روى لي صديقي حامد، قال: أنت تعلم جيدًا، يا صديقي، أنّ أحداث العام 1959 في لبنان، اضطُرَّت والدي وجميع أفراد العائلة، للهجرة إلى بلاد الخليج العربي، في أوائل ستينيّات القرن الماضي.
وفي أواخر ستينياته، قررت الاستقلال في عملٍ خاصًّ، فاشتريت «منجرة» متواضعة كانت معروضة للبيع، على الرّغم من قلة خبرتي في هذا النوع من الأعمال. ولكنّني تمكنت من اكتساب الخبرة الكافية في مدّة قصيرة، وسارت الأمور بشكل جيّد، واستطعت مجاراة بضع «مناجر» كانت قائمة بجوار «منجرتي»، وحققت دخلًا كافيًا لمعيشتنا في سكننا الخاص أنا وعائلتي، بعد زواجي وولادة أول أبنائي.
وفي مساء أحد الأيام، وبعدما غادر جميع عمّال «المنجرة»، في الوقت المعتاد، وكانت سائر «المناجر» المجاورة قد أقفلت أبوابها أيضًا، وعلى غير عادتي، اضطررت أن أمكث بعض الوقت لمراجعة الحسابات، والتحضير لأعمال اليوم التالي. وبسبب أحوال جوّ الخليج، لم أقفل الأبواب الخارجية.
وما أن مضى ما يقارب الساعة، حتى دخل عليَّ أحد كبار المسؤولين الحكوميين، وبعد إلقاء السلام، سألني، قائلًا: أيّ نوع من الأعمال تقومون به؟
قلت: جميع أنواع الأشغال الخشبية.
قال: هل بإمكانكم تصنيع مدرج لعدد كبير من المقاعد لمشاهدي احتفال ما؟
قلت: أجل، ومهما كان العدد.
قال: حسنًا. وبما أنك ربّ العمل هنا، فإن أعلمتك بالمقاييس والمواصفات، فهل بإمكانك إعلامي بالكلفة الآن؟
قلت: أجل وفي دقائق معدودات.
فأعطاني ورقة كُتِبَت عليها المقاييس، والموقع والاتجاهات وجميع المواصفات. فاحتسبت الكلفة، في مخيلتي، كعادتي، ومن دون الاستعانة بالقلم والورقة. وقلت: ثلاثون ألفًا.
قال: وكم من الوقت تحتاجون للتنفيذ؟
قلت: ما قد يزيد عن الشهر.
قال: وفي حال طلبنا التنفيذ في مدة ثلاثة أسابيع؟
قلت: ممكن، ولكنّ الكلفة ستزداد إلى خمسين ألفًا.
واستمر في تخفيض المدة حتى وصلت إلى خمسة أيام، ورحت أرفع قيم الكلفة حتى بلغت مائة ألفٍ.
فقال: اتفقنا، وعليك موافاتي غدًا في مكتبي كي أعطيك كتاب التكليف.
قلت: هل لي أن أطلب منك توقيع ورقة القياسات والمواصفات، هذه مع عبارة توضح تكليفنا بالتنفيذ؟
فأخذ الورقة وكتب عليها عبارة التكليف ووقعها.
وأكمل صديقي قائلًا: وقد تمكنت من تنفيذ الأعمال على خير وجه، في مدة أربعة أيام من العمل المتواصل، ليلًا ونهارًا. وبعدما تمت إجراءات التسليم والتسلم، طُلِب منّا بعض الأعمال الإضافية، ما رفع القيمة الإجمالية لِما حصلت عليه من المال إلى مائة وعشرة آلاف. وقد كان هذا المبلغ يُعتبر ثروة بحد ذاته، بالنسبة إلى القيمة الشرائية للعملة والأسعار التي كانت رائجة، في تلك الأيام. أما بالنسبة لي شخصيًا، فقد كان الأساس، أو كما يقال، «خميرة» ثروتي كما تراها اليوم. (انتهت الرواية).
لا بدَ من أنّ ما حدث لصديقي حامد المذكور، قد حدث وقد يحدث في كلِّ يومٍ أو ساعة، للعديد من أبناء البشر، ما يشابهه، في الخير أو في الشرّ. وكثيرًا ما سمعت في المجالس الثقافية، التساؤلَ عمّا إن كان حدوث مثل هذه الواقعة، هو من قبيل الصِدفة، أم من تدبير القدر؟ فما الفرق بين الاثنين؟
الصِدفة: الملفت أن معاجم اللغة القديمة، تخلو من أيِّ تفسيرٍ لمعنى كلمة (صِدْفَة). ففي قاموس المحيط: «صادَفَهُ، وجَدَهُ، ولَقِيَهُ». وفي لسان العرب: «صادَفْت فلانًا أَي لاقَـيْتُه ووجَدْتُه». وفي تاج العروس: «صادَفَهُ، لقيه».
أما في المعاجم الحديثة، ففي محيط المحيط للبستاني (باب صدف): «صادفه مصادفةً، وجده ولقيه، أو على غير قصد. والعامة تقول: صدفه أيضًا إذا لقيه اتفاقًا». وفي المنجد (باب صدف): «صَدَفَ – صَدْفًا وصُدُوفًا: عند العامة: لقيه اتفاقًا. صادفه: قابله على قصد وبدونه. تصدَّفَ: تعرّض. والأمر عند العامة: اتفق. تصادفا: تقابلا. الصِدفة: ج. صِدَف: لفظة مولّدة بمعنى المصادفة والاتفاق.»
والصِدفة، حسب مفهومنا الحالي، هي في حدوث أمرٍ غير متوقع أو غير متفق عليه، كأن ألتقي، مثلًا، شخصًا ما على غير موعد، فأقول: لقيته صِدفة. ومن الأمثال عند العامة: «ربّ صدفة خير من ألف ميعاد».
أما القدر، فيقول ابن منظور في معجمه، لسان العرب، «يقال: إِذا وافق الشيءُ الشيءَ قلت: جاءت قَدَرُه. ابن سيده: القَدْرُ والقَدَرُ القضاء والـحُكْم، وهو ما يُقَدِّره اللـه عزّ وجل من القضاء ويحكم به من الأُمور… وقَضَى أَي حَكَمَ، ومنه القضاء والقَدر. وقوله تعالـى: {وقَضَى ربُّك أَن لا تعبدوا إِلاَّ إِياه} … القَدَرُ القَضاء الـمُوَفَّقُ. يقال: قَدَّرَ الإِلـه كذا تقديرًا، وإِذا وافق الشيءُ الشيءَ قلت: جاءت قَدَرُه. ابن سيده: القَدْرُ والقَدَرُ القضاء والـحُكْم، وهو ما يُقَدِّره اللـه عزوجل من القضاء ويحكم به من الأُمور».
وفي التنزيل العزيز: ﴿اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
فمن يؤمن بالله ﷻ، وبأنّه خالق السماوات والأرض وما فيهن وما عليهن، وأنه ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ وأنّ قدرته لا حدود لها، وأنّه فعّالٌ لما يريد… فيقول أنّ ما حدث لصديقي حامد، هو من مشيئة الله ﷻ، وقضائه وقدره، استنادًا إلى قوله ﷻ: ﴿رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾. أما الملحد، الذي يعلل خلق السماوات والأرض، بأنه من قبيل الصِدفة، فيرى تلك الواقعة أيضًا، من قبيل الصدفة.
ويقول أحد الحكماء: «يهب الله كلَّ طائرٍ رِزقه، ولكنه لا يلقيه له في العشِّ». وفي معنى بسط، يقول ابن منظور: «من أَسماء الله تعالـى: الباسِطُ، هو الذي يَبْسُطُ الرزق لعباده ويوسّعه علـيهم… والبَسْطُ: نقـيض القَبْضِ، بسَطَه يبسُطه بَسطاً فانبَسَطَ وبَسَّطه فتبَسَّط؛ … وبسَط الشيءَ: نشره.» فالطائر سيكتفي بقوته اليومي. أما الإنسان الذي ميزه الخالق ﷻ، بميزة العقل، فاحتياجاته المتعددة، تجعله يسعى دومًا لتأمين ما يسد هذه الاحتياجات، ليومه ولمستقبله المجهول.
وهذا ما يجعلني أرى أنّ الله ﷻ، قد فتح لصديقي حامد، أبواب كسب ذلك المال، بمجيء ذلك المسؤول الحكومي مضطرًا لحاجته العاجلة، وفي الوقت الذي كانت فيه «مناجر» الجوار مقفلة، وحامد لم يكن قد غادر «منجرته» بعد؛ ولكن لو لم يتلقّف حامد هذه الفرصة ويُعمل عقله وشجاعته، لأضاع تلك الفرصة الذهبية.
وقد يقول قائلٌ: لماذا لا يبسط الله، الرزق لجميع أبناء البشر؟
فيجيبنا ﷻ، على هذا السؤال بقوله: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾1 (الشورى 27).
المرجع:
القرآن الكريم، (الشورى 27)
---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل