محطَّات 

شذا الخطيب

على عتبة محطَّة القطار أقف في حيرة وحقيبتي على الأرض تنتظر منِّي حملها. تجمَّدتُ دقائق وكأنَّني فارقت الحياة، وفي يدي بطاقة الصعود كوَّمتها بيدي بقوة . تتساقط دمعاتي دون أن أدري. قلبي الباكي ذاب حزناً حتى غسلتْ وجهي عبراتي. بدوتُ كتمثال مهمل يقف في محطَّة قطار قديمة. أصوات المسافرين وجريُ أولادٍ حولي وصوت القطار يعلن عن الرحيل؛  اصطدم بي ولد مسرعٌ ففقت من شرودي وحملت حقيبتي بصعوبة وركبت القطار. جلست أنظر من النافذة وروحي تدعوني للنزول، للعودة والنسيان والغفران. أرى الوجوه الصامتة، هل هم مثلي؟ يبدو عليهم خلوُّهم من الهمِّ، وكأنَّ الهمَّ اختارني. ماذا أقول عن قلبي الجريح حين سلب مني ملاكي الصغير؟ أين هو العدل الإلهي الذي لم ينصف أمَّاً بعد سنوات من التعب؟! أخرجت صورة صغيري، تأمَّلتها وتمنَّيتُ أنَّني لم أنجبه ولا أعيش أسى فراقه. أبوه مزَّقني بنظراته اللوَّامة وكأنِّي السبب في موته. يا ليته تحمَّلني وأزاح عني همِّي. يا ليته تركني أعيش في بيت فيه ذكريات طفلي. يا ليته جعلني أنجب غيره.

تحرَّك القطار وأنا أتمنَّى تصديق الواقع. فتحت حقيبتي وأخرجت ورقة طلاقي وقصاصة ورق من جريدة عن حادث ابني؛ صور من جنازته وصور من محاكمة الجاني. يا إلهي اِرحمْ قلبي. بكيت حتَّى انفطر قلبي وسقطت مغشيَّاً عليَّ في مقعدي. دنا منِّي شابٌّ لطيف وفي يده قنينة ماء، تجرَّعت قليلاً من الماء بمساعدته وغسلت وجهي. نظرت إليه غير راغبةٍ برؤية أحد. حاولت النوم؛ كان ينظر لي باستمرار وكأنَّه يسألني ما بي.  صارحته فتعاطف معي كأيِّ عابر سبيل بكلمات تصبِّرني. وكأنَّني بها سأغيُّر مجرى حياتي!  

وصل القطار وسألني أن يتواصل معي، لم يعد قلبي قادراً على تحمُّل صدمات أخرى وتعلُّق جديد قد يأخذ ما تبقَّى منِّي.

وصلت إلى بيت أبي والنظرات تحاول أن تبتسم، تجاملني بالمواساة. أسير كالقطار؛ أحمل كل شيء ولا أشعر بشيء. رميت جسدي على فراشي القديم وتحسَّست بطني التي حملتُ بها أغلى شعور. آه كم تمنَّيت حينها أن أعود بنتاً، وكم تمنَّيت لو أنَّني لم أتزوج ولم أنجب! 

يكلِّمني الجميع وآكل وكأنِّي كالنار، آكل وأفعل وأحرق كلَّ شيء دون مبالاة. 

مرَّت الأسابيع ويوماً بعد يوم أحسست بالإعياء. حملوني. ربَّما متُّ في لحظات، وأيقظوني لأرى ابتسامة على وجوههم. ماذا، هل أنا في الجنة؟ إنَّها وجوه أهلي. هل انتقلنا جميعاً إلى دار الخلد؟ صوت أمِّي الضاحك الممزوج بالدموع تهمس كلاماً وكأنَّه حلم: إنَّك حامل، حبيبتي. توقَّفَ نفَسي للحظات وكأنَّ روحي التي نُزعت مني رُدَّت. عادت بفضل من الرحمن. 

جاء طليقي يسألني العودة فلم أردَّ عليه. لم يعد يشغلني شئ غير طفلي. لم تعد تحبُّني ولم أعد أهواك. بيننا طفل راح وطفل قادم. هذا كلُّ شيء، وسيظلُّ هذا كلَّ شيء .

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply