..ما أحوج أطفالنا اليوم إلى 

أسامة كامل أبو شقرا

«افتح يا سمسم»

 

في النصف الثاني من سبعينيات القرن العشرين، وقبل غزو محطات التلفزة الفضائية حرمة المساكن الآمنة، انتشرت على شاشات التلفزة الرسمية في دول الخليج العربي، برامج باللغة العربية الفصحى، مخصصة للأطفال حسب الأعمار، كان أشهرها برنامج «افتح يا سمسم». 

وقد كانت هذه البرامج من إنتاج مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لدول الخليج العربية (المعروفة بـ «بيت الإعلام الخليجي»). وهي مؤسسة إقليمية عريقة أُسِّست في العام عام 1976، باتفاق وزارات الإعلام في دول مجلس التعاون الخليجي الست: (الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين، والمملكة العربية السعودية، وسلطنة عمان، ودولة قطر، ودولة الكويت.) ومقرها في الكويت، هدفها تعزيز الهوية الخليجية عبر أعمال تربوية وثقافية وإنتاجات درامية ورسوم متحركة. 

واشتهرت تلك المؤسسة بتقديم أعمال تركت أثرًا عميقًا في وجدان الأجيال العربية، ومن أبرزها: البرامج التعليمية والتوعوية: برنامج الأطفال الشهير «افتح يا سمسم»، وبرنامجا التوعية الصحية «سلامتك»، والتوعية المرورية «قِفْ».

وقد كان كتبة نصوص تلك البرامج، من المتخصصين، كلٌّ في الحقل الذي يكتب فيه، ومن المشهود لهم في إتقان اللغة العربية.

وقد لمستُ بنفسي تأثير برنامج «افتح يا سمسم»، في إغناء الملكة اللغوية السليمة لابنتي التي كانت تتابع بشغف حلقاته، ما جعلها تتمكن، لا من القراءة بطلاقة فقط، في العام السابع من عمرها، بل تمكنت، أيضًا من كتابة نصوصٍ أدبية جميلة وبخاصة في الوصف.

والمؤسف أن هذه المؤسسة قد اضطرت للتوقف عن الإنتاج، إثر اجتياح القوات العسكرية العراقية أرض الكويت في العام 1990. 

فأين البرامج المخصصة للأطفال التي تقدمها اليوم، محطات التلفزة العربية، من تلك التي كانت تقدمها لهم مؤسسة «بيت الإعلام الخليجي»؟

فللأسف، فإنّ معظم هذه البرامج، إن لم يكن جميعها، أصبحت نصوصها، منذ سنوات عديدة، وبخاصة مع تكاثر محطات التلفزة الفضائي، تكتب باللهجات العامية، أو باللغات الأجنبية. أمّا موضوعاتها فتكاد تخلو من التوعية والتعليم، لأن الأرباح المادية فقط هي غاية المنتجين وأصحابِ أجهزة الإعلام. 

الإعلام، لا يعني نشرَ الخبر فقط، بل يشمل أيضًا تذكير الناس بواجباتهم وحقوقهم، وتعريفَهم بأمورهم الحياتية. فالإعلام إذًا، هو كلّ ما ينشر لإطلاع الجمهور عليه، قراءة أو استماعًا أو مشاهدة، عمّا يخص معيشتهم وشؤونهم الحياتية بجميع أشكالها. 

وإنّ مسؤوليّة الإعلام في التثقيف والتنشئة أعظمُ من مسؤولية المدرسة والجامعة، فإذا كان تلامذة هاتين يُعدّون بالآلاف، فمتابعو وسائل الإعلام يُعدّون بالملايين. إذ إنّ دوره اليوم بات لا يقتصر على نقل الأخبار فقط، بل يتعدّاه إلى جميع نواحي الثقافة والمعرفة، والحاجات الإنسانية، وخدمة الأوطان والإنسانية جمعاء، والمحافظة على القيم بجميع أنواعها. فله بالتالي دورٌ توجيهيٌّ عظيمٌ على المجتمعات، ولهذا أيضًا أطلق على الصحافة لقبُ «السلطة الرابعة»، ثم عُمّم هذا اللقب على جميع أنواع الإعلام. وهذا ما يجعلني أصفه، بأنّه رسالة إنسانية مقدسة، ومن يعمل فيه، يفترض أن يكون حاملًا لتلك الرسالة إلى بني البشر. 

ويقول، الفيلسوف الروسي، تولستوي: «الجرائد نفير السلام وسيف الحق القاطع ومُجيرة المظلومين وشكيمة الظالم. فهي تهزّ عروش القياصرة وتدك معالم الظالمين». 

ويقول عبد الرحمن الكواكبي: «إنّ موضوع الجرائد مطلق خدمة الإنسانية، من حيث تهذيب الأخلاق وتأليف الأفكار، ورذل النقائص، واحترام الكمالات، والمحافظة على العدالة، والمحاماة عن الحقوق. إلى غير ذلك من الوظائف العمومية الجليلة التي تجعل الإنسان أن يعتبر الجرائد بمثابة خادم عمومي ساعٍ بالخير».

ومن أهم واجبات وسائل الإعلام، تخصيصُ الأطفالِ، الذين هم رجال المستقبل، بكلّ ما من شأنه تنشئتُهم تنشئة صالحة، تربويًّا وأخلاقيًّا ووطنيًّا وعلميًّا، بما في ذلك سلامة اللغة. ووضع ونشر البرامج التعليمية والتربوية الخاصة بهم، كأفلام ومسلسلات الرسوم المحرّكة الناطقة باللغة الفصحى السليمة؛ من قبل متخصصين وتحت إشراف تربويين وأصحاب الاختصاص في شؤونهم النفسية. ومثل ذلك للمراهقين والشباب. والامتناع عن بثّ أو نشر كلّ ما من شأنه تشجيعهم على العنف والتطرف. وصولا إلى بناء المجتمعات الصالحة.

وفي ما خصّ سلامة اللغة، فلا بدَّ لي من التأكيد، على واجب تلك الوسائل أيضًا، المحافظة على أسس وقواعد اللغة ومعاني كلماتها كما وضعت لها في الأصل. ولقد قيل: «إن اللغة القومية للإنسان هي الغذاء الروحي الذي ينمّي شخصية الفرد في نطاق الأمة، ويحفظُ الأمة حيّة في كيان الفرد». 

ولمن يدعي أن التطور يقضي في إعطاء كلمات اللغة العربية معانٍ جديدة لمواكبة الاكتشافات والاختراعات والتقنيات الجديدة، أقول: إن المحافظة على معاني كلماتها لا يمكن أن يكون سبب تحجرها أو انغلاقها، بل من شأنها أن ييسر لنا وللأجيال القادمة فهم تراثنا وتاريخنا بشكل سليم وواضح وسهل، يُمَكِّننا من بناء حاضرٍ ومستقبلٍ مرتكزين على قواعد صلبة ومتينة. أمّا إدخال أسماء وتعابير جديدة لمكتشفات حديثة ليس لها ما يعبر عنها في اللغة، فقد تكون العربية من أكثر اللغات قبولا به، إذ أن تاريخها حافل بذلك.

وأختم بقول شاعر النيل حافظ إبراهيم (بلسان اللغة العربية):

«وسِعْتُ كتابَ الله لفظًا وغايةً *** وما ضِقْتُ عن آيٍ به وعِظاتِ

فكيفَ أعجزُ عن وصفِ آلةٍ *** وتنسيقِ أسماءٍ لمُخترعاتِ؟»

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply