بين جنّي العبقرية وعفريت الهمجية

علي منير حرب

بين جنّي عبقر وعفريت السيليكون، ترقد آلاف الحكايات التي تقصّ علينا أحداث صراعات الذكاء الإنساني، في مواجهة تحديات الطبيعة، والبحث عن مصادر الإبداع والإلهام، لتحقيق المزيد من الانتصارات، وتحسين ظروف الحياة، في مرابع الرفاهية والمجد والخلود.

عند التوقّف أمام هذين المخلوقين المنقلِبين على سنن الخلق، يُعجزنا الإمساك بأوجه المقارنة بينهما، في التكوين والنشأة والتطّور والدور، ومحاولة تحديد طبيعة العلاقة بينهما، فيما إذا كانت حوارًا قائدًا إلى منطقة وسطى للتفاهم، أم نزاعًا وصراعًا يفضي إلى تدمير أحدهما وفنائه؟ 

تخبرنا مرويّات التاريخ، أن الجنّي الذي كان يقيم في وادي عبقر مع أبناء عشيرته، لم يكن – إن وُجد حقًا – من صنيعة الإنسان نفسه، وربما كان وليدًا خرافيًا من مخيلته وتصورّاته، ومن نحت أساطيره (على غرار ألف ليلة وليلة)، أو وريث الشياطين القدامى الذين كانوا يستقبلون المبدعين في الثقافات السابقة، ويقدّمون لهم كؤوس اللبن الممزوج بأكسير العبقرية. وقد حدّثنا الفيلسوف اليوناني العظيم «أفلاطون» في حواراته الفلسفية (مثل محاكمة سقراط والمأدبة)، عن الشيطان المرشِد، الذي كان يهتف في أعماق أستاذه «سقراط»، ليوحي له بالتحذير، ويمنعه من ارتكاب الأخطاء وقول السوء.  

هذا الجنّي المبدِع، كان ملهم الشعراء العرب، وملاذ رغباتهم في التميّز والتفوّق، يقصدونه طلبًا لتفتح القريحة واشتعالها، ورجاءً للعون قبل حلقات المبارزات، وعند شدائد الهوى والغرام، والهيام بالمحبوبة العصية على النوال، حيث كان العرب يعتقدون أن للإبداع مَلَكة نسبوها إلى الجنّ، وأن من يريد أن يكون متألقًا في إبداعه، لا بدّ له من أن يحجز له ليلة في أحد فنادق وادي عبقر، ينام فيها ليستلهم الثمرات من عباقرة الجنّ، ويستيقظ شاعرًا كبيرًا.

ولم يخيّب جنّي عبقر أمل أحد من قاصديه، فقد كان جوادًا كريمًا مع نزلائه، حتى أنه كان يلقّنهم القصائد، تلقينًا بصياغاتها وأبياتها، مجانًا ومن دون رسوم، تحسّبًا لقصور مَلَكاتهم الشعرية، بل ويمنحهم من لدنه أفخم لقب يعتزون به ويفاخرون: «العبقري».

«لم يكن الشعر في فحول أهله من العرب لفظ لسان يطير ويقع، ولكنه كان حَسَبًا ونَسَبًا، وكان الشعراء هم أهل التاريخ، ومن أجل هذا كان يجنح الشعراء إلى الاعتقاد بأن شعرهم أحرف نارية تلقي بها الجنّ على ألسنتهم، وأنهم إنما يتناولون من الغيب، فهم فوق أن يُعَدُّوا من الناس ودون أن يُحسَبوا من الجنّ؛ فإذا جاء أحدهم بالقصيدة البارعة، ورمى بالكلمة النافذة، ضرب قلبه أنها من هناك، وأنه إنما يؤدّيها عن لسان قائلها، فيكون ذلك مدعاة إلى توكيد الثقة والاعتداد، وإلى الذهاب بالنفس ونفرة الأنف ونحو ذلك مما هو من كِبْر القرائح وتَرَفُّع العقول.» 

عاش هذا الجنّي (العربي) مخفيًّا، أيام الجاهلية، في عصور البداوة والقحط المدني والجفاف الديني، وكان يلازم إقامته في الوادي السحيق المعروف باسمه «وادي عبقر»، الذي يُعتقد أنه مأوى للجنّ في مكان ما بين اليمن وشبه الجزيرة العربية، ولم يفارقه ليدخل المناطق الأخرى ويتدخّل في الشؤون الخارجة عن مجال تخصّصه ومهنته، ولم يتطوّر في تكوينه ليتحوّل إلى شيطان رجيم وعفريت ملعون، وما لبث أن اختفى تباعًا من تراثنا الميثولوجي، مع ظهور الإسلام والانتقال إلى ترسيم خرائط الحضارة العربية.

وتستوقفني في هذا النطاق لفظة «وادٍ» تحديدًا، كما وردت في «سورة الشعراء» في القرآن الكريم، حيث يقول تعالى في كتابه الكريم:{وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ.}الآية (224 – 225)، ومدى علاقة هذه اللفظة بتراث العرب عن وادي عبقر، للدلالة على لَغو الشعراء وشططهم.

أما صاحبنا العفريت الاصطناعي، ساكن وادي السيليكون (كاليفورنيا)، هذه المنطقة الشهيرة باستقطاب مطوّري ومنتجي الشرائح أو الرقاقات السيليكونية (الدائرة المتكاملة)، والتي تضم معظم أعمال التقنية العالية في العالم، والمعروفة بالذكاء الاصطناعي، فهو وليد جموح الذكاء الإنساني نفسه، وليس أسطورة ولا خرافة ولا خيالًا، وليس كائنًا خفيًّا عن الأنظار، يظهر للبعض ويختفي عن البعض الآخر، إنما هو حقيقة ملموسة مُعاشة، بدأت ملامح ولادتها في القرن الماضي، في تطبيقات كانت في زمنها بسيطة ومعقولة ومقبولة لدى معظم الطبقات والهيئات، ثم سرعان ما أخذت تتعملق وتتمدّد لتغطي مناحي الحياة كافة، فارضة حضورها وفعاليتها فوق كل النشاطات الإنسانية حول العالم.

يتراءى لي، أن هذا الإفراط الهائل في تطويرات هذه التقنية، التي بدأت كجنّي مسالم يعرض نفسه لخير الإنسانية وتقدّمها، استحال – مع نوازع شرور وأطماع صانعيه – إلى ديناصور متجدّد، وغول مفترس، ومارد متوحّش جبّار، لا يرعى حرمة ولا يحفظ ذمة ولا يحترم حدودًا، مخترقًا – والعياذ بالله – أمثولة ربّ العالمين وسلطانه، حين خاطب الإنسان مكرِّمًا لعقله وإرادته فقال: {يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلّا بسلطان.} (سورة الرحمن الآية 33).

لم يستقر هذا العفريت الجامح في وادي السيليكون، ولم يقتصر دوره – كما جنّي عبقر- على تلقيح قرائح الشعراء والفنانين فقط، ولم يتوقّف عند الخطوط المحدّدة، ولم يكتف بما أنجزه من مزايا وعطاءات، بشّرت الدنيا بمستقبل مشرق، إنما شبّ على الطوق، وحطّم الإطار والزمام، وكيف لا وهو وليد تركيبة غرائبية جمعت بين محترفي الإبادات الاستكشافية، ومنتجي أسلحة الدمار الشامل، ومولّدي الفيروسات والأوبئة المخبرية، وحاصدي الثروات، ومحتكري الهيمنة، وناشري العولمة، ومحطمي القيم والحريات والعدالة والحقوق، والمخطّطين لعالم جديد، فاقد لأبسط عناصر المناعة، وخاضعٍ ذليلٍ لإرادة القوة؟

جنّي عبقر لم يقدّم نفسه بندّا رئيسيّا على طاولة المفاوضات بين رئيسي الدولتين العظميين الأميركي «دونالد ترامب» والصيني «شي جينينينغ»، في اللقاء المرتقب بينهما في أيلول (سبتمبر) 2026، ليحدّد شكل العلاقة بين القوتين في السنوات المقبلة، لكن عفريت السيليكون فعلها وأكثر.

ومسكين عبقر، لم يهدّد العالم بأمنه وسلامه، وأسواق عَمَله، ومدّخرات أهله في المصارف، ومستقبل أطفالهم في التعلّم والتربية، لكن عرّاب العفريت الاصطناعي «بيل غيتس»، الذي كان يرى في الذكاء الاصطناعي أداة قادرة على تحرير البشر من كثير من الأعمال، وعلى تسريع الابتكارات في مكافحة الأمراض، وتغيّر المناخ، أصبح يشعر للمرة الأولى في حياته، بأن التكنولوجيا الجديدة ربما تتقدّم بسرعة أكبر مما ينبغي، فراح يدقّ ناقوس الخطر، مطالبّا برقابة مشدّدة، لإبقاء وليده الطائش ضمن حدود تحمُّل المجتمع، والحيلولة دون خروجه عن السيطرة.

وساكن الوادي في ديار الصحاري القاحلة، لم يرِد إلى طموحه المتواضع أن يجعل من الكائن الإنساني مسمارًا في آلة الكون المتحرّكة، لكن منافسه اللدود يصرّ على تحويل البشرية جمعاء إلى «آلة بيوكيميائية، مشحونة بجهاز احتراق، يمنح الطاقة للكمبيوترات» على حدّ قول أحد العلماء المعاصرين.

وفي هذا السياق، يتوقّع المؤلف الأميركي المتخصّص في شؤون التقنية «جاكوب وورد»، في كتابه المهم «الدائرة»: «أن يكون العالم الجديد (عبارة عن) فقاعة متعة خالية من الخيارات…فالأفكار المعلنة من قبل عمالقة شركات التقنية تشير وبوضوح إلى أننا مقبلون على عالم جديد…وأن قرارات الإنسان المستقبلية مهما بدت في ظاهرها مستقلة وموضوعية، فهي غير ذلك تمامًا.»

ما يواجه العالم في أيامنا هذه ويهدّد مستقبله القريب، يتمثّل في استراتيجيات العلوم التكنولوجية وتطبيقاتها القائمة على تخدير الذاكرات الإنسانية وتدجينها، تمهيدًا لتعجيزها وتفشيل فعاليتها، عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، وجموح الذكاء الاصطناعي وتطويراته المتصاعدة بوتيرة سريعة، ممّا يحوّل الإنسان إلى كائن همجي قاصر بحكم الانقراض، ويحوّل العالم إلى أشياء بلا إنسانية، وروبوتات تتحرّك بأوامر القابض على أطراف خيوطها.

من هنا نختم لنقول، ما بين جنّي العبقرية وعفريت الهمجية، ترتفع سدود وتناقضات، لا يستقيم معها حوار ولا صراع، لأن أول طرفيه، شأنه شأن الخروف الضعيف في مواجهة الذئب الضاري، الذي يتهمه، من قبل أن يولد، بتعكير ماء النهر عليه، ولا حجة لديه إلّا تلك المتحفّزة تحت أنيابه.

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply