“الحمدُ لله، لي أصدقاءٌ كُثرٌ ولا أعداءَ سوى الحاقِدين”.
لطالما سمِعنا هذه المقولةَ بصِيَغٍ مُختلفةٍ عبر الأجيالِ، وزاد الطينَ بِلّة عالمُ التواصُل الاجتماعي الذي يَعتبر أيَّ شَخص أُعجب بصَفحتك صَديقًا، فنُسفت معاني الصَّداقة من أعماقِها في محاولةِ تتفيهِ مَعنى الصَّداقةِ، من خلال ترقيةِ أيّ عابرِ سبيل إلى مرتبةِ صَديقٍ، عندها يتساوى في ذِهننا العابرُ التافهُ مع الصَّديق الحقيقي، والتقليل من ضَرر العدوّ باعتباره “لا صَديق”. لكن لو عُدنا إلى العالم الواقعي لوجدنا أن كلِمَتي “صَديق وعدوّ” متناقضتا المعنى سنَّهما البشَرُ عبر الحَضارات واللُّغات للتفريق بين نوعين من البشَر، خيِّر وشرِّير.
يمكن القول إنَّ لهاتين الصِّفتين المعنى والدلالات ذاتها في اللُّغات كافة. الصَّديق هو شخص تربُطك به أواصرُ علاقاتٍ متينة، مبنيَّة على ثقة مُتبادَلة والوقوف إلى جانبك في السرّاء والضرّاء. تلك الصَّداقةُ، لا بدَّ أنها مرّت بتجاربَ عبر سنوات قد يطول بعضُها عقودًا. الفوزُ بهكذا صَديق نادرٌ، إذ يُقال إنَّ وجود صَديقٍ صَدوق واحد عبر سنوات عُمرك، لهو فوز عظيم. “الصَّديقُ وقتُ الضِّيق”، هذا المثلُ يجسّد جوهرَ الصَّداقةِ التي تُبرقُ عند الحاجةِ الماسّة لها. “الصَّديق الحقيقي هو الذي يمسحُ دُموعَك بعيدًا عن الأنظار، ويكسِرُ ظُهور الذين يتسببون في بكائك” (مسرحية “هاملت” لشكسبير).
أما العدوّ، فهو الذي يُكِنُّ لك الكراهيَّةَ والحِقدَ، ويسعى إلى إيذائك والإضرار بك متى استطاع إلى ذلك سبيلًا. يتَّسمُ “العدوّ” بالذَّكاء والدَّهاء إذ ينتظرُ وقتًا طويلًا، مُخادِعًا، قبل أن يضربَ ضربتَه القاتلةَ.
قال الإمام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه): “صَديقُك من صدَقك لا من صدّقَك” دلالةً على نزاهةِ الصَّديق ومحبَّتِه وخوفِه عليك من الأذى، وهو قول يُشبهُ المثلَ الشعبي ” مَن أضحكَك ضحِكَ عليك ومَن بكّاك بكى عليك”. أما المثل الإنجليزي “الصديق هو الشخص الذي يعرف كلّ شيء عنك ويظلُّ يُحبك”، فيعكِسُ قمّة الوفاء والمحبَّة والإخلاص.
كثيرة هي الأمثلة والحِكم التي تتناول الصَّديق، في حين أن العدوَّ لا ينال شرف ذلك كونه شرًا، ولا يحتاجُ إلى شرح وتعريف أكثر مما هو عليه من بشاعة، وِفق مفاهيمِنا “المطّاطة” لمَعنى “عدوّ”.
استقطبت خباثةُ العدو التحذيرات ولفت الانتباه. “احتفظ بأصدقائك قريبين، وأعدائك أقرب” (ميكيافيللي) كي لا تُعطي عدوَّك مجالًا ليغدُر بك ويُخطِّطَ لإيذائك. “إعرف عدوَّك واعرف نفسك”، هذا القول للمفكِّر الاستراتيجي الصيني صن تزو هو تحذيرٌ مُباشر لضرورة التحرِّي والبحث حول عدوّك كي تعرفَ قُدراتِه ومُخطَّطاته تِجاهك قبل أن يُصيبكَ بالضرر.
لكن، مثَل “إحذر عدوَّك مرّة، وصَديقَك ألف مرّة، لأنه أعلم بالمضرّة” أرّقني، إذ يطرحُ فلسفةً عميقةً، ماذا لو تحوّل الصَّديقُ عدوًا؟ سيقول قائل إنَّ الصَّديق الصَّدوق لا ينقلبُ بتاتًا، لكن لا يدري أحد من هو الصَّديقُ الصَّدوقُ حتى يموتَ وتُقفلَ صفحات السجلّ، فيما العدوّ معروفٌ، واضحٌ، عادة ما يفخرُ بعداوةِ شخص ما، وقد ينقلب الصَّديقُ عدوًا عالِمًا بأخبارك وأسرارك، قادرًا على إيذائك بقوّة.
يحفل التاريخُ بأمثلةٍ شهيرة على انقلاب أصدقِ الأصدقاء على أصدقائهم. يهوذا الإسخريوطي، أحد تلامذة السيِّد المسيح الاثني عشر المُقرَّبين، خان مُعلّمَه وسلَّمه إلى رؤساء الكهنة اليهود مقابل “ثلاثين قطعة من الفضَّة”، كذلك بروتوس الصَّديق المُقرّب من يوليوس قيصر، انضمَّ إلى المُتآمرين لاغتياله، من هنا عبارة يوليوس قيصر الشهيرة وهو يُطعَن “حتى أنت يا بروتوس!”. يحلّل الشاعر أبو العتاهية هذا التغير في سلوك الصَّديق فيقول:
إذا أنتَ أكرمتَ الكريمَ ملكتَه وإن أكرمتَ اللَّئيمَ تمرَّدا
الصداقةُ ليست بالأمر المُقدّس الأزلي، تمامًا كما العداوة. لكن حسَب التاريخ والقصص الواقعية والخياليَّة نادرًا ما نرى عدوًّا استحال إلى صَديق، بل كثيرًا ما نرى صداقاتٍ حميمة تحوّلت إلى عداوات.
ما الذي يجعلُ الصَّداقةَ رباطًا وثيقًا؟ بل ما الذي يجعلُنا نتَّخذُ فُلانًا صَديقًا؟
إذا قامت تلك العلاقةُ على المصالِح فهي صداقةٌ مشوبةٌ بالتساؤلات، تسقُط مع اضمحلال أسبابها. إذًا ما هو سرّ الصَّديق الوفي؟
هل يكون في الصِّدق والصَّراحة المُتبادَلين؟ أم في التقبُّل غير المشروط؟ ولربما كان عبر المُشاركة في السرّاء والضرّاء، كما الاحترام والحِفاظ على الحُدود الشخصيَّة مشمولًا بالتسامُح وتصحيح الأخطاء، كل ذلك ينمو ويكبُر مع تراكُم الذكريات والتجارِب المُشتركة. برأيي، هذه العوامل مُشتركة أو تضافُر بعضها تتعمَّق تحت مظلَّة الاستمرارية التي تنمو في فيئها دوحةُ الصَّداقة، فصَداقةُ الصُّدفةِ هشّةٌ تحملها الظُّروف المُشاكسةُ إلى خانةِ النِّسيان.
أفضلُ الصَّداقات تلك التي بنيناها في طفولتنا. براءةُ الأطفال تنضوي حول الآخر لعاطفته، مرحِه، اهتمامِه في أوقات الحُزن والمِحن بعيدًا عن الواقِع الاجتماعي، وإذا عبرت العَلاقة مرحلة البُلوغ صمدَت مدى العُمر. أما الصَّداقات التي تأخُذُ المصالحَ، بأنواعها، أساسًا لها فهي واهيةٌ تسقُط أمام أوَّل تجربة حقيقيَّة.
ومن باب الدُّعابة، يقول الشَّاعِر البخيل اسحاق الموصلي في وصف الصَّديق:
نِعمَ الصَّديقُ صَديقٌ لا يكلّفُني ذَبحَ الدَّجاجِ ولا شيَّ الفراريجِ
يرضى بِلونَينِ من كُشكٍ ومن عدسِ وإن تَشهّى فزيتونٌ بطسُّوج
ماذا عن العدو؟ ما الذي يجعل شخصًا ما عدوًا؟ أهي أسبابٌ جليَّةٌ أم جُبلةٌ نفسيَّةٌ تُخرجُ أسوأ ما في الإنسان تجاهَ شخصٍ مُحدَّد يُفرغ فيه طاقتَه السلبيَّة، أم أن العَداء يكمُن في مكان آخر؟
ثمَّة أصنافٌ من العَداء من وجهة نظر عِلم النفس:
- العَداء الظَّاهِر: وهو عداءٌ واضحٌ وصريحٌ يُعبَّر عنه بالعدوانية اللَّفظيَّة أو الجسديَّة. غالبًا ما ينبعُ من الغضبِ المكبوتِ أو الرَّغبة في السَّيطرة.
- العَداء السَّلبي: وهو تعبيرٌ غير مُباشر عن العَداء من خلال التهكُّم والتسويف والنِسيان المتعمَّد.
- العَداء الدفاعي: ينشأ كآليَّة دفاعيَّة ضدّ الشُّعور بالإهانة، النقد أو عدم الشُّعور بالأمان، وذلك لحماية الذات من التهديدات المتصوَّرَة.
- العَداء الأداتي: استخدام العَداء كأداةٍ لتحقيق هدف (مكسب اجتماعي أو سُلطة)
- العَداء الوجودي: عداء عام تجاه العالَم أو النِّظام الاجتماعي، وذلك بسبب الإحباط المُزمن أو الشُّعور بالعجز.
- العَداء المُستعبَد: توجيه العَداء إلى هدف آمن (شخص أو شيء) بدلًا من المصدر الحقيقي للغضب، وذلك لعدم القُدرة على مُواجهة المَصدَر الأصلي. مثلًا، شخص يصرُخ في أطفاله وزوجه بعد يوم عمل سيئ.
- العَداء المرضي: عداء مُزمن وغير مُتناسب مع الموقف مُعظم الأحيان. يرتبطُ مع اضطرابات الشخصيَّة (مثل اضطراب البارانويا)، يعود ذلك إلى تشوّهات في الإدراك أو عدم الاستقرار. مثال شخص يتآمرُ على الآخرين من دون سبب واضِح.
نُلاحظ أن العَداء ليس وَحدة واحدة، بل هو طيفٌ من السُّلوكيَّات والدوافع. متى أدركنا تصنيفاته يمكننا تحديد جُذور المُشكلة والعمل على إصلاحِها وفَهْم طريقة التعامُل معها. يُساعِدنا فَهْمُ مصادر العَداء على التعامُلِ معه وكسبِ صَديق.
كذلك نُلاحظ أن العدوَّ شخصٌ مؤذٍ يجب الابتعاد عنه والتعامُل معه بحذَر، بل مُحاربته حين تدعو الحاجة. في الواقع، قد يُعاني من مشاكلَ دفينةٍ من حيث لا يدري، وبحاجة ماسّة إلى المُساعدة والشَّفقة. من هنا نستطيع القول إنَّ الصَّديق الصَّدوق هو من يقِف مع عدّوه لمعرفة أسباب عداوته التي قد يجهلُ صاحبُها دوافعَها.
قد يسألُ سائلٌ، لماذا لم أتكلَّم عن عداوة الدول والأديان لبعضِها البعض. الدول لا تُصادق ولا تُعادي، تتصرَّف وفق مصالِحها التجاريَّة والعسكريَّة، ومَن يُصادق دولة مُعادية يكون إمّا جبانًا، أو يخافُ شعبَه أكثر مما يخافُ عدوَّه.
أما صراعُ الأديان فهو صراعٌ مقدّسٌ، نصّ عليه رجالُ الدِّين للحفاظ على مُكتسباتهم غير عابئين بما أنزل إله كلّ منهم من محبَّة وسلام. لذلك، برأيي، الصِّراع الديني مُصطنع، قادرٌ على خلق أصدقاء واهين كما أعداءٍ من خيال، لكنَّها في النهاية تصبُّ في آتون النِّفاق فيضيعُ حابلُ الصَّديق مع نابل العدوّ.
الصَّديقُ والعدوّ، يُرافقانا، شئنا أم أبينا، سني عُمرنا. ربما أوتينا خيارًا في انتقاء الأصدقاء، لكنّ من الصُّعوبة بمكان الحِفاظ على صَديق مدى الحياة. أما العدوّ فهو فرض على غرار “القضاء المستعجل” كما يقول المثَل، يأتي بألف لَبوس ولَبوس. كِلاهُما، الصَّديقُ والعدو يُشكِّلان بَهارات الحياة، لا يستوي طعمُ أحدهِما قبل أن يتذوّق نقيضَه. يقول الشَّاعرُ دوقَلة المنبجي في قصيدتِه اليتيمةِ ” وَالضِدُّ يُظهِرُ حُسنَهُ الضِدُّ”.
---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل
