واقع الكهرباء في العراق و محيطه العربيّ

نظرة تحليليّة و حلول عمليّة

د. كريم وحيد

في مقالين مهمّين يستعرض الدّكتور كريم وحيد أهمّ إخفاقات إدارة ملفّ الطّاقة في العراق مسلّطاً الضّوء على مشاريع وطنيّة عملاقة لم يكتب لها استئناف التّنفيذ لغياب الإرادة المخلصة. عندما تغيب مفردة الولاء للوطن عن قاموس السّياسيّين و يحلّ محلّها الخضوع للإرادة الأجنبيّة أو للمصلحة أو لسلطان المال يدفع المسؤول المخلص المستقلّ ضريبة ولائه، ويكون المواطن الخاسر الأكبر

الأول: الجامعة العربيّة والدّعوة لإحياء مشروع الرّبط الكهربائيّ العربيّ

يرى خبراء الطاقة أنّ مشروع الربط الكهربائي العربي يمثّل خارطة طريق للاتّحاد العربي للكهرباء لاعتماد استراتيجيات تمكّن مؤسسات الكهرباء العربية من تنويعٍ واستثمار أكبر لمصادر الطاقة المتوفرة من النفط والغاز وتفعيل برنامج استثمار الطاقات الجديدة والمتجددة، فضلاً عن تنمية الصلات بين دول الربط الكهربائي وتطويرها في قطاعات إنتاج الطاقة الكهربائية ونقلها وتوزيعها لمواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية التي تعيشها دول الربط.

لقد أصبح التوسع في مشاريع الربط الكهربائي محطّ اهتمام دول عدّة لمواجهة الزيادة المستمرة في استهلاك الطاقة الكهربائية وباستثمارات منخفضة. يتمّ تخفيض الاستثمارات في مؤسسات الكهرباء عن طريق تقويم الجدوى الاقتصادية من بناء محطّات إنتاج الطاقة الكهربائية في دول الربط الكهربائي عند توفّر مصادر الوقود وتنوّعها وتوفّر المصادر التشغيلية الأخرى كالمياه وتهيأة الكادر الفنّي البشري المتخصص. يقود هذا إلى تجنّب الازدواجية في تكلفة إنشاء المحطات الجديدة واﺴﺘﺜﻤﺎرات مشاريع ﻨﻘﻝ اﻟطﺎﻗﺔ الكهربائية في دول الربط الكهربائي، و يدرّ المزيد من العوائد الفنية التشغيلية من تجهيز ﻠﺤظــﻲّ تعويضي للطاقة الكهربائية في حالات الطوارئ ﻋﺒـر ﺸــﺒﻛات اﻟــرﺒط لتفادي اﻻﻨطﻔــﺎء اﻟﻛﺎﻤــﻝ أو اﻟﺠزﺌـﻲ للمنظومة الكهربائية أﺜﻨــﺎء اﻟﺤــوادث اﻟﻛﺒﻴرة ما يمنع حدوث ﺨﺴـﺎﺌر اﻗﺘﺼـﺎدﻴﺔ ﻛﺒﻴـرة إذا كانت المنظومات الكهربائية غير مرتبطة. كما يفيد ذلك في تخفيض القدرات الاحتياطية للمؤسسة في منظوماتها الكهربائية من خلال استثمار اﻟﺴّﻌات اﻟﻔﺎﺌﻀﺔ ﻓﻲ المنظومات بسبب التفاوت في فترات الحمل الأقصى اليومي أو الفصلي أو السنوي ﻟلطﺎﻗﺔ الكهربائية ﺒﻴن هذه الدوﻝ. ﻟهذا كلّه أوﻟت بعض اﻟدوﻝ اﻟﻌرﺒﻴﺔ ﻤشاريع اﻟرﺒط اﻟﻛﻬرﺒﺎﺌﻲ اﻫﺘﻤﺎﻤﺎً ﻛﺒﻴراً ﻤﻨذ منتصف اﻟﻘرن اﻟﻤﺎﻀﻲ وانطلقت دعوات من خبراء ومسؤولين لزيادة التعاون في مجال الربط الكهربائي بين الدول العربية وإنشاء سوق عربية مشتركة للكهرباء تضمّ تسعة عشر بلداً عربياً متجاوراً لتصبح جزءاً من مشروع التكامل الاقتصادي العربي.

تلعب الطاقة الكهربائية دوراً كبيراً في تحريك عجلة الاقتصاد. واقتصاديات الدول النامية ومنها الدول العربية لا يشيع فيها استخدام الطاقات الاستراتيجية البديلة، مثل الطاقة النووية، لإنتاج الطاقة الكهربائية أو الطاقات الجديدة والمتجددة المتاحة التي تحتاج إلى استثمارات ضخمة ومؤهلات تشغيلية متطورة. فمثلاً، أشارت التقديرات إلى أنّ الطلب على الكهرباء فى المنطقة العربية سيزيد بنسبة 84% فى عام 2020، وهذا يقتضي بناء قدرات إنتاجية إضافية مقدارها 135 الف ميغاوات باستثمارات بقيمة 450 مليار دولار. يخفّض مشروع الربط الكهربائي العربي الحاجة إلى القدرات الاضافية من 135 ألف ميغاوات إلى 102 ألف ميغاوات، ما يعني انخفاضاً كبيراً في كلف الاستثمارات المطلوبة.

بدأ الرّبط الكهربائيّ بمشاريع متفرّقة منذ خمسينيّات القرن الماضي في دول المغرب العربي تونس والجزائر والمغرب، وفي السبعينيّات بين سوريا والأردنّ، وسوريا ولبنان. وفي نهاية ثمانينيّات القرن الماضي انطلق مشروع الربط الكهربائي الثُّمانيّ الذي يضمّ مصر والعراق والأردنّ وسوريا وتركيا ولبنان وفلسطين وليبيا. يهدف مشروع الربط الكهربائي العربي إلى ربط ثلاثة مشاريع شبكات كهربائية عربية موحّدة هي مشروع الربط الكهربائي الثُّمانيّ و مشروع ربط دول مجلس التعاون الخليجي ومشروع ربط دول المغرب العربي. يعدّ مشروع الربط الكهربائي الثُّماني من أهم مشاريع الربط الكهربائي العربي لأنّه يمثّل ﺤﻠﻘﺔ اﻟوﺼﻝ ﺒﻴن مشروعي الربط الكهربائي لدوﻝ مجلس التعاون الخليجي ودوﻝ اﻟﻤﻐرب اﻟﻌرﺒﻲ، و هو اﻟطرﻴق لربط شبكة دول مجلس التعاون اﻟﺨﻠﻴجي بشبكة أوروﺒﺎ. لقد بدأ المشروع كربط خماسي بين مصر والعراق والأردن وسورية وتركيا ثمّ انضمّ إليه لبنان لاحقاً ليصبح الربط سداسياً، ثمّ انضمّت إليه بعد ذلك ليبيا وفلسطين، ليصبح ثُمانيّاً. وما زالت بعض مراحل المشروع متوقّفة لا سيّما الخاص منها بربط شبكة الجانب التركي مع شبكة الربط في العراق وسوريا بالرغم من تنفيذهما التزاماتهما التعاقدية الفنية وذلك بسبب الوضع السياسي الإقليمي والأحداث الأمنيّة، فضلاً عمّا استجدّ من صعوبة ربط المنظومتين الكهربائية السورية والعراقية توافقيّاً مع المنظومة التركية بعد انضمام تركيا إلى مجموعة مشغّلي الشبكات الأوروبية ENTSO-E واعتماد المواصفات التشغيلية الاوروبية في الشبكات الكهربائية المترابطة. كما أدّى الوضع السياسي والامني في ليبيا إلى توقّف تشغيل الرّبط التوافقي بين منظومتها و المنظومة المصريّة بالرغم من انتهاء دراسات الجدوى الخاصة بتأهيله ليكون مطابقاً لمواصفات مشروع الربط الكهربائي الثُّماني. أمّا مشروع ربط دول مجلس التعاون الخليجي فإنّه يتكوّن من ثلاث مراحل: ربط الشبكات الكهربائية لكلّ من دول الكويت والسعودية والبحرين وقطر ثمّ ربط الشبكات الكهربائية لكلّ من الامارات العربية المتحدة وعُمان ثمّ ربط المرحلتين الأولى والثانية ببعضهما فتكون دول مجلس التعاون الخليجي جميعها مرتبطة بشبكة كهربائية موحدة لتبادل الطاقات المنتجة تجارياً وبسعة متاحة قدرها 3027 ميغاواط ليساهم ذلك في النمو الاقتصادي والاجتماعي لدول مجلس التعاون ويصبح مشروع الربط الكهربائي لدول مجلس التعاون الخليجي من المشاريع العملاقة في الشرق الأوسط تقدّر استثماراته بحدود 3 مليار دولار يتمّ تمويلها من خلال مشاركة مؤسسات الكهرباء لدول مجلس التعاون بنسبة 35% ويساهم القطاع الخاص بالنسبة المتبقية.

أمّا مشروع ربط دول المغرب العربي فيتكوّن من مرحلتين. في المرحلة الاولى رُبطت شبكتا الكهرباء الليبية والتونسية بعد أن أنجزت الأعمال الفنية والتشغيلية في نهاية عام 2005، غير أنّ الاحداث الامنية والسياسية في ليبيا عام 2011 أدّت إلى فصل المنظومتين الكهربائيتين عن بعضهما. وضمّت المرحلة الثانية إنجاز خط الربط بين الجزائر والمغرب في عام 2009 وإنجاز خط الربط بين تونس والجزائر في عام 2011. ولظروف المنطقة العربية غير المستقرة امنياً لاسيّما في منطقة دول مشروع الربط الثُّمانيّ، ولوجود تقاطعات سياسية بين بعض دول الربط، فقد جُمِّد العمل بمراحل إكمال المشروع وربطه بمشروعي الربط لدول مجلس التعاون الخليجي ولدول المغرب العربي. وقد اضطر هذا بعض دول مشروع الربط الثّماني للّجوء إلى ربط ثنائيّ بديل كما حصل بين شبكتي مصر والسعودية وهو ربط ذو جدوى فنية واقتصادية بسبب الاختلاف في مواعيد حمل الذروة في الطلب على الطاقة الكهربائية بين البلدين. سيوفّر المشروع استثمارات بقيمة ثلاثة آلاف ميغاواط على الرغم من أنّه ليس جزءاً من خارطة الربط العربي التي تمّ استعراضها في المجلس الوزاري لوزراء الطاقة والكهرباء العرب في الجامعة العربية حين كنت أترأّسه. إنّ مشروع الربط الكهربائي العربي يتشكّل من ربط شبكتي مجلس التعاون الخليجي مع الربط الثُّمانيّ من خلال ربط شبكتي الكويت والعراق الذي يمثل محور الربط الشرقي لمشروع الربط الكهربائي العربي ومن ثمّ إلى أوروبا من خلال الشبكة الكهربائية التركية المرتبطة حالياً بالشبكة الكهربائية الاوروبية الموحدة. ويتمثّل محور الربط الغربي بربط شبكتي المغرب وإسبانيا المرتبطتين أساساً بالشبكة الكهربائية الاوربية الموحدة. إنّ اكمال تنفيذ مشروع الربط الكهربائي العربي سيؤدي تلقائياً إلى استحداث سوق طاقة عربيّة أسوة بأسواق الطاقة العالمية المتآلفة مع أسواق البورصة المالية. ستشجّع سوق الطاقة العربيّة رؤوس الأموال العربية الكبيرة على الاستثمار في هذا القطاع بدلاً من تبديدها في استثمارات خارجية غير مضمونة الاسترجاع.

أشّرت دراسات البنك الدولي أنّ التبادل التجاري الحالي للطاقة الكهربائية بين الدول العربية خجول ومحدود ولا يتجاوز نسبة 2% من السّعة الإنتاجية المتاحة للمنظومة الكهربائية العربية، وهذا يعني أنّ المنطقة العربية هي الأقلّ تكاملاً على صعيد التبادل التجاري للطاقة الكهربائية على مستوى العالم. يرجع هذا إلى أسباب عدّة أهمّها ضعف الاستثمارات في قطاع إنتاج الطاقة الكهربائية في المنطقة العربية لأنّها تشهد اضطرابات سياسية متصاعدة أدّت إلى تأخّر كبير في التوسع في بناء محطّات إنتاج جديدة للطاقة الكهربائية و إنشاء منظومات متطوّرة لشبكات نقل الطاقة الكهربائية. إنّ الدول العربية اليوم أمام تحدّيات كبيرة، سياسية إقليمية واقتصادية لها انعكاساتها على قطاع الطاقة الكهربائية، وعليه فلابدّ من تنسيق الجهود لتلبية احتياجات الدول العربية من الطاقة الكهربائية من خلال جذب الاستثمارات العربية لمواجهة النمو السنوي المتصاعد في الطلب على الطاقة الكهربائية، وتسريع تنفيذ الاتفاقيات الفنية والاتفاقيات التجارية الموقعة لتبادل الطاقة الكهربائية بين دول مشروع الربط الكهربائي العربي. إنّ قيادات الدول العربية و الجامعة العربية مدعوّة للعمل على إحياء مشروع الربط الكهربائي العربي الّذي سيساهم في توطيد العلاقات السياسية بين الدول العربية وإذابة الخلافات ومواجهة التحديات والتّمهيد لمشروع التكامل الاقتصادي العربي وتحقيق الأمن القومي للطاقة.

الطموح

الثاني: الكهرباء المصريّة وشقيقتها العراقيّة

في صيف عام 2018 افتُتح في جمهورية مصر العربيّة الشقيقة مشروع عملاق لإنتاج الطاقة الكهربائية هو مشروع (Mega Project) بحضور الرئيس المصري عبد الفتّاح السيسي والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، يهدف إلى إضافة قدرات توليدية جديدة لتجهيز العاصمة الإداريّة الجديدة بالطاقة الكهربائية بالتّزامن مع إنشائها.

يتألّف المشروع من ثلاث محطات سعة الواحدة منها 4800 ميغاواط بالدورة المركبة وبسعة كلّيّة مقدارها 14400 ميغاواط، والمعدّات التوليدية هي وحدات غازية من نوع SGT-9000 HL مجهزة من قبل شركة سيمنس الألمانية بسعة 567 ميغاواط للوحدة تعمل على نوع واحد من الوقود هو الغاز الطبيعي، وهي من الوحدات المصنّعة مؤخراً وتصل كفاءة إنتاجها إلى نسبة 65% عند عملها بالدورة المركّبة وعند اشتغالها على الغاز الطبيعي مقارنة بالوحدات البخارية التي لاتزيد كفاءة إنتاجها عن 42%. تمّ تنفيذ المشروع بمحطاته الثلاث من قبل الشركتين المصريتين أوراسكوم والسويدي المتخصّصتين بتنفيذ وتنصيب محطات إنتاج الطاقة، و الشّركتان مشاركتان في تنفيذ مشروع (Mega Project) في العراق.

إنّ أهمّ مقوّمات خطّة تنفيذ مشاريع إنتاج الطاقة الكهربائية -سواء كانت استثمارية من خلال القطاع الخاص أو مموّلة مركزيّاً من خلال الخطة الاستثمارية للدولة- توفير الوقود عبر إيصال شبكة خطوط أنابيب الوقود بأنواعه من النفط الخام والوقود الثقيل والوقود الخفيف (زيت الغاز) والغاز الطبيعي بالتّزامن مع أعمال تنفيذ مشاريع محطات إنتاج الطاقة الكهربائية، وهو ما تمّ توفيره أوّلاً في مشاريع قطاع الطاقة المصري ومنها مشروع (Mega Project)، وهذا أمر يفتقده قطاع الطاقة العراقي إلى يومنا هذا. تمتلك مصر المقومات الأساسية من البنى التحتيّة المؤهّلة لإنتاج وتصدير الغاز الطبيعي، لا سيّما أنّ هناك اسكتشافات مستثمرة أهمّها حقل ظهر وشمال الإسكندرية الّذي بدأ بالإنتاج في بداية عام 2018 بمعدّلات مقدارها 2.5 مليار قدم مكعب من الغاز يومياً، وباستثمارات بلغت 25 مليار دولار، تزامن هذا مع تشغيل مشروع ( Mega Project). وتستهدف وزارة البترول المصرية خلال الفترة من 2020 إلى 2022 تحقيق اكتفاء ذاتي في مصادر الطاقة لتحتلّ مصر المركز الـ16 من حيث إجمالي الاحتياطيات العالمية للغاز والمركز الـ15 من حيث مستوى الإنتاج ولتصبح ثانى أكبر منتج للغاز على مستوى أفريقيا و أوّل دولة منتجة للبترول من خارج أوبك على مستوى أفريقيا أيضاً، على أن يتم تخصيص كامل إنتاج الغاز الطبيعي لقطاع إنتاج الطاقة الكهربائية. ووفقاً لتقرير وزارة البترول المصرية مازالت هنالك حقول مستكشفة من الغاز الطبيعي غير مستثمرة مثل منطقة غرب المتوسط ومنطقة دلتا النيل باحتياطي مقداره 232 تريليون قدم مكعب ومنطقة الصحراء الغربية بمقدار 100 تريليون قدم مكعب وخليج السويس ذي ال 112 تريليون قدم مكعب. إنّ هذا المشروع الكبير الذي يعرف بـ(Egypt Mega Project) سبقه بعشر سنوات شقيقه المشروع العراقي (Iraq Mega Project) وكلاهما كان ثمرة اجتماعات الدورة الوزارية لوزراء الكهرباء والطاقة العرب في الجامعة العربية التي شاركنا فيها و الّتي خرجت بقرارات مهمة مهّدت لاعتماد الطاقات المتجددة والمحطات الغازية المركبة ذات الكفاءة العالية في إنتاج الطاقة الكهربائية والابتعاد عن محطات الإنتاج التقليدية ذات الكلف الاستثمارية والتشغيلية العالية، حيث تضمّنت الخطة الاستراتيجية العراقية التي أطلقت في عام 2006 إضافة قدرات توليدية جديدة ليكون العراق بها مكتفياً لتجهيز المواطن بالطاقة الكهربائية عام 2013 ومجابهاً النموّ السنوي المستقبلي، لتنتهي مرحلتها الأولى في عام 2015، على أن توفّر وزارة النفط الوقود اللّازم من خلال خطة وقودية ملزمة للطرفين. وتوسّعت الخطة فيما بعد إلى العام 2030 بعد تكليف مؤسسة بارسنز برنكرهوف العالمية في العام 2009 لإعداد التفاصيل والتصاميم الخاصة بقطاعات الإنتاج والنقل والتوزيع والتي تم إنجازها في شهر كانون أول 2010. لم تفِ وزارة النفط بالتزاماتها حسب الخطة الوقودية بتوفير كميات الوقود المطلوبة لتشغيل محطات إنتاج الطاقة الكهربائية وما يتطلّبه ذلك من إنشاء البنى التحتية اللازمة للصناعة النفطية من مصافي جديدة لإنتاج المشتقات النفطية تضمن تأمين تغطية التوسع في إنتاج محطات إنتاج الطاقة الكهربائية التي تعتمد أنواع الوقود السائل في تشغيلها، ومايزال إنتاج المشتقات النفطية في المصافي العاملة لا يلبّي الحاجة التشغيلية لمحطات إنتاج الطاقة خصوصاً بعد تضرّر أكبر مصافي العراق في بيجي على يد زمر داعش الارهابية، وقد انعكس ذلك سلباً على إنتاج الطاقة الكهربائية. اضطرّت وزارة الكهرباء إثر ذلك إلى استيراد كميات من زيت الوقود “الكاز أويل” بمعدّل 3 مليون لتر في اليوم، بينما استمرّت وزارة النفط في عدم جدّيّتها في استثمار الغاز المصاحب الذي يحرق بكميات مقدارها 1400 مليون قدم مكعب قياسي في اليوم والتي تكافئ إنتاج طاقة كهربائية من محطات غازية بسعة 4500 ميكا واط، ويعني هذا نزفاً مستمرّاً جرّاء حرق المزيد من الغاز الطبيعي المصاحب. يفاقم المشكلة عدم استثمار الغاز الحرّ الذي مايزال في مكامنه الغازية بمقدار 32.7 ترليون قدم مكعب موزعة في حقول عكاز، المنصورية، الخشم الاحمر، كورمور، السيبة وجمجمال بمعدّل إنتاج يومي بمقدار 1500 مليون قدم مكعب يومياً بعد استثماره ، وهو مكافئ لإنتاج 5500 ميغاواط من الطاقة الكهربائية من المحطات الغازية. و بسبب تقاعس وزارة النفط عن تامين الغاز الطبيعي الّلازم لتشغيل المحطات بإتاحة وكفاءة عاليتين فقد اضطرت وزارة الكهرباء في عام 2010 إلى التفاوض مع الجانب الايراني لتجهيز بعض المحطات الغازية التي أنشأتها وزارة الكهرباء ضمن العقود الاستراتيجية (Iraq Mega Project) في المنطقة الوسطى والجنوبية – بالغاز الطبيعي من خلال أنبوبين في المنطقة الوسطى بكميات تصل إلى 800 مليون قدم مكعب قياسي في اليوم والمنطقة الجنوبية بكميات تصل إلى 1000 مليون قدم مكعب قياسي في اليوم ولمدّة محددة لحين تنفيذ مشاريع استثمار الغاز المصاحب لإنتاج النفط واستثمار الحقول الغازية ضمن جولات التراخيص في عام 2014 والتي لم تكتمل إلى الآن في ظل سياسة نفطية مبنية أساساً على تعظيم إنتاج النفط الخام وبعيدة عن سياسة رُسمت لقطاع الطاقة في اجتماعات لجنة الطاقة الوزارية ومثبتة في الخطة الاستراتيجية لوزارة الكهرباء التي استُعرِضت فيها مرتسمات الطلب على الطاقة الكهربائية في عام 2020 و قُدِّرت بحدود 27 الف ميغاواط تتطلّب توفير 6000 مليون قدم مكعب قياسي من الوقود الغازي يومياً. وقدّرت الخطة مقدار الطلب على الطاقة الكهربائية في عام 2030 بحدود 40 الف ميغاواط تحتاج إلى 8000 مليون قدم مكعب قياسي في اليوم من الوقود الغازي كحد أدنى لتشغيل محطات الإنتاج الغازية.

إنّ الغاز الطبيعي المخطّط انتاجه بنوعَيهِ: الغاز المصاحب لاستخراج النفط والغاز الحرمن الحقول الغازية لايكفي لكامل إنتاج الطاقة الكهربائية في الوقت الحاضر ولا في المستقبل المنظور. والظاهرة الغريبة في السياسة النفطية في تصدير الغاز الطبيعي العراقي إلى الخارج- رغم حتمية عدم كفايته لاحتياجات إنتاج الكهرباء- ليست وليدة اليوم، بل هي استمرار لما قامت به الإدارات العراقية السابقة خلال العقد الأخير وإنّ الدوافع لهذا التصرف تُعدّ لغزاً يجب حلّه. وعندما تعلن وزارة النفط العراقيّة عن اتّفاق لتصدير الغاز العراقي إلى الكويت بكميات تصل إلى 200 مليون قدم مكعب قياسي باليوم، فعليها أن تطلع الرأي العام على الخلفيات والحسابات الاقتصادية المنطقية التي تبرر تصدير الغاز العراقي إلى الخارج حالياً أو في المستقبل المنظور. والسؤال الّذي يشغل بال المختصّين هو: كيف سيتمّ تأمين تشغيل محطات الطاقة الكهربائية بأنواعها في ظلّ تفرّد قطاع النفط في سياسة الطاقة وأمنها القومي؟

إنّ تأخير تنفيذ المحطات وتشغيلها ناجم عن التأخّر في تنفيذ تنصيب وتشغيل عقدي المحطات الغازية بسعة 12 الف ميغاواط كمرحلة أولى بدورة بسيطة و بسعة 18 الف ميغاواط كمرحلة ثانية وحسب البرنامج الزمني الدقيق المرفق في الخطة الاستراتيجية والمتزامن مع الجدول الزمني لوصول معدات المحطات، فضلاً عن عدم الالتزام باعتماد قائمة الشركات العالمية المتخصصة المؤهّلة في أعمال تنفيذ وتنصيب محطات الإنتاج الغازية والتي تم ترشيحها من خلال مؤتمرين دوليين، و التعاقد مع شركات غير مؤهّلة فنياً وماليّاً بدلاً عن ذلك. ومازالت محطّتا الناصرية والسماوة غير منفّذتين بسبب مغادرة الشركات المنفذة عملها لعدم كفاءتها. كما فُرِضَت على وزارة الكهرباء في عامي 2014 و2015 أربعة مشاريع إنتاج استثمارية بسعة إجمالية قدرها 8340 ميغاواط لإنتاج الطاقة الكهربائية خارج السياقات الفنية والقانونية التي وضعتها الشركة الاسكتلندية “آي بي أي” المتخصصة في بناء المنهاج الاستثماري لقطاع الطاقة الوطني والتي تعاقدت معها الوزارة في العام 2009 ما اضطرّ وزارة الكهرباء إلى الاستمرار في تشغيل المحطات باستخدام أنواع الوقود البديلة بكفاءة منخفضة وبكلف تشغيلية عالية حتى تاريخه. فماهي الجدوى من تنفيذ مشاريع الاستثمار في بيئة غير مهيّأة استثمارياً، وما الذي تحقّق من إضافة قدرات توليدية جديدة من مشاريع استثمار غير مدروسة عُطّلت فيها قدرات إنتاجية متاحة لمحطات الإنتاج العاملة في منظومة الطاقة الوطنية؟ وهل كان هدف التعاقد لإنجاز هذه المشاريع إعلامياً سياسياً للانتقال إلى الاقتصاد الاستثماري أم نتج عن الجهل بتبعات التعاقدات الاستثمارية؟ إنّ هذا سيستنزف الموازنة التشغيلية بمبالغ شراء تصل إلى أكثر من ملياري دولار سنويا ناتجة عن شراء الكميات المنتجة تعاقدياً -عدا عن كلف الوقود المجهز- وبأسلوب شراء ملزم (خذ/ادفع) وهي مبالغ لايمكن الحصول عليها من إيرادات الجباية لأسباب فنية ومالية وإدارية. ويحقّ لنا بعد ذلك أن نتساءل بكل صراحة أيضاً: هل كان الإعلان عن توقيع مذكرتي تفاهم مع شركتي جي اي الامريكية و سيمنز الالمانية لتطوير المنظومة الكهربائية لمشروعين غير قابلين للتنفيذ إعلاناً سياسياً لامتصاص غضب المواطن في تظاهراته؟

إنّ الصيف القادم ليس ببعيد، و سيدرك العراقيّون بعضاً من الأسباب الحقيقيّة لأزمة الكهرباء بعد أن أصبح قطاع الكهرباء حقلاً لتجارب الكتل السياسية، وسيقارن كذلك وضع هذا القطاع في ظروفه في العراق مع بلدان اخرى وفي ظروف اخرى.

Leave a Reply