ليست الصدفةُ نقيضَ العقل ولا عدوَّ النظام كما توهّم بعضُ الفلاسفة، بل هي تلك اللحظةُ الخفيّة التي يتقاطع فيها الممكن مع غير المتوقَّع فينفتح التاريخ على مسارٍ لم يكن في الحسبان.
فالصدفة في جوهرها ليست عبثًا وإنما تجلٍّ مفاجئٌ لاحتمالٍ كان ساكنًا في نسيج الواقع ينتظر لحظة الظهور.
في التاريخ الاجتماعي كثيرًا ما كانت الصدفةُ الشرارةَ الأولى لتحوّلاتٍ كبرى: لقاء عابر، كلمة قيلت في غير موضعها، حدث صغير لم يُقصد به أن يكون فاصلاً فإذا به يعيد ترتيب العلاقات ويغيّر موازين السلطة ويؤسس لوعيٍ جمعيٍّ جديد.
إنَّ المجتمعات لا تتحرّك وفق خططٍ مرسومة فقط بل تتشكّل أيضًا بفعل الانزلاقات الدقيقة في مجرى الأحداث؛ تلك الانزلاقات التي لا يلتقطها المؤرِّخ التقليدي لكنها تصنع الفارق.
أمَّا في التاريخ العلمي فالصدفة تكاد تكون شريكًا صامتًا في أعظم الاكتشافات.
كم من اكتشافٍ لم يولد من سؤالٍ مقصود بل من خطأٍ تجريبي أو ملاحظةٍ لم تكن في جدول البحث أو انحرافٍ بسيطٍ في نتيجةٍ متوقَّعة؟!
غير أنَّ الصدفة هنا لا تعمل وحدها فهي لا تمنح أسرارها إلَّا للعقل المستعدِّ. فالعالِم لا يَكتشِف لأنَّ الصدفة وقعت بل لأنه امتلك الوعي الذي سمح له بأن يفهم ما وقع. وهنا تتجلّى المفارقة العميقة: الصدفةُ واحدة لكنَّ أثرها يختلف باختلاف من يلتقي بها. تمرّ على الغافل فلا تترك أثرًا، وتمرّ على المفكّر فتُغيّر مسار علمٍ أو أمة.
إنَّ التاريخ، في حقيقته، ليس سلسلةً محكمة من العلل الصارمة ولا فوضى مطلقة من الأحداث العشوائية، بل هو حوار دائم بين القصد والاحتمال. فالقصد يمنح الاتجاه والصدفة تمنح الانعطاف.
ولعلَّ أخطرَ ما في تجاهل دور الصدفة ادّعاءُ القدرة الكاملة على التنبؤ بمسار التاريخ. فمثل هذا الادّعاء يُسقط البعدَ الإنساني ويحوّل التاريخ إلى معادلة جامدة، بينما هو في جوهره نتاج بشرٍ يخطئون ويتعثرون ويصادفون ثم يعيدون بناء المعنى من جديد.
إنَّ أثر الصدفة على سير التاريخ لا يكمن في الحدث ذاته بل في الطريقة التي يُستثمر بها الحدث. فالصدفة لا تصنع العظمة، لكنها تفتح الباب لها، ولا تُنتج التحوّل، لكنها تضع الإنسان أمام اختبار:
أمَّا أن يعبر اللحظةَ أو أن تكتب اللحظةُ اسمَه في دفاتر التاريخ.
وهكذا، يمكن القول إنَّ التاريخ لا يُصنع بأيدي العظماء فقط، بل أيضًا بلحظاتٍ لم يُخطَّط لها لكنها وُوجهت بعقولٍ قادرة على الفهم والاختيار. ومن هنا، فإن دراسة الصدفة ليست خروجًا عن العقلانية بل تعميقاً لها، لأنها تذكّرنا بأن الإنسان -مهما بلغ من علم– يظل كائنًا يعيش في عالمٍ مفتوح على المفاجأة.
المراجع:
أولًا: مراجع فلسفية وفكرية (الصدفة، الاحتمال، التاريخ)
1. كارل بوبر – بؤس التاريخانية
Karl Popper, The Poverty of Historicism
يناقش وهم الحتمية التاريخية، وينقد ادّعاء القدرة على التنبؤ بمسار التاريخ.
2. إيزايا برلين – الحتمية التاريخية
Isaiah Berlin, Historical Inevitability
يؤكد أن التاريخ نتاج تفاعل معقّد بين الإرادة البشرية والظروف غير المتوقعة.
3. هانا آرنت – بين الماضي والمستقبل
Hannah Arendt, Between Past and Future
تتناول فكرة الفعل الإنساني واللاحتمية في تشكّل التاريخ.
4. ريمون آرون – مقدمة في فلسفة التاريخ
Raymond Aron, Introduction à la philosophie de l’histoire
مرجع كلاسيكي يوازن بين القصد الإنساني والعوامل الطارئة.
——————
ثانيًا: مراجع في التاريخ الاجتماعي
5. فرناند بروديل – الزمن الطويل
Fernand Braudel, On History
يوضح أن الأحداث الصغيرة والعرضية قد تغيّر البُنى الاجتماعية على المدى البعيد.
6. إدوارد هالت كار – ما هو التاريخ؟
E. H. Carr, What Is History?
يناقش دور الاختيار، والصدفة، ومنهج المؤرخ في صناعة المعنى التاريخي.
7. بول ريكور – الذاكرة، التاريخ، النسيان
Paul Ricoeur, Memory, History, Forgetting
يربط بين الحدث العارض وبنائه سرديًا داخل الوعي الجمعي.
———————
ثالثًا: مراجع في تاريخ العلم وفلسفة الاكتشاف
8. توماس كون – بنية الثورات العلمية
Thomas S. Kuhn, The Structure of Scientific Revolutions
من أهم المراجع التي تؤكد أن الاكتشافات لا تسير دائمًا وفق خطٍّ عقلاني مستقيم.
9. كارل بوبر – منطق الكشف العلمي
Karl Popper, The Logic of Scientific Discovery
يبرز دور الخطأ، واللايقين، والملاحظة غير المقصودة في تقدّم العلم.
10. روبرت ميرتون – الصدفة في الاكتشاف العلمي
Robert K. Merton, The Sociology of Science
يتناول مفهوم Serendipity (الصدفة الخصبة) في البحث العلمي.
—————
رابعًا: مراجع عربية موثوقة
عبد الرحمن بدوي – الزمان الوجودي
يناقش المفاجأة واللاحتمية في التجربة الإنسانية.
محمد عابد الجابري – نحن والتراث
يفيد في تحليل تشكّل الوعي التاريخي بعيدًا عن الحتميات الجامدة.
زكي نجيب محمود – تجديد الفكر العربي
يعالج العلاقة بين العقل والواقع المتحوّل
