جنوبيٌّ أنا

دلالة المكان وخصوصيَّة المعنى

سعد الدَّغمان

في نصِّه “جنوبيٌّ أنا” ركَّز عادل السرحان في عنوانه على تأكيد متفرِّد، حدَّد من خلاله هويته دون مواربة أو تنكر، وهو ما يعد تجسيداً لصفة جعلها ملاصقة له، تحدد هويته بشكل معلن، أراد لها أن تكون ثابتة عبر التكرار (جنوبي أنا)، وهو أسلوب قوي تعمده السرحان لتثبيت الانتماء وإبرازه على ما سواه، أي أنَّه أراد أن يؤكد هويته مهما كانت الظروف أو الأحوال، فتكرار العبارة في الشعر الحديث يُستخدم لتأكيد الهوية وبناء المعنى.

وظَّف السرحان في نصِّه لغة مبسَّطة نابعة من التجربة الحياتية ومن المتداول اليومي مثل «حبُّوبي، العيب، والفشلة»، وهي مفردات متداولة في الكلام اليومي باللهجة الجنوبية الدارجة التي يعرفها الناس ويتفاهمون بها، كأن عادل السرحان عمد لأن يكون النص في سياق » التبسيط« الذي نعمل عليه كمنهج دَعونا له في النقد، واستنبطنا له قواعد نصية دالَّة أسميناها »المُفَرغة«، يعمل على تقديم القراءات النقدية بصورة مبسطة خالية من التعقيد في التوصيف والتقديم والاستعارة، مما يجعله قريباً من القرَّاء، ويسهل على الفهم. فما بالك والنص الذي قدمه عادل السرحان بتوظيف أسلوب التبسيط أصلاً؟

“إنَّ استخدام اللغة اليومية في الشعر يعزِّز الصدق ويقرِّب النص من المتلقِّي” ( ويليام وردزورث)*.

ومذ ولدتُ رضعتُ حروف المحبّة

من صدر أمّي وأول ما نطقت به (حبُّوبي)

تشرق شمسي من سعف النخيل

وتغرب خلف خطوط الكهرباء

في الأفق الخجول

تعلّمتُ البكاء قبل الولادة

وحين خرجت من بطن أمي

أدخلوني مدرسة الأحزان

تعلّمتُ (العيب والفشلة)

ولتقريب الصورة ذهب السرحان لتوظيف صور من الطبيعة الجنوبية في العراق، ليشكل منها “عنصراً أساسياً” في نصه، أراد من خلالها إظهار مدى تأثره الشخصي بتلك الطبيعة التي عاش فيها، فجاء على ذكر (النخيل، النهر، البساتين)، فذهب ليقول إن الطبيعة التي ضَمَن النص توصيفها هي التي شكلت شخصيته، ذلك “أن المكان الطبيعي يساهم في تشكيل نفسية الإنسان وخياله” ( ويليام وردزورث)*.

لذلك خرجت من بطن أمي بولادة قيصرية

جنوبيٌّ أنا قريتُه الدنيا

وعالمه مدينة يصل إليها (بباص) خشبي مرة كل عام

جاور الشط والبحر

فصار قلبه مرسى لكل الوجوه

جنوبيٌّ أنا شربتُ من ماء النهر

فصرتُ طيِّباً مثل (حمريَّة)

استطاع السرحان أن يجسِّد صورته الشعرية في هذا المقطع بأسلوب وصفي اعتمد السرد للدلالة على حجم المعاناة التي مثَّلها  بجمل تحمل صوراً شعرية مقارنة مثَّلت أفقاً مفتوحاً، دخل إليها من حدود ضيقة أشار إليها بالمكان (جنوبي أنا) ليظهر منها إلى آفاق بعيدة مفتوحة لا حدود لها حين قال ( قريته الدنيا)، وهو أسلوب يوظف الكاتب من خلاله تحديد الصورة التي جاءت بصيغة مبالغة تحمل في طياتها التحديد والانتشار، لذلك عمد السرحان إلى تكرار التوصيف والدلالة في النص، حين قال: (فصار قلبه مرسى لكل الوجوه)، والمعروف أن المرسى يستقبل كل ما هو قادم ويودِّع من رحل، و(كل الوجوه) تعبير لا متناه ليس فيه استثناء أو احتكار على فئة دون سواها، وهي صيغة مبالغة أيضاً تضفي مزيداً من التشويق والغرابة على بنية النص وشكله النهائي، يؤتى بها لاستكمال التشكيل الشعري وتجنُّب القصور في الجملة الشعرية، فما بدأ بأفق مفتوح لا يستكمل بالحصر والتحديد، وإلا سيكون هناك قصور في تحديد الصورة وضبابية في ملامحها الجمالية وإيقاعها الداخلي الذي ضمَّنه السرحان التكرار كعنصر تأكيد على المعاناة والتفرد بالهوية وجغرافية المكان.

فيما كان توظيف كلمة “المرسى” الذي أشار إليه للتعبير عن الانتماء للناس، أي توظيف البعد الاجتماعي في النص كي لا يكون في معزل عن القارئ، فيما جاء السرحان برموز أخرى مثَّلها (بالماء، والنخلة، النهر، وحمرية وهي نوع من السمك  النهري محبب لدى أقرانه في البصرة، ليؤكد على الصفاء والحياة اللذين يمثلهما الماء، والنخلة وتلك السمكة الوديعة. وهذه كلها تمثل رموزاً للاستقرار والأمان، وهي من العناصر التي تعبر عن الروابط العاطفية والثقافية المرتبطة بالمكان.

أراد السرحان أن يميز نصه بخصوصية لا تشابه النصوص الأخرى، فركز على الهوية الجنوبية كتمثيل لجغرافية قد تمتاز بها “البصرة” في جنوبي العراق على غيرها من المناطق الأخرى، فأتى على ذكر النهر والبحر، وهي رموز محددة بمدينة البصرة مما يمنح النص شعوراً بالخصوصية الثقافية المتفردة. كما سعى لأن يجعل من التنوع في الزمن بين الماضي (خرجت من بطن أمي)، والحاضر(أكتب تحت ظل نخلة) سياقاً متصلاً للحياة يرتبط بالذاكرة والمكان.

بكل دقة استطاع السرحان أن يشكِّل صيغة الربط بين الإنسان والطبيعة كدالَّة في النص تجسِّد صورة الإنسان جزءاً من المكان، يتأثر بما في ذلك المكان من عناصر الحياة مثل (الماء والكائنات الأخرى)، تجسيداً لمقولة (إنَّ الإنسان ابن بيئته). وفي التعبير عن الحزن أورد السرحان عبارة تحمل من قوة التأثير ما يهز كيان القارئ قصد منها بيان أنَّ ذلك الحزن قديم ومتجذِّر في حياته، وهي صورة وجدانية هائلة تأتي على غرار ما جاء به “زامل سعيد فتاح”** حين قال عام 1979

“عد وأنا عد ونشوف

ياهو أكثر هموم

من عمري سبع سنين

وقليبي مهموم”

لذلك ذهب السرحان ليؤكد شعوره بأن المعاناة بدأت معه منذ البداية. وهنا يشير “سيغموند فرويد” في نظرياته إلى أن التجارب المبكرة (حتى الرمزية منها) تؤثر في تكوين الإنسان النفسي. لقد عمد عادل السرحان إلى اللعب على وتر الحالة النفسية للقارئ، لا لاستعطافه بل لإجباره على مواصلة القراءة والتفاعل مع النص، بل ربما أبعد من ذلك “لتقبُّله” نفسياً قبل التفاعل مع جماليته وموسيقاه وبروز صوره وتأثيراتها عليه (أي القارئ)، برغم اكتمال عناصر بناءه السردية والوصفية، ودقة معانيه وصوره الجمالية التي منحته بعداً إنسانياً رائعاً حين جسَّدها بالتزامن مع العوامل النفسية والصبغة الوجدانية التي أراد لها أن تطغى بشكل عام على النص.

الانطباع العام الذي خرجنا به أنَّ النص يعكس حنيناً للأصل والجذور، وارتباطاً بالأرض والمكان، وظف فيه عادل السرحان “اللغة التصويرية” لتقريب القارئ من تجربته الشخصية، مع إيحاءات رمزية عميقة مثل الطيبة والانفتاح على الآخرين. النص أبيات (تجمع بين السرد والرمزية) ركز فيها كاتبها على الهوية الجنوبية والانتماء للأرض والماء والبشر بأسلوب قريب من القلب وبصور حسية قوية.

جنوبيٌّ أنا شربتُ من ماء النهر

فصرتُ طيِّباً مثل (حمريَّة)

وتحت ظل نخلة

عرفتُ الشموخ

وعلَّمتني بقرةٌ كيف أكون متسامحاً

جنوبي أنا ينسى كفّيه في كفَّي من يودعهم

وعينيه في عيونهم

وينام وشهقة البكاء توقظه

أناشيده التي تغنّيها البساتين

والطيور والضفاف الوادعة

تولد مثل البراعم والفراشات والندى كل صباح

المصادر:

*وليم وردزورث،شاعر إنكليزي ،قصيدة “المقدمة،(The Prelude)، “المقدمة” ، دار النشر اللندنية الشهيرة (Edward Moxon) لندن ببريطانيا ، 1850.
و الكتاب عبارة عن “سيرة ذاتية لنمو عقل الشاعر”، وفيه يشرح وردزورث كيف ساهمت الطبيعة في “كمبرلاند” و”ليك ديستريكت” في تشكيل طفولته، وبناء خياله، واستقرار حالته النفسية. الكتاب بأكمله مخصص لشرح العلاقة العضوية بين المكان والروح.

** زامل سعيد فتاح ،الأعمال الكاملة ، دار سطور للنشر والتوزيع، العراق (بغداد)،2022 .

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply