ماذا يقدّم عالم الكبار للأطفال؟

زرياف المقداد 

قراءة في السلطة والتنشئة والإعلام

قراءة تربوية في أدوار التربية والإعلام

يشكّل سؤال «ماذا يقدّم عالم الكبار للأطفال؟» مدخلاً إشكاليًا لفهم طبيعة العلاقة بين الأجيال في ظل التحولات المعرفية والإعلامية المعاصرة. فعلى الرغم من التقدم العلمي الهائل في مجالات الطب والتشريح والفيزيولوجيا، وما رافقه من إنجازات في علاج أمراض الطفولة والحد من وفياتها، إضافة إلى ازدهار الدراسات النفسية والاجتماعية المعنية بنمو الطفل وتكوينه، إلا أن الواقع يكشف عن تزايد ملحوظ في المشكلات النفسية والاغتراب القيمي لدى الأطفال. وهو ما يطرح تساؤلًا جوهريًا حول الفجوة بين التراكم المعرفي والتطبيق التربوي الفعلي.

لقد تطورت دراسة الطفولة تاريخيًا من مقاربات فلسفية وأدبية إلى دراسات علمية وصفية ثم تفسيرية تبحث في العلاقات السببية. ويشير هادي الهيتي في كتابه ثقافة الأطفال )  1988 ( إلى أنّ البحث في الطفولة انتقل من الطابع الكشفي الوصفي، و إلى محاولات أكثر عمقًا لفهم العوامل المؤثرة في تكوين الطفل. ومع ذلك، تبقى البحوث التربوية والنفسية محدودة من حيث الضبط التجريبي الصارم، نظرًا لطبيعتها الإنسانية وتعقيد متغيراتها الأخلاقية والاجتماعية.

وتؤكد دراسات متعددة أنّ كثيرًا من مظاهر الاغتراب والاضطراب النفسي لدى الكبار تعود جذورها إلى الطفولة المبكرة. كما ربطت بعض الأبحاث بين التعرض المكثف لوسائل الإعلام واضطرابات النوم والقلق لدى الأطفال، ومنها دراسة منشورة في Sleep Research Society (2006) حول تأثير مشاهدة التلفاز في انتظام النوم لدى الأطفال بين (5–10) سنوات، والتي بيّنت وجود علاقة بين كثافة المشاهدة واضطراب دورات النوم وما يترتب عليها من خمول وضعف تركيز مدرسي.

غير أن الإشكالية لا تكمن في نقص الدراسات، بل في سؤال  مشروع عن  الحل: كيف يمكن تحويل المعرفة إلى ممارسة تربوية فعّالة؟
الإجابة ليست بسيطة، لأنّ كل طفل يمثل تجربة فريدة؛ فالفروق الفردية في العمر والميول والشخصية والاستعدادات المعرفية تجعل من التعميم التربوي أمرًا إشكاليًا.

 إن محاولة توحيد الاستجابات والسلوكيات بين الأطفال تتجاهل حقيقة التنوع النفسي والمعرفي الذي يُعد أساسًا لأي مقاربة تربوية ناجحة.

العلاقة بين المجال النفسي للكبير والصغير: من الهيمنة إلى التداخل

إذا كان السؤال المركزي يتمحور حول ما يقدّمه عالم الكبار للأطفال، فإن جوهر الإشكال لا يتعلق فقط بكمّ المعارف أو الأدوات التي تُنقل إليهم، بل بطبيعة العلاقة التي تُبنى بين الطرفين. هل هي علاقة وصايةٍ مطلقة، أم علاقة تفاعلٍ متبادل؟

في هذا السياق، يقدّم Thomas Hopkins (1954)  في كتابه الموسوم ” النفس المنبثقة بين البيت والمدرسة” تصورًا دالًا للعلاقة بين المجال النفسي للكبير والصغير، قائمًا على مبدأ التداخل لا التطابق. فالمجال النفسي للكبير يتقاطع مع المجال النفسي للطفل في مساحات من الخبرة والتوجيه والقيم، لكنه لا يلغيه ولا يحلّ محلّه. الطفل يمتلك دائرة داخلية خاصة به: إدراكه، ومخاوفه، وأحلامه، وتأويلاته الخاصة للعالم.
وعليه، فإن التربية لا تعني احتواء المجال النفسي للصغير أو السيطرة عليه، بل تعني مرافقة نموّه ضمن مساحات مشتركة تحفظ استقلاله التدريجي.

إن هذا التصور يحرّر العلاقة التربوية من منطق الهيمنة، ويعيد صياغتها بوصفها علاقة تأثير متبادل؛ فالكبير يؤثر، لكنه أيضًا يتأثر، ويتعلّم من استجابات الطفل بقدر ما يوجّهها .

(هوبكنز، 1954، 59)

                        الشكل (1) العلاقة بين المجال النفسي للكبير والصغير

 

الطفل والسلطة: قراءة في مفهوم سيّد الكوكب

(إياس وجواد) ولدايّ: 

كثيراً ما تساءلت لماذا يتصرف كل منهما بطريقة تختلف عن الآخر على الرغم من أنني عنيت بتربيتهما بنفس الطريقة؟ .

ووجدتني ظالمة لنفسي، وأنا أبحث عن الإجابة . لعدة أسباب:

 اولاً هما ليسا بالتوأمين ومتفاوتين بالعمر، و كذلك بالاهتمامات والميول والمشاعر والشخصية .

لكن البيئة الاجتماعية والاقتصادية والأسرية واحدة، وبالتالي لماذا تختلف ردة فعل كل منهما عن الاخر ؟

ومرة أخرى أظلم نفسي -أنا الأم والمربية التربوية-   إذ أبحث عن تساوٍ انفعالي وتربوي وفي درجة استجابة ورد فعل كل منهما ، في محاولة مني لأجعل كلّ منهما نسخة عن الاخر دون أدري  وضمن  ضوابط التربية الأسرية التي اعتدنا عليها!!  

ولأن  الفروق الفردية هي مفتاح التعامل مع أي شخصية. بالتالي لا يحق لي أن أطالب بردة فعل وتساو في جميع النتائج بينهما. 

ولكم  ذهلت حيت فرض أبو الصغيرين عليهما برامج  تعليمية هادفة حينها تذمر الصغير (جواد ) قائلا”:  حسنا  يا أمي مثلما يريد أبي ، لكنّه  ليس بسيّد الكوكب حتى يفرض علينا ما يريد” 

حقا لقد لخص الصغير المطلوب من الكبير بكلمة واحدة : لست سيّدا للكوكب!! 

إذا من حقهم أن يقبلوا أو يرفضوا ما نريد نحن.

ولكن كيف؟

يتجلّى وعي الطفل بحدود السلطة في مواقف تبدو عفوية لكنها عميقة الدلالة. فعندما يعترض طفلٌ على فرض برنامج تعليمي بقوله إن والده «ليس سيد الكوكب»، فإن هذا التعبير لا يُفهم بوصفه تمرّدًا سطحيًا، بل باعتباره مؤشرًا على تشكّل مبكر لفكرة العدالة وحدود السيطرة.

فالطفل هنا يميّز بشكل بديهي  عفوي بين التوجيه المشروع والهيمنة المطلقة. وهو يُعلن، بلغة بسيطة، أن السلطة ليست حقًا كونيًا غير قابل للنقاش. إن هذا الموقف ينسجم مع تصور التداخل النفسي الذي أشار إليه Thomas Hopkins؛ فالمجال النفسي للطفل لا يُختزل في إرادة الكبير، بل يحتفظ بقدر من الاستقلال يسمح له بالقبول أو الرفض.

إن التربية التي تتجاهل هذا البعد تُحوّل الطفل إلى متلقٍّ خاضع، بينما التربية التي تعترف به تُنمّي لديه الإحساس بالمسؤولية والاختيار الواعي. فرفض «سيد الكوكب» ليس رفضًا للوالد، بل رفضٌ لفكرة السلطة المطلقة

التربية بين التلقين والاكتشاف

تختلف الفلسفات التربوية باختلاف السياقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. فمع أن مفردات العلم عالمية، إلا أن توظيفها يتباين بين المجتمعات؛ إذ يبدأ هذا الاختلاف منذ الطفولة المبكرة: هل يُربّى الطفل على الاكتشاف والاستقصاء، أم يُختزل دوره في التلقي والحفظ؟

في كثير من التجارب العربية، ورغم تبني المناهج الحديثة لأساليب التعلم بالاكتشاف وحل المشكلات والعمل التعاوني، ما تزال الممارسات الصفية تميل إلى الإلقاء والتلقين. ويزداد الأمر تعقيدًا في البيئات التي تعاني أزمات اقتصادية أو آثار حروب تعيق تطبيق المناهج الاستقصائية التطبيقية.

ومن هنا يبرز سؤال المسؤولية: من يصوغ الوعي الثقافي واللغوي للطفل؟
هل هي المدرسة؟ أم الأسرة؟ أم وسائل الإعلام؟

التلفاز بوصفه مؤسسة تربوية موازية

يُعد التلفاز من أكثر وسائل الإعلام تأثيرًا في تشكيل وعي الطفل، نظرًا لقدرته على الجمع بين الصورة والصوت والحركة، مما يمنحه قوة جذب عالية. وقد أشار عدد من الباحثين إلى دوره التربوي في التنشئة الاجتماعية، سواء في تعزيز القيم المرغوبة أو في تكريس أنماط سلوكية سلبية. ويؤكد لازار  (1994) أنّ الرسالة الإعلامية تحمل دائمًا مضامين قيمية وثقافية تسهم في تشكيل الاتجاهات.

كما أوضح رشوان (1987)  أنّ التلفاز يُعد «مدرسة شعبية واسعة الانتشار»، نظرًا لقدرته على نقل التوجهات السياسية والفكرية والثقافية إلى مختلف شرائح المجتمع.

وقد كشفت دراسات عربية عدة عن محدودية المحتوى المحلي الموجّه للأطفال مقارنة بالمحتوى المستورد، إضافة إلى ضعف مشاركة الأطفال في إنتاج البرامج الخاصة بهم .

كما حاول  الأحمد(2009) البحث في دور الإعلام في تربية الأطفال.

وتوصل إلى أن الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام في تربية الاطفال لا يستهان به كما انه من الضروري الاهتمام بنوعية الإعلام الموجه للطفل،  وضرورة تقويم كتاب الطفل والبرامج التلفازية (الكرتون خصوصاً)، و إعداد الدراسات والبحوث الخاصة بالطفل،  وبالذات في الجانب الثقافي والتعليمي و إقامة المحاضرات والندوات حول ثقافة الطفل التعاون مع خبراء علم النفس والاجتماع والتربية والإعلاميين لصياغة تصورات دقيقة لثقافة الطفل.

وتشير بحوث أخرى إلى الدور المزدوج للقنوات الفضائية مثل  فهي قادرة على تعزيز الثقافة واللغة العربية الفصحى، لكنها قد تسهم في الوقت نفسه في تغريب الطفل إذا لم تُضبط وفق رؤية ثقافية واضحة.مثل دراسة سلمان (2010):و عنوانها القنوات الفضائية ودورها في تعزيز ثقاقة الطفل.

التي  توصلت الدراسة إلى قوة تأثير القنوات الفضائية في سلوك وثقافة الاطفال، وخاصة فيما يتعلق بأفلام الكرتون، بالإضافة إلى أن التأثير يسري في جابين أحدهما إيجابي والآخر سلبي.

تؤكد الدراسات العربية على محدودية المحتوى المحلي الموجّه للأطفال مقارنة بالمحتوى المستورد، مع تأثير مزدوج للإعلام: فهو يعزز الثقافة واللغة العربية، لكنه قد يؤثر سلبًا إذا لم يُضبط. لذا، يصبح الاهتمام بنوعية البرامج واشتراك الخبراء في تصميمها أمرًا ضروريًا.

مناعة الطفل: من أين تبدأ؟

إن بناء المناعة الثقافية والنفسية لا يتحقق بالمنع أو الرقابة وحدها، بل يبدأ من تأسيس قاعدة نفسية ومعرفية سليمة تتيح للطفل القدرة على الاختيار الواعي. فالطفل ليس متلقيًا سلبيًا، بل كائن فاعل يمتلك حق القبول والرفض ضمن إطار تربوي داعم.

ويعبّر الموقف المنسوب إلى عمر بن الخطاب مع الطفل الذي لم يهرب منه عن فلسفة تربوية عميقة: لا خوف بلا ذنب، والطريق مشترك. وهي رسالة تؤكد أن التربية الحقيقية تقوم على الاحترام المتبادل، لا على الهيمنة.

الحنين الثقافي وتجربة «افتح يا سمسم»

في سياق الحديث عن الإعلام الموجّه للطفل، تبرز تجربة برنامج افتح يا سمسم الذي بدأ بثه عام 1979 بوصفه نموذجًا ناجحًا لتعريب المحتوى العالمي بما يتوافق مع الهوية اللغوية والثقافية العربية. فالبرنامج، رغم أن أصله مستمد من Sesame Street، قدّم نموذجًا متوازنًا يجمع بين الحداثة والمعاصرة والحفاظ على الخصوصية الثقافية. وقد أعيد إنتاجه حديثًا في عام 2023، في محاولة لإحياء هذا النموذج التربوي.

خاتمة

إن عالم الكبار قدّم للأطفال إنجازات علمية وطبية ومعرفية لا يُستهان بها، لكنه لم يحسم بعد معضلة التوظيف التربوي لهذه المنجزات في سياق يحترم خصوصية الطفل الثقافية والنفسية. فالمشكلة ليست في نقص المعرفة، بل في غياب التكامل بين الأسرة والمدرسة والإعلام.

وعليه، فإن الإجابة عن السؤال الأولي لا تكمن في عدد الدراسات أو حجم الاختراعات، بل في قدرة المجتمع على بناء بيئة تربوية تفاعلية تُعامل الطفل بوصفه إنسانًا كامل الأهلية في طور التكوين، لا مشروعًا للضبط أو التلقين. فمستقبل المجتمعات يبدأ من وعيها بطفولتها، ومن نوع العالم الذي تختار أن تقدمه لها.

 

 

قائمة المراجع

  • الأحمد، م. (2009). دور الإعلام في تربية الأطفال. في ملتقى جمعية الرحمة الطبية الخيرية: أطفالنا مال وتحديات.
  • جمعية أبحاث النوم. (2006). دورية أبحاث النوم. هلسنكي، فنلندا. http://www.Ec18.net
  • رشوان، ع. ح. (1987). العلاقات العامة والإعلام من منظور اجتماعي. الإسكندرية: المكتب الجامعي الحديث.
  • سلمان، ع. ج. أ. (2010). القنوات الفضائية ودورها في تعزيز ثقافة الطفل. مجلة الفتح، 45.
  • لازار، ج. (1994). سوسيولوجيا الاتصال الجماهيري (ترجمة ع. وطفة). دمشق: دار الينابيع.
  • الهيتي، هـ. ن. (1988). ثقافة الأطفال (سلسلة عالم المعرفة). الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.
  • هوبكنز، ل. ت. (1954). النفس المنبثقة في البيت والمدرسة (ترجمة م. ع. العريان). القاهرة: مكتبة النهضة المصرية.

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply