
Mazin Al-Baldawi
Stone art by Woods Davy
Synopsis
We grow up influenced by social and cultural environments surrounding us. These include educational attainments and religious faith, comprising a personal database. This database will shape our criteria for logical understanding that guide us to distinguish the absurd from the rational.

يكبر الناس من خلال قوالب اجتماعية وثقافية مختلفة تحت تأثير عدة عوامل مختلفة بما في ذلك التعليم والإيمان الديني الذي يشكّل قاعدة بيانات كل شخص. ومن ثم ستشكل قاعدة البيانات هذه معاييرنا للفهم المنطقي الذي يرشدنا إلى التمييز بين الواقعي واللا واقعي من الأحداث.
꧁꧂
بين المعقول واللا معقول: إمكانية الحوار والانتقال
يتحاور الكثير منا مع نفسه بصدد عدد لا محدود من المفاهيم والتسميات والمصطلحات اللغوية التي تستوطن بيئتنا المعرفية ونتعامل معها كل يوم لأنها جزء لايتجزأ من أحداث حياتنا اليومية التي تشكل الحاضر الذي نعيشه وتخطّه عقولنا على أوراق الزمن فندعوه بالماضي هذا إن عبرنا جدار المستقبل. قد يكون او قد لايكون مهماً للكثير منا أن يتعامل مع احداث يومه المختلفة من خلال هذين المفهومين اللذين تصدرا عنوان هذه الورقة لأن الإنسان وبشكل طبيعي يختلف مع أي إنسان آخر بطريقة التفكير والوعي والإدراك والتصرف بناءا على محتوى مكتبته المعرفية ومقدار الخزين الذي تكتنزه بالأضافة الى تنوع ذلك الخزين.
مما لاشك فيه أن أغلبنا يعرف قطعاً بأن الإنسان يبدأ بتشكيل مكتبته المعرفية منذ نعومة أظافره ومن خلال بيئته يتعلم الكثيرمما تمليه عليه عائلته من ثقافة منقولة إرثا كعادات وتقاليد، او مستحدثة بالإضافة الى ما يمليه عليه أصدقاؤه فيما بعد خلال سني عمره ، ناهيك عن ما سيقوم بنهله من مشارب القراءة والاطلاع والاستماع الى المصادر الأخرى المتنوعة.
أسئلة أساسية
يبدأ الإنسان خلال سني حياته بالتقلب كثيرا في ما يتقبله ويرفضه خاصة مايتعلق بالفترة العمرية الكائنة مابين الثانية عشرةالى الثامن عشرة سنة من عمره حيث يمر أمام ناظريه ويتناهى إلى مسمعه الكثير من المفاهيم والمصطلحات التي يبدأبعرضها على مالديه من مُرْشَحاتٍ أساسية في عقله لتشكل عنده ماهو “المعقول” وماهو “اللا معقول” من خلال مرشح (فلتر) “المقبول” و”اللا مقبول” وبحسب الخزين المعرفي الذي كونه.
ندرك بالتأكيد أن اختلاف وجهات النظر بين الأفراد هو حصيلة مؤكدة لما ذكرنا أعلاه عن كيفية نشوء المكتبة المعرفية ووضع مرشحاتها فيما بعد، ولذا فإن تأثير العوامل المذكورة يلعب دورا كبيراً في صناعة المَرْشِحَيْن الأساسيين في حياته وهما “المعقول واللامعقول” حيث تختلف ثقافات المجتمعات فيما بينها في عدد من المفاهيم والتصرفات والكلمات وهي تقع داخلمدينة واحدة او داخل بلد واحد، فما بالك بالاختلاف بين المجتمعات والشعوب حول العالم.
جسر بين المفهومين؟
الحقيقة أن هذين المفهومين يشكلان إطارا أساسيا لفلسفة حياة الفرد منا حيث ينطلق من خلالهما الى العالم الأوسع المحيطبه والأحداث التي تتعلق بهذا العالم خاصة تلك المتعلقة بالكون والوجود وما اليهما من فلسفات الماضي البعيد أو القريب حتى أنها قد تكون وليدة الزمن الحاضر.
فلو تطرقنا لما كان يراه أفلاطون من إمكانية الجمع والتداخل بين المفهومين المتضادين ليشكلا فلسفة بعد تجريد “اللا معقول” من ثيمته الميثولوجية التي تمليها الأسطورة على عقول الناس خاصة تلك الواردة إرثاً منقولا شفاهيا او كتابيا وصل الى درجة الإيمان القطعي بحقيقة التواجد من خلال الإستدلال العقلي المبني على ذلك الأرث ومدى تركيزه وقوته. قد يرى البعض بأن الفجوة الماثلة بين هذين المفهومين يمكن تجسيرها بسهولة، الا انها قطعاً ليست بتلك السهولة التي يمكن تصورها لأنها تتطلب شجاعة فوق العادة تأخذ بصاحبها الخروج من شرنقته او شرنقاته المتعددة التي تشكل عنده التمسك بخزين مكتبته المعرفية وتقوده في كثير من الأحيان الى “التصلب والراديكالية والتعصب” الى فضاء امكانية القبول بوجهة النظر الأخرى لفرد قد يتبع او لا يتبع بيئته المحيطة.
“فلو نظرنا الى واحدة من أهم القضايا التاريخية التي يمكن ان تكون مثالا واضحا على عنوان مقالنا هذا وهي التي تشيرالى التغير الكلي في موقف الكنيسة الكاثوليكية في روما إبان القرون الوسطى من “اللامعقول الى المعقول” بإيمان قاطعوثقة كاملة قوية وبقرارات شجاعة قام بها قادتها الى التوقف واعادة النظر ومن ثم التغيّر في موقفها، لوجدناها مثالا واضحا على امكانية تغير المفاهيم المشار اليها في حديثنا هنا.
فعلى الرغم من ان التغيرات الجوهرية التي طرأت على توجهات المؤسسات الدينية الكبرى في المجتمعات الأوروبية خاصة بعد قبول نظرية غاليليو عام 1610م التي أكد بها نظرية كوبرنيكوس حول مركزية الشمس عام 1543م والتي رفضتها محاكم التفتيش التابعة للكنيسة الكاثوليكية في روما ولم توافق على نشر كتبه وابحاثه، الا انها عادت لتعتذر عن افعالها تلك في عام 1741م بعد سلسلة مطولة من النقاشات التي اقامتها محكمة الفاتيكان العليا التي أدت إلى أن يصدر البابا حينها أمرا بطبع مؤلفات غاليليو ، وصدر تصريح آخر بطباعة كتاب كوبرنيكوس عام 1822م، وقدمت الكنيسة اعتذارا إلى غاليليو على لسان البابا “بيوس الثاني عشر” عام 1939 بعد فترة قصيرة من تسنمه منصبه وتوالت الأحداث على هذا المسار حيث قدم البابا”يوحنا بولس الثاني” عام 1992م اعتذارا باسم الكنيسة تجاه الإساءات التي وجهتها إلى غاليليو أمام محكمة الفاتيكان.
تعدّ الكنيسة الكاثوليكية واحدة من أهم المؤسسات الموجودة في تاريخ البشرية نظرا الى دورها الكبير خلال ألفي سنة تقريبا من التاريخ وتأثيرها على الكثير من الأحداث التي حصلت في عدة مناطق من العالم، وهي تمثل واحدا من أهم الأمثلة على إمكانية التراجع عن التشبث بالراديكالية، بل إمكانية تغيرها وقبول الرأي الآخر ليصبح “اللامعقول معقولا”، حيث نرى من مثال “غاليليو غاليلي” أن مفهوم “المعقول” لديها كان يستقر عند نظرية “كلوديوس بطليموس (100 – 180م)” القائلة بدوران الشمس والنجوم حول الأرض حيث تمثل الأرض مركز الكون وأيدته في ذلك بحسب فهمها لما جاء في الكتاب المقدس عند أعمال الله في اليوم الرابع والإشارة الى ماجاء في:
1. سفر التكوين: 1: 19
2. مزمور 104: 5
3. أيوب 26: 7
4. أشعياء 40: 22
إلاّ ان هذا التراجع يمكن أن يعد بمثابة تحول كبير في الموقف من حالة “المعقول” الذي كانت تؤمن به الكنيسة وأتباعها انطلاقا مما ذكر في الكتاب المقدس واثبته وأكد عليه رجال الدين القائمين على الأمر حيث ينهل العامة منهم ما يجوز ومالا يجوز الاعتقاد والإيمان به، الى حالة “اللا معقول” الذي كانت لاتؤمن به وتعتبره هرطقة تعاقب من يقوم بها حيث تتنافى مع المنطق والمعقول حسب مايراه الفيلسوف الفرنسي أندريه لالاند (1876 – 1963م) عند حديثه عن “المفهوم”. وهنا يمكن القول أن التغيير وتبني الكنيسة لطرف الضد من هذا الطرف الى ذاك بكل قناعة وإيمان بقي يتجدد اتساقاً مع ما طرحته البحوث العلمية التي أدركت ان ماقيل سابقا لم يكن سوى تصورا متخيلا بناءاً على اقوال جرى سردها نقلا عن هذا او ذاك أو قاله بطليموس. فهل كان ما حدث حوار يبدأ بين
المعقول واللا معقول؟
إنه التغيير…
إن عملية الانتقال التي أشرنا اليها تضم تعريفا واضحا وجليّا لمصطلح “التغيير”، هذا المصطلح الذي اعتبره واحدا من أهم متلازمات الوجود حيث لا شيء هناك في الكون لم يتعرض للتغيير عبر التاريخ بفعل كثير من العوامل وعلى مختلف المسارات المادية والمعنوية.
فجميعنا تغيرنا جسديا وفكريا واختلفت طرق تعاطينا مع الأحداث حولنا باعتبار تغير مفاهيمنا للأشياء وللأمور خاصة تلك التي اعتقدنا في فترة من حياتنا انها تمثل “المنطق”، ذاك “المعقول” الذي اعتادت عقولنا على استيعابه وفهمه بموجب نظام المعايير الخاص بكل واحد منا حيث نختار ما نتقبله اثناء الحوار حول أمر ما أو نرفضه. لكننا أجبرنا انفسنا على الانتقال بسلاسة في كثير من الأحيان من هذا الطرف إلى ذاك بعد ان أحاطت بنا عوامل التغيير ابتداءا من الأشخاص المحيطين بنا وصولا الى طبيعة البيئة التي تحولنا اليها وطبيعة قراءاتنا الثقافية والفكرية.
في حقيقة الأمر يصعب على الفرد بمكان ان يحيط بكامل الحيثيات التي تحيط بهذين المفهومين المتغيرين اللذين نكتبسطورنا هذه تحت عنوان يشير اليهما نظرا لسعة الأفق المحيط بهما وإلى عمق التجارب العديدة التي مر بها الناس حيثيكون أحدهم في وقت ما رافضا لمفهوم ما ومن ثم يتقبله بعد حين فيصبح معقولا بعدما كان غير ذلك. واذا استعنّا بمثال علىذلك فنستطيع القول بأن كثيرا من الناس ينظر الى الحالات التالية من خلال المفهومين على حد سواء فمنهم من يعتبرها أمرا”معقولا” ومنهم من يعتبرها أمرا “لا معقولا”:
1. الكائنات الفضائية
2. وجود حضارات في كواكب بعيدة في الكون
3. الروح البشرية
4. السفر عبر الزمن
5. العمالقة
6. الكائنات الخرافية مثل التنين
يكاد مفهوما “المعقول واللا معقول” ان يلازما كلا منا من خلال تعاملنا اليومي مع الأحداث حيث نستعرض جملة كبيرة من الكلمات والصياغات التعبيرية من الأشخاص الذين نتعامل معهم او ذلك الذي نقرأه على صفحات الإنترنت اليوم في أغلب الأحيان حيث نقوم باستعقال هذه الكلمة او التصرف او الممارسة او الرأي ان كان نقدا او توجيها او نصيحة الى غيره من اصناف الكلام. ومن خلال هذا يبدأ المرء في اتخاذ مايمكنه التأثير على مسار حياته اختيارا بين ذاك المتصلب الذي لايرىامكانية ان تكون المعاني الا بالطريقة التي يعرفها هو فقط وهذا مايسمى بالعقل الجامد Rigid Mind فينغلق على حالهولربما يؤثر على عائلته والمحيطين به بشكل كبير وقد يتمادى في رفضه التغيير ليصبح راديكاليا Radical او متطرفاً فكرياًExtremist وخاصة اولاءك الذين ينتمون الى المدارس الفكرية او الدينية القديمة وعند مناقشة فكرة الوجود والخلق والتكوينوالمآل وهكذا.
ومن خلال المقال لابد ان نعرج قليلا لنتعرف على رأي واحد من الشخصيات المؤثرة في الأدب الحديث حيث يذكر “ألبير كامو” عما هو كائن بين الإنسان ومحيطه الوجودي الكبير والسيناريوهات التي تدور بينه وبين نفسه في كثير من الأحيان حول علاقات السبب والنتيجة، غير أن أهم ماقاله للفلاسفة الوجوديين “إن من يشعر باللا معقول فسيرتبط به أبدا” وبهذا القول يذهب باتجاه الربط بين اللامعقول والعبث، وهذا مفهوم آخر قد لا أتوافق معه شخصياً، وإن كان هنالك ارتباط ضمني لا بد من الاعتراف به إلا أنه يظهر بشكل أكبر عند التوجه نحو ارتباط اللامعقول مع الفلسفة العدمية.
---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل