الصُدفة في الشِعر العربيّ

مفلح  البلوي

تُعدّ الصدفة من الموضوعات التي شغلت الفكر الإنساني قديمًا وحديثًا، إذ ترتبط بما يفاجئ الإنسان في مسار حياته دون تخطيطٍ مسبق. وقد وجد هذا المفهوم طريقه إلى الشعر العربي، فقد عبّر الشعراء عن الصدفة بوصفها قوةً تغيّر المصير أو سببًا للقاءٍ غير متوقّع أو لحظةً تقلب الحزن فرحًا أو العكس!

 الشعر العربي في مرحلة ازدهاره في العصر الجاهلي:

 نظر الشاعر زهير بن أبي سُلمى إلى الموت على أنه ناقة عمياء تقوده الصدفة، ولا شيء غير الصدفة، ليصيب ويخطئ بلا نظام ولا منطقية!

رأيتُ المنايا خبطَ عشواءَ مَنْ تُصِبْ        تُمِتْهُ ومَن تُخطئْ يُعمَّرْ فيهرمِ

نظر الشعراء العرب إلى الصدفة بطرائق مختلفة، فبعضهم رآها قضاءً وقدرًا وآخرون رأوا فيها لعبةً من لعب الزمان. وفي كثير من القصائد تظهر الصدفة عنصراً درامياً يُحرِّك الحدث الشعري، فيجعل التجربة أكثر تأثيرًا وعمقًا، بخاصة في موضوعات الحب والفراق واللقاء.

يقول عروة بن حزام حين قادته الصدفة لرؤية حبيبته عفراء وكان يظن أنَّها قد ماتت:

  فما هو إلَّا أن أراها فجاءة    فأبهت حتَّى ما أكاد أجيبُ

فقلت لعرَّاف اليمامة داوِني   فإنَّك إن داويتَني لَطبيبُ

   فما بيَ من سقم ولا بيَ جُنَّة     ولكنَّ عمِّي يا طبيبُ كذوبُ

   عشيَّةَ لا عفراء منك بعيدة        فتنسى ولا عفراء منك قريبُ

حلفت بربِّ الساجدين لربهم   خشوعاً وفوق الساجدين رقيبُ

فوالله لا أنساك ما هبَّت الصَّبا  ولا عقبتها في الرياح جنوبُ

وما عجبٌ موت المحبِّين في الهوى  ولكنْ بقاء العاشقين عجيبُ

أمَّا نزار قباني فقد استثمر الصدفة التي حصلت له مع فتاة إسبانية وتخيَّلَ أنَّ الصدفة هي التي جمعته مع إحدى حفيدات العرب على مدخل قصر الحمراء في مدينة غرناطة الإسبانية وكانت دليلته في القصر الذي بناه أجداده العرب :

في مدخل الحمراء كان لقاؤنا    ما أطـيب اللقـيا بلا ميعاد

عينان سوداوان في حجريهما    تتوالـد الأبعاد مـن أبعـاد

هل أنت إسبانية؟ ساءلـتها       قالت: وفي غـرناطة ميلادي

غرناطةٌ؟ وصحت قرون سبعة  في تينـك العينين بعد رقاد

وأمـيَّةٌ راياتـها مرفوعـة         وجيـادها موصـولة بجيـاد

ما أغرب التاريخ كيف أعادني   لحفيـدة سـمراء من أحفادي

وجهٌ دمشـقيٌّ رأيت خـلاله      أجفانَ بلقيس وجِيـدَ سعـاد

ورأيت منـزلنا القديم وحجرة    كانـت بها أمِّي تمدُّ وسـادي

واليـاسمينةُ رُصِّعـتْ بنجومها   والبركـة الذهبيـة الإنشـاد

ودمشق، أين تكون؟ قلت ترينها   في شعـرك المنساب ..نهر سواد

في وجهك العربي، في الثغر الذي   ما زال مختـزناً شمـوس بلادي

سارت معي والشعر يلهث خلفها   كسنابـل تركـت بغيـر حصاد

يتألَّـق القـرط الطـويل بجيدها      مثـل الشموع بليلـة الميـلاد

ومـشيت مثل الطفل خلف دليلتي   وورائي التاريـخ كـوم رمـاد

قالت: هنا “الحمراء” زهو جدودنا    فاقـرأ على جـدرانها أمجـادي

أمجادها؟ ومسحتُ جرحاً نـازفاً   ومسحتُ جرحاً ثانيـاً بفـؤادي

يا ليت وارثتي الجمـيلة أدركـت    أنَّ الـذين عـنتـهم أجـدادي

 

.

 

المراجع:

(1) الكتاب: شرح القصائِد العشر
المؤلف: يحيى بن علي بن محمد الشيبانيّ التبريزي، أبو زكريا (ت ٥٠٢هـ)
الناشر: عنيت بتصحيحها وضبطها والتعليق عليها للمرة الثانية: إدارة الطباعة المنيرية
عام النشر: ١٣٥٢ هـ
 
(2) الوساطة بين المتنبي وخصومه. المؤلف: أبو الحسن علي بن عبد العزير القاضي الجرجاني (ت ٣٩٢ هـ)

تحقيق وشرح: محمد أبو الفضل إبراهيم الناشر: مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه

(3) الأعمال الكاملة للشاعر نزار قباني 2014، منشورات نزار قباني

 

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply