في عالم يتسارع فيه كل شيء، من المال إلى الشهرة، أصبح الطمع واحدًا من أكثر الصفات انتشارًا وتأثيرًا في مجتمعاتنا، لا سيما في المجال الفني. ففي حين كانت الفنون سابقًا مرآة للروح وساحة للتعبير الإنساني الصادق نجدها اليوم في كثير من الأحيان تتحول إلى سوق استهلاكية يحكمها الجشع وتُدار فيها الموهبة بمقاييس مادية لا علاقة لها بالإبداع أو الرسالة.
الطمع رغبة مفرطة في الامتلاك، سواء كان ذلك مالًا، شهرة، نفوذًا، أو حتى تقديرًا لا يُستحق. هو دافع لا يشبع يقود الإنسان إلى تجاوز الحدود الأخلاقية والتخلي عن القيم من أجل تحقيق مكاسب شخصية. والطَّمَّاع هو ذاك الذي لا يكتفي حتى لو حصل على كل شيء فيظل يلهث وراء المزيد.
وعلى سبيل المثال في المجال الفني، أصبح الطمع متغلغلًا في تفاصيل العمل اليومي. نرى بعض الفنانين يلهثون وراء الأدوار لا وفقًا لما يناسب موهبتهم أو رسالتهم بل وفقًا للعائد المادي أو الأضواء التي قد تجلبها تلك الأعمال والبعض يُسعِّر نفسه حسب عدد المتابعين لا حسب جودة ما يُقدم. ونرى آخرين قد يتخلون عن مبادئهم، بل ويشتركون في حملات تجارية أو سياسية لا يؤمنون بها، فقط من أجل المال أو الظهور.
وعن شركات الإنتاج حدث ولا حرج أحيانًا تستثمر في الوجوه الرائجة على حساب الفنان الحقيقي، مما يخلق سوقًا فنية قائمة على الأرقام لا على القيمة.
في السنوات الأخيرة أصبح من الواضح أن بعض الفنانين يصعدون بسرعة لا بسبب موهبتهم الفعلية، بل بسبب النفوذ، المال، العلاقات أو حتى فقط الجدل على مواقع التواصل. وهذا يؤدي إلى تراجع القيمة الحقيقية للفن حين يُستبدل التسويق بالجودة والشكل بالمضمون.
يظهر الطمع في عديد من الصور، منها على سبيل المثال اللهاث وراء ما يسمى بالترند. كثيرون يصنعون أغاني فقط لتصبح رائجة بغض النظر عن مستواها أو رسالتها وغياب الاحترام للمستمع بتقديم محتوى تجاري سطحي يُستهلك بسرعة ويُنسى بسرعة ويستنسخ الكثير من الأنماط في عشرات الأغاني دون أي إبداع.
لكن ما زال هناك فنانون حقيقيون يؤمنون بأنَّ الفنَّ رسالة وليس مجرد وسيلة للربح. هؤلاء قد لا يكونون دائمًا في الواجهة لكنَّ تأثيرهم يدوم أطول.
ختاماً فالطمع، بطبيعته، لا يخلق حضارات ولا يبني مجتمعات بل يهدمها من الداخل. وفي المجال الفني، إن لم نواجه هذه الظاهرة بالوعي والنقد والدعم للفن الجاد فسوف نفقد واحدة من أهم أدوات الوعي والجمال في حياتنا. فليكن الفن صوتًا للحق لا صدىً للطمع.
---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل