الجِنّ بين الخيال والصناعة .. حوار الإنسان مع المجهول

أحمد بسيوني 

منذ عرف الإنسان الحكاية بحث عن قوة تتجاوز قدراته تمنحه المعرفة وتفتح أمامه أبوابا يعجز عن بلوغها وحده. وفي التراث العربي ظهر “جن عبقر” رمزا أسطوريا للإلهام والشعر والخيال حتى نسب إبداع الشاعر أحيانا إلى وحي يأتيه من عالم غير مرئي.

واليوم ظهر “جن جديد” لا ينتمي إلى الأساطير بل إلى التكنولوجيا والخوارزميات وهو الذكاء الاصطناعي. وقد تبدو المقارنة غريبة لكن القاسم المشترك بينهما هو وقوف الإنسان أمام قوة يعتقد أنها قادرة على منحه ما يتجاوز قدراته المعتادة.

كان جن عبقر رمزا للخيال والإلهام أما الذكاء الاصطناعي فأداة تنتج النصوص والصور والموسيقى وتحلل المعلومات وتساعد في البحث والتعليم والعمل. وهنا تبدأ الأسئلة : هل نحن أمام صراع بين الإنسان والآلة؟ أم أمام حوار جديد بين العقل البشري والأداة التي صنعها؟

لا يمتلك الذكاء الاصطناعي التجربة الإنسانية كما يعيشها الإنسان فهو لا يعرف الحب والفقد والحنين والذاكرة بالطريقة نفسها لكنه يستطيع تحليل كميات هائلة من المعلومات وإعادة تركيبها في صور جديدة. ومن هنا تأتي قوته كما تأتي مسؤوليتنا في كيفية استخدامه.

وتؤكد اليونسكو ضرورة تطوير الذكاء الاصطناعي واستخدامه بما يحافظ على الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان من خلال الشفافية والعدالة والرقابة البشرية والمساءلة. فالمشكلة ليست في وجود الجن الصناعي بل في السؤال الأهم : من يقوده؟

لا ينبغي أن تتحول الآلة إلى بديل عن الإنسان بل إلى وسيلة توسع قدرته على المعرفة والإبداع ويبدأ الخطر عندما يتنازل الإنسان عن دوره ويترك للآلة التفكير نيابة عنه أو يصدق كل ما تنتجه دون مراجعة ونقد.

وهنا يظهر الفرق بين جن عبقر والجن الصناعي.. الأول عاش في الحكاية والأسطورة أما الثاني فهو بين أيدينا نصنعه ونطوره ونمنحه البيانات ونحدد له الأهداف.. لذلك فالسؤال الحقيقي ليس : هل سيهزم الذكاء الاصطناعي الإنسان؟ بل : هل يستطيع الإنسان الحفاظ على إنسانيته وهو يستخدمه؟

فالتكنولوجيا مهما بلغت قوتها تظل مرتبطة بطريقة استخدامها وقد حذرت اليونسكو من التحيز وانتهاك الخصوصية والتأثير في الاستقلالية البشرية مؤكدة أهمية الإشراف والمسؤولية الإنسانية.

لذلك لا نحتاج إلى صراع بين جن عبقر والجن الصناعي بل إلى حوار بين التراث والمستقبل والخيال والتكنولوجيا والعقل البشري والآلة.. فإذا كان جن عبقر قد سكن الحكايات فإن الجن الصناعي يسكن الخوارزميات لكن في الحالتين يبقى الإنسان صاحب السؤال :

هل نحن الذين نصنع الذكاء الاصطناعي أم نسمح له تدريجيا بأن يعيد تشكيل الإنسان؟

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply