On the Train~القطار المسافر

Written in Arabic and translated into English by Buthaina Al-Nasiri

Synopsis:

The story explores a chance encounter between two Iraqi former lovers, ten years after their separation. The woman had originally departed for Egypt to pursue her postgraduate studies; her lover eventually followed her, only to discover she had married an Egyptian man. Consequently, he chose to settle in Egypt himself and married an Egyptian woman.

Years later, fate reunites the two former lovers on a train, each accompanied by their respective spouse. During the journey, both characters silently reminisce about their shared memories and past love in Baghdad. However, upon reaching the final station, they part ways, each continuing their life with their partner in different directions.. 

(The author adapted this story into a short fiction film titled “Crossroads.” Notably, the setting was changed from a train to a bus, as the costs of renting a train for filming exceeded the budget of this independent, low-budget production)  

في القطار، قصة وإخراج بثينة الناصري

القطار المسافر

بثينة الناصري

(تشرت في مجموعة – الطريق الى بغداد – في 1998)

كان المساء ملتفعا بالبرد والرطوبة، ورصيف المحطة موحلا بالمطرالذي لم يكن إلا منذ قليل. ولكن عتامة الجو لم تحبط حماسة سيدة شابة، ترتدي معطفا جلديا أنيقا أسود اللون، وقبعة فراء سوداء، وتميل بجذعها على ذراع رجل وسيم، يلف قامته الفارعة بمعطف مطر أسود، ويرفع بيده الأخرى مظلة.

كان الفرح يملأ وجهها .. تكاد تطير .. كم  تحب السفر! ولو كان الخيار لها لانتعلت حذاء رياضة، ودخلت في بنطلون مريح، وارتدت قميص صوف، ورمت حقيبتها على كتفها. رفعت عينيها إلى زوجها، ابتسمت، وضغطت على ذراعه بحب وهمست “شكرا .. إني في غاية السعادة”. كانت تقول ذلك بصدق نابع من الأعماق، فأنّى لها أن تحدس بما يوشك أن يحدث في العربة رقم 22 في القطار المسافرغربا؟ 

رمى الحمال الحقائب داخل العربة، وأخذ أجرته وانصرف. هز الزوج رأسه غاضبا، وحمل الحقائب إلى الرف، ثم ساعد زوجته في خلع معطفها الجلدي، وسوّى معها فستانها الصوفي الأخضر.

– اين تحبين أن تجلسي؟

– عند النافذة طبعا.

– هذا الجانب أو ذاك؟

– أليس على البطاقات أرقاما؟

– لايهم .. مادمنا وحدنا في العربة.

وجلس إلى جانبها، بعد أن أسند المظلة جانبا لتجف.

– هه .. مارأيك الآن ياعزيزتي؟

– إني سعيدة .. شكرا.

وطبعت على خده قبلة سريعة.

– كم بقي على تحرك القطار؟

– عشر دقائق.

– هل تعرف ماخطر لي؟ لو لم يأت مسافر آخر إلى هذه العربة، لاستطعنا أن ننام جيدا هذه الليلة. أنا على هذا المقعد، وأنت على الآخر .

ضحك الرجل وأحاط كتفها بذراعه.

– بل ليت المكان يمتليء بالناس، حتى أعطيك كتفي لتنامي عليه.

وما أن أنهى جملته، حتى قطع خلوتهما، صوت الباب، وهو يفتح عنوة.

يدخل حمال يرمي حقيبتين كبيرتين على الارض، ويخرج.

تدخل فتاة في العشرينات من عمرها يبدو على وجهها الجميل ضيق ونفاد صبر. يندفع وراءها رجل في أواخر عهد الشباب، ينحني على الحقائب بسرعة، ويقذفها برعونة إلى الرف، ثم يتحول إلى المسافريْن الآخريْن. ينظر إلى الرجل أولا ويهمّ بالتحية، ثم إلى المرأة فيتسمر مذهولا ..  تحدق هي به مذعورة، وللحظة قصيرة، كاد إسمه يفلت من بين شفتيها. 

إنتبه الشاب إلى وخزة في ضلعه، فاستدار إلى الفتاة التي معه، فهمست بشيء في أذنه .

– لايهم  ياعزيزتي .. لايهم أي مكان 

– لكن المكان لنا.

– وماذا يهم المكان. إجلسي هنا قرب النافذة.

قالت الفتاة وهي تنظر اليه بعناد:

– تعرف جيدا الدوار الذي يصيبني، إذا جلست عكس إتجاه السير.

وجه الشاب كلامه إلى الراكبين الآخرين، متحاشيا النظرإلى أي منهما.

– هل يمكن ؟ أعني .. المكان حسب أرقام البطاقة.

كظم الرجل غيظه:

– آه .. طبعا .. تفضل .. وماذا في ذلك؟

وانتقل مع زوجته إلى الجانب الآخر، في حين أجلس الشاب فتاته قرب النافذة، وتعمد أن يجلس على بُعد يسير منها، وفكر، دون أن يرفع عينيه إلى المرأة المقابلة “لقد تغيرتْ كثيرا” وفكرت هي “كم تغير!”. واسترقت  النظر إلى كف الفتاة الأيسر “زوجته” وصعدت عينيها إليها بفضول “النوع الذي كان يستهويه. هل تراه سعيدا؟”

فحص الشاب بدوره الرجل ذا المعطف المطري الأسود “لم تكن تحب هذا النوع من الرجال، هل تراها سعيدة؟”. إلتقت عيونهما للحظة، ثم أشاح أحدهما عن الآخر. 

“يا إلهي .. لماذا تركت هذه المرأة ؟” وفكرت هي “يا إلهي، ماذا يفعل هنا؟ وبعد كل هذه السنوات؟”

– تحرك القطار.

قال زوجها ذلك، وأخرج علبة سجائر من جيب معطفه، وسرعان ما انتفض الشاب من مكانه قادحا ولاعته.

– آه .. شكرا. تفضل سيجارة. هذه أول زيارة لكما للبلاد؟

أمسكت أنفاسها وهي تنتظر رده:

– سبق أن زرتها .. ولكن كان ذلك قبل عدة سنوات.

“في وسط المدينة ايها الرجل سترى كنيسة عتيقة. كان الناس المساكين أمثالنا يوقدون الشموع للأماني المستحيلة. لو دخلتماها، ستبحث المرأة التي معك عن شمعة، كنا وضعناها هناك معا. وربما ستوهم نفسها أنها وجدتها. كنت واقفا وراءها أرقبها، وهي توقد الشمعة، ثم ابتعدت خطوة. تأمّلتْها بخشوع، والتفتت إلي فجأة، وسحبتني من يدي، “تعال” قالت “إدعُ الله أن نأتي هنا مرة اخرى، وأن نكون معا”.

كانت تنظر من النافذة، ولم يكن وجهها هادئا.”تراها تسترجع ذات الذكريات؟ كم كنا واهمين!” 

صفر القطار وهو يزيد من سرعته .. نفس القطار ينهب الارض غربا. لم يكن في العربة غيرهما. أول مرة يسافران معا. شيء شبيه بالحلم، وكما الاحلام الجميلة، كان القطار يمرعبر حقول شاسعة من أشجار عباد الشمس الصغيرة، رافعة وجوهها الذهبية إلى السماء. ورغم الشمس، فقد بدأ رذاذ من مطر يسّاقط على زجاج النافذة. كانت تحب المشي تحت المطر. فتح لها الناقذة لتبل شعرها بالمطر”كانت مجنونة” سالت حبات المطرعلى وجهها، حتى عنقها واختفت في طيات ملابسها..شرعت ترقص .. تلف نفسها “أنا دخت .. سكرت .. أنا سعيدة” وتسقط على الأريكة. ترى وجهه الأليف فوقها .. ترى شفتيه تلتقطان حبات المطر عن وجهها “كان يحبني”. يجلس أمامها الآن على الأريكة المقابلة عاقلا، هادئا، ونائيا. ينظر إليها بعينين متعبتين، اختفت منهما تلك الومضة الصبيانية .. ما أشد ما يشبه غلاما فاجأته الثلاثون!

كانت المرأة الأخرى .. المرأة التي يصنع معها ذكريات جديدة، تبتسم لها وتوميء برأس يحيطه شعر اسود طويل ينسدل حتى ثدييها. قال لها مرة ” لو كان لك شعر طويل لفرشته على المخدة، ووضعت رأسي عليه .. أو كنت ألفه حول عنقك ساعة غضبي منك!” كانت المرأة الاخرى تقول شيئا، وتبتسم مشيرة إلى مظلة المطر المركونة على الحائط:

– لقد ورطني زوجي .. قال أن المناخ لطيف في هذه المدينة ولهذا لم أحضر معطفي.

“لا اعرف  عن شتاء المدينة شيئا يا سيدتي .. كان صيفا يوم تهنا فيها، ولما حل الليل، دون أن نهتدي إلى منزل ما، أوينا إلى حديقة عامة، وبتنا تحت شجرة. هل تراها ماتزال؟ كانت ليلة باردة. وضع رأسه على ساقي ونام، وهو يرتعش.غطيته بفستان وقميص وبنطلون. بكل الملابس التي نملك. لحظتها وأنا أمرر أصابعي في خصلات شعره، كنت أملك العالم. لم يكن ثمة غيرنا، والليل والعشب المندى حولنا. حدود عنقه تعرفها أصابعي، وتعرف ايضا منبت ومسرى كل خصلة من شعره. ولكن من منا إغتال تلك اللحظة الأبدية التي وقف عندها الزمن؟” 

إخترق القطار أحشاء الليل، كرصاصة ملتهبة بالخوف واللهفة، في العربة 22، كان الصبر يرقص رقصة شيطانية، يلف مع حلقات دخان سيجارة وحيدة، يرتفع، يمس القنديل الخافت .. ويتبدد .. ويرجع هابطا ..كاتما الانفاس. مال زوجها برأسه إلى الخلف، وراح في نوم عميق، وكانت المرأة الأخرى، قد غفت على كتف رجلها منذ وقت طويل. رفع وجهه إليها ببطء، وفي هذه المرة، لم تستطع الإفلات من عينيه. كانت نظراته الصامتة المبتهلة .. إسارا يسمرها ويشدها اليه. لقد حانت اللحظة.

هل حدث ذلك في اسطنبول؟ يوم رمت حقيبته في وجهه وتمنت أن يختفي من حياتها، ثم ركبت القطار. قال إنتظريني وقالت وداعا. وفي اليوم التالي، إنتظرته على المحطة. جاء قطار وراح قطار. تفرست في الوجوه التي تزحم المحطة حتى لمحته. رآها من بعيد كالقدر المحتوم، فانقاد اليها.

“أهو الحب ؟”

كان يحدق فيها بنظرة، يمتزج فيها كل الحزن، وكل الفرح في العالم، حتى لم تعرف من أي نبع، إغترف الدموع التي بدأت تترقرق في عينيه، فابتسمت باعتزاز، وابتسم بمرارة، ثم أشار برأسه إلى طرقة القطار، فالتفتت حيث أشار، ثم أطرقت ولم ترد.  نظرت إلى زوجها، وهومستغرق في نومه. كان الشاب يزيح رأس إمرأته عن كتفه، ينفض نفسه، ويشير إليها أن تتبعه إلى الطرقة. 

يعطيها ظهره، ويستند بذراعيه على الشباك وينتظر. 

“اعرف حدود كتفيكَ، حين أحس بامتلاكي لهما، وباغترابي عنهما. مثل ذلك اليوم في البلد الغريب .. ودعتَني في الشارع وتركتني أحدق في ظهركَ الذي ينأى خطوة خطوة. أقول ربما يلتفت. ربما يرجع .. لكنكَ تصير نقطة في الأفق..”

“أعرف عنف أصابعكِ ورقتها، وهي تتشابك حول جسدي. تضعين رأسكِ على كتفي ..ونعود .. دائما نعود دون أن نقول آسفين”.

التفتَ أخيرا، وتلاقت الأعين برهة، ثم انفلت في طرقة القطار، وسار مبتعدا. إستمعتْ إلى صوت قدميه تبتعدان، وانخلع قلبها. هل تركض وراءه؟ أم تسير بتؤدة وهي تضم إلى صدرها، باقة القرنفل الاحمر؟ كان الموعد في مقهى صوفيا .. “أصل بعد يومين. إنتظريني في الساعة العاشرة صباحا” ..

 أشتري سبع زهرات قرنفل وأقف من بعيد اتأمل عبر الساحة وجوه رواد المقهى .. لا أجده .. هل؟

يتحرك النادل من موضعه فيظهر خلفه. يحط على الكرسي، ويسوي ياقته وشعره. أسير إليه على مهل.. أسحب الكرسي الآخر، وأضع الزهورعلى المنضدة. يتأملني صامتا بعينين ضاحكتين، وكأننا لم نغب شهورا .. أقول “تأخرت عليك؟”. “أبدا هل نشرب شيئا؟”

ثم نجلس صامتين وفجأة أضحك. وفجأة يضرب رأسه بيديه ويهتف “معقول؟” لايصدق إني هنا .. لا أصدق أنه هناك!

يقف عند باب العربة .. ينظر إليها “لاكبرياء لي معك .. ها أنا أقف أمامك مهزوما .. أشتهي أن ألمس ظهر كفك .. أمرر عليه أصابعي .. لا أريد أكثر من ذلك .. لو ترضين .. تعالي مدي يديك .. ليذهب كل شيء الى الجحيم ؟” ..”ألمح الجنون في عينيكَ. دعني. لا تراود جنوني. أي عاصفة ملعونة طوحتْ بكَ هنا؟”

– وصلنا؟ 

إعتدل زوجها في جلسته، وتساءل موجها كلامه إلى الشاب:

– هل تعرف أين أجد خارطة للمدينة؟

هز الآخر كتفيه، ولم يجب.. “ماذا تفعل بخارطة للمدينة يارجل؟ دعها تدلك على كل شبر فيها”

– وصلنا؟

“لا ندري أي الشوارع دخلنا .. من رآنا .. ومن رأينا وأين كنا .. حين سمعنا فيروز تغني”

أبطأ القطار سرعته. كان جسمه الحديدي ينتفض لهاثا بعد رحلة مضنية .. ومن بعيد لاحت المحطة.

– وصلنا!

  “لا نذكر إلا أنه كان هناك نيل، وليل، وشارع صامت، وفجأة تحمل إلينا الريح من بعيد “حبيتك في الصيف” 

دخل القطار المحطة منهكا، إهتز وزفر ارتياحا قبل أن يقف تماما.

“وقفنا وسط الشارع، وتلاقت عيوننا”

تناول الرجلان الحقائب من على الرف.

“ولم أدر إلا وأنا بين ذراعيه” .. “ولم أدر إلا وأنا بين ذراعيها”

تلفتت المرأتان حولهما، لئلا تكونا قد نسيتا شيئا .. أخذت إحداهما مظلة مطر، ومعطفا جلديا أسود، وخرجت إلى الطرقة وراء زوجها، يتبعها الشاب وإمرأته. وعند باب القطار كان الناس يتزاحمون، قفز زوجها إلى رصيف المحطة وألصق الشاب ظهره بالباب ليفسح لها مجالا للمرور، تبادلا نظرة عجلى. 

“بكت على صدري” ..”بكى على كتفي”

هبطتْ إلى الرصيف مسرعة .. وصوت فيروز يضيع وسط الزحام والريح والبرد “حبيتك في الشتي ” .

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply