The World of Deception~عالم الخِداع

Photo @AI generated

Basil Younis Thanoon

Abstract

This article opens a window into the world of deception we live in, with some focus on deception in social media, as well as the use of artificial intelligence in the field of deception.

 

باسل يونس ذنون الخياط


الملخَّص

يفتح هذا المقال نافذة على عالم الخِداع الذي نعيشه، مع بعض التركيز على الخِداع في وسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك توظيف الذكاء الاصطناعي في مجال الخِداع.

مقدِّمة:

عالم الخِداع عالم حقيقي موجود منذ القِدم، ظاهره جميل برَّاق جذَّاب وباطنه غير ذلك. والخِداع هو الاحتيال والمراوغة بإظهار الخير مع إبطان خلافه، ليحصل مقصود.

صاحَب الخِداع  البشرية منذ نشأتها الأولى، فكان خدِاع إبليس ومكره لآدم وحواء مما تسبَّب في هبوطهما من الجنة.

والخِداع سمة بارزة من سِمات المنافقين، وقد تحدَّث عنه المصحف الشريف في أكثر من موضع، منها في قوله تعالى (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا) (النساء: 142).

يقول ابن القيِّم: ينقسم الخِدَاع إلى نوعين: خِدَاع محمود وخِدَاع مذموم. فإن كان الخِدَاع بحقٍّ فهو محمود، وإن كان بباطل فهو مذموم. ومِن النَّوع المحمود: قوله (ﷺ): (الحرب خدْعَة)، وقوله في الحديث الذي رواه التِّرمذي وغيره: (كلُّ الكذب يُكْتَب على ابن آدم إلَّا ثلاث خصال: رجل كذب على امرأته ليرضيها، ورجل كذب بين اثنين ليصلح بينهما، ورجل كذب في خدْعَة حرب).

ومِن الخِدَاع المذموم قوله تعالى (يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ) (البقرة: 9) وقوله تعالى (وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ) (الأنفال: 62)، وقوله (ﷺ): (أهل النَّار خمسة، ذكر منهم رجلاً لا يصبح ولا يمسي إلَّا وهو يخادعك عن أهلك ومالك).

يقول مارك توين: لولا البُلَهاء لما حقَّق الآخرون أي نجاح، نناور ونخفي أفكارنا ونكذب ونتزلَّف، وفي النهاية نحقق ربحاً أكيداً، لكن أرقى أنواع الخِداع وأكثرها تأثيراً هو الخِداع الذي نمارسه على أنفسنا.

والخِداع موجود في طبيعة الكثيرين منذ القِدم ويشمل مختلف مجالات الحياة الشخصية والمجتمعية. ولم يقتصر الخِداع على البشر فقط، فهو موجود أيضاً في عالم الحيوان، وأشهر الحيوانات التي عُرفت بالخِداع الثعلب، حتى أنَّ الشخص المُخادع يوصف بأنه “ثعلب مكّار”.

 لقد وثَّق أمير الشعراء أحمد شوقي مكر الثعلب وخِداعه في قصيدة رائعة تعلَّمناها منذ نعومة أظفارنا:

بَرَزَ الثَعلَبُ يَوماً في شِعارِ الواعِظينا

فَمَشى في الأَرضِ يَهذي  وَيَسُبُّ الماكِرينا

وَيَقولُ الحَمدُ لِلهِ إِلَهِ العالَمينا

يا عِبادَ اللَهِ توبوا فَهوَ كَهفُ التائِبينا

وَازهَدوا في الطَيرِ إِنَّ الــعَيشَ عَيشُ الزاهِدينا

وَاطلُبوا الديكَ يُؤَذِّن لِصَلاةِ الصُبحِ فينا

فَأَتى الديكَ رَسولٌ مِن إِمامِ الناسِكينا

عَرَضَ الأَمرَ عَلَيهِ وَهوَ يَرجو أَن يَلينا

فَأَجابَ الديكُ عُذراً يا أَضَلَّ المُهتَدينا

بَلِّغِ الثَعلَبَ عَنّي عَن جدودي الصالِحينا

عَن ذَوي التيجانِ مِمَّن دَخَلَ البَطنَ اللَعينا

أَنَّهُم قالوا وَخَيرُ القَولِ قَولُ العارِفينا

مُخطِئٌ مَن ظَنَّ يَوماً أَنَّ لِلثَعلَبِ دينا

عصر الخِداع: 

بالرغم من التقدم العلمي والتقني الهائل الذي يشهده عالمنا المعاصر وبخاصة في مجال الاتصالات والمعلومات، حتى أصبح عالمنا أشبه بقرية صغيرة، فقد هيمنت (الثعالب) على مختلف جوانب الحياة، وأصبح الخِداع السمة الأبرز في مختلف الميادين.

لقد أضحت سِمة عدم التوافق بين المظهر والجوهر هي السِّمة المُميزة للعصر الذي نعيشه، فلا غرابة أن يطلق الكثير من الكُتاب لقب (عصر الخِداع) على عصرنا الحالي.

فهناك كتاب منصور عبد الحكيم: “عـــصر الخـِــداع …آخر العصور على الأرض”، 2015. وهناك أيضا كتاب الدكتور محمد البرادعي باللغة الإنكليزية الموسوم “عصر الخِداع: الدبلوماسية النووية في أوقات الغدر”، عن دار نشر “بلومز بري” البريطانية. ويُعد هذا الكتاب من الكتب المهمَّة في مجال السياسة والتاريخ، ويتناول قصة تطور الحركات الإسلامية في مصر والعالم العربي خلال حقبة زمنية تمتد من القرن التاسع عشر حتى نهاية القرن العشرين. وفي هذا الكتاب يقوم المؤلف بتحليل دقيق لأسباب نشوء هذه الحركات، ويستعرض تأثيرها على المجتمعات المحلية والإقليمية والدولية. 

إنَّ الكذب في العالم الحقيقي يكون في كثير من الأحيان لتحقيق مكاسب شخصية أو أيديولوجية وقد يُلحق الضرر بالضحية، وكثيراً ما يتم تنفيذه على مدى مدَّة زمنية كبيرة. وعلى نطاق أوسع، فإن الخِداع يشمل أكثر من مجرد الكذب، وفي الواقع، يمكن تنفيذ الخِداع دون كذب صريح.

يمكن تعريف الخِداع على نطاق واسع بأنه التلاعب بالمظاهر بحيث تنقل واقعاً زائفاً. ويتضمن الخِداع كلَّاً من التظاهر (إخفاء أو حجب المعلومات) والمحاكاة (نشر معلومات خاطئة أو مضللة).

وعلى الرغم من أن أغلب الثقافات تعدُّ الكذب والخِداع غير أخلاقيين فإن بعض أشكال الكذب والخِداع يقرُّها المجتمع أو على الأقل يتسامح معها. وفي الولايات المتحدة تشمل هذه الأكاذيب المتسامحة “الأكاذيب الاجتماعية” و”الأكاذيب البيضاء”. والنكات والأوهام والمزاح والكذب أمثلة أخرى على الأكاذيب التي لا تلقى استنكاراً اجتماعياً يُذكر أو لا تلقى استنكاراً على الإطلاق. وتشير هذه الاعتبارات إلى أن أحد أوجه اختلاف الخِداع هو الضرر المتصوَّر الذي قد يلحقه بالآخرين أو بالمجتمع.

الخِداع في وسائل التَّواصل الاجتماعيّ:

لقد هيمنت (السوشيال ميديا) على العالم أجمع، ولم يعد استخدامها مقتصراً على شريحة معينة من المجتمع بل أصبح الجميع كباراً وصغاراً من مستخدميها.

لقد أصبح العالم بوجود وسائل التواصل الاجتماعي يعجُّ بالمثاليات المزيفة أو حتى شبه المزيفة. فالبعض يُطبِّقها ولكن الأغلب لا تمت لواقعه بصلة. فلعلنا نرى الكثير ونتواصل مع العديد من أصحاب المبادئ والقيم والمثل العليا ونعتز ونفتخر بصداقاتهم على هذه المواقع ولكن لا نعرف مدى تطبيقهم هذه القيم على أرض الواقع.

كثيرا ما نرى أشخاصاً رسموا لأنفسهم صورة نموذجية في هذه المواقع لكنهم في الواقع بعيدون كل البعد عن أي مثالية يدّعونها، بل هم أشبه بالأشخاص بالسذج الذين يقولون ما لا يفعلون.

العجب لا يكمن هنا فحسب بل بمنشورات هؤلاء الأشخاص ويتشاركون ومتابعيهم مشاعرهم وتعليقاتهم وهم لم يعتادوا على التعامل معهم في حياتهم اليومية ولا تتعدى علاقتهم شاشات الأجهزة الذكية.

حجم النفاق في مواقع التواصل الاجتماعي أصبح لا حدود له، فشخصية الإنسان عندما يكتب أو يعلّق على أحد الموضوعات تختلف تماماً عن شخصيته وهو يتعامل وجهاً لوجه لأن ظهوره بهذه المواقع يكون بشخصية مغايرة تماماً لشخصيته الواقعية؛ لأنها تكون مشبعة بالمثاليات. 

ربما يكون الخِداع في مواقع التواصل الاجتماعي سهلاً جداً، ولكن الاستمرار في هذا الخِداع صعب جداً أيضاً، فالمثالية الزائفة تخرج عن نطاق الكلام وتسقط أمام الفعل، وأغلب المُدّعين لديهم إدراك تام لهذه المثاليات الزائفة لكنهم ربما يكون لديهم مشاكل نفسية أو قصور في أحد الجوانب، لذلك يتعايشون مع هذه الوسائل بحياة مزيفة بعيدة كل البعد عن واقعهم الحقيقي. لذلك لم نعد نميّز بين الصادق والمنافق وبين المظلوم والظالم، بين من يتحلى بهذه الأخلاق ومن يفتقدها، فالجميع أصبحوا يتحلون بهذه الصفات والأخلاق؛ والأغلب لا تمت لواقعه بصلة.

ومن أساليب الخِداع في وسائل التواصل الاجتماعي ما يُعرف (بالاحتيال العاطفي) إذ تبدأ معظم احتيالات المواعدة بطريقة بريئة تماماً وينشئ المحتال صفحات شخصية زائفة تبدو جذابة للآخرين إلى أقصى حد، ثم ينتظر تواصل الضحية معه لبدء المحادثة، أو هو يبدأ التواصل مع الضحية. وقد يدَّعي أن هناك اهتمامات مشتركة أو حتى صلة معرفة بعيدة تجمع بينهما. وبمجرد أن يضمن الشخص المحتال أنَّ الضحية التقطت الطُعم تصبح الاحتمالات بلا حدود. وهناك قصص لجرائم مروعة حدثت نتيجة لعمليات خِداع واحتيال عاطفي.

الذَّكاء الاصطناعيّ والخِداع:

بعد التطورات الكبيرة المتسارعة التي شهدها عالم اليوم في مجال الذكاء الاصطناعي Artificial Intelligence ظهر جليَّاً تحدٍّ جديد للبشر في توظيف الذكاء الاصطناعي للخِداع في مختلف المجالات.

تكشف الدراسات الحديثة أن الكثير من برامج الذكاء الاصطناعي يمكن أن تستخدم الخِداع لتحقيق أهدافها دون تعليمات صريحة للقيام بذلك. وهناك مجموعة متزايدة من الأدلة على أنّ نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدماً اليوم أصبحت قادرة على الخِداع الاستراتيجي Strategic Deception، فقد نشرت منظمة “أبولو” للأبحاث أنّ نموذج “أوبن إيه آي أو 1” كذب على المختبرين عندما اعتقد أنّ قول الحقيقة سيؤدِّي إلى تعطيله.

يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي التفوق على البشر في ألعاب الطاولة وفك تركيب بنية البروتينات وإجراء محادثة مقبولة ولكن مع تزايد تطور هذه الأنظمة ازدادت قدرتها أيضا على الخِداع، حسبما جاء في تحذيرات جديدة من باحثين في هذا المجال.

وحدَّد تحليل أجراه باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا حالات واسعة النطاق لأنظمة الذكاء الاصطناعي التي تقوم بخِداع خصومها والمراوغة والتظاهر بأنَّها بشر. وفي حالة مثيرة للقلق غيَّر أحد هذه الأنظمة سلوكه أثناء اختبارات سلامة وهمية مما يوحي بإمكانية تضليل المدقِّقين وإعطائهم انطباعاً خاطئاً بأنَّ النظام آمن، وفقا لصحيفة الغارديان البريطانية.

لقد أجرى بيتر بارك الباحث في السلامة الوجودية للذكاء الاصطناعي في معهد ماساتشوستس للتقانة في الولايات المتحدة الأمريكية بحثاً جديداً بعد أن طوَّرت شركة ميتا (التي تمتلك فيسبوك) برنامجاً يسمى “شيشرون” أدَّى أداء أفضل من 10 بالمئة من اللاعبين البشر في لعبة استراتيجية بشأن غزو العالم تسمى “الدبلوماسية”.

وعلى الرغم من أنَّ ميتا قالت إنَّها درَّبت برنامجها “شيشرون” ليكون صادقاً ومفيداً إلى حد كبير، وألَّا يخون حلفاءه البشر عمداً أبداً أثناء لعب لعبة استراتيجية تسمى “الدبلوماسية”، إلَّا أنَّ الباحثين وجدوا أمثلة متعددة على قيام “شيشرون” بالكذب والخِداع المتعمَّد والتآمر ضد اللاعبين الآخرين في اللعبة. وبالمحصلة النهائية فقد قال بارك: “لقد وجدنا أن الذكاء الاصطناعي في ميتا قد تعلّم أن يكون سيِّداً للخداع” في إشارة إلى المستوى الذي وصل إليه البرنامج.

المصادر:

القرآن الكريم.

منصور عبد الحكيم: “عـــصر الخـــداع …آخر العصور علي الأرض”، 2015.

روان سيالة، مثاليات السوشيال ميديا لا تمت للواقع بصلة، 2017.

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply