين تلقفتها بيديك وقلبتها وقضيت ساعة تغسلها وتعدها وجدتَ فيها إمكانية استخدامها في ليالينا الصيفية، في شرفتنا الساحرة، في الطابق الحادي عشر.
وأنت تُنضج الفحم وتأخذه بالملقاط لتدفنه في وريقات التبغ، كانت رائحة التبغ المحترق تتسلَّل إليَّ من المطبخ فتثير حواسي، ثمَّ، وأنا اتربَّع على الأرض، أتأمل بافتتان ملامح وجهك وهي تتعامل مع مبسم الأرجيلة. تزمُّ شفتيك حوله لتمتص الهواء ثم تنفثه دخاناً، ونظرة غائمة في عينيك كأنهما تغيبان في سماوات شاسعة .. هي النظرة ذاتها التي تغشى عينيك وأنت تغيب معي في ذروة الحب. وأنتظر أن تراني من جديد.
تلتفتُ إليَّ وتسلِّمني مبسم الأرجيلة وتقول: “جرِّبي”. أتظاهر بأني أغيب فيها مثلك، ولكني لا أفلح. أنفث الدخان مرتين، ثم أميل عليك، وقبل أن تزم شفتيك حول المبسم .. أقبِّلهما.
هل تتذكر كل ذلك عندما تجلس الآن، في أي مقهى، لتطلب أرجيلة وحجراً ومبسماً جديدا؟
**
سألتُ صفاء :” هل تعرفين ما الذي أفتقده حين يهجرني؟ وما الذي كان يعيدني إليه في كل مرة؟”
كنا نجلس معاً على أريكة وأرجلنا مطوية تحتنا. أغمضَتْ عيناً واحدة ونفثَتْ دخان سيجارتها ثم قالت ضاحكة:
– الشجار؟
– لن تصدِّقي ما سأقوله. حتى هو لا يعرف. أفتقد في كل مرة، وضع كفه على كتفي،عند منبت رقبتي، ونحن نعبر الشارع أو نخترق زحاماً. كنت أجد في حركته اللاشعورية تلك حناناً وسطوة وحماية؛ ثلاثة أشياء لم أجدها معه طوال حياتنا معاً إلَّا في حركة اليد هذه!
– هذه بداية جيدة للرواية: “أفتقد في كلِّ مرَّة …” انطلقي من هنا.
---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل