مظاهر خدَّاعة

سعد عبد القادر ماهر 

سمع الكثير عن الجوانب الإيجابيَّة فيها وأنَّ فيها ما يحقق طموحاته وحلمه، وسمع من أصدقائه الذين سبقوه إلى الهجرة إلى تلك البلاد عن عدالة النظم الاجتماعية وتوفير الفرص في العمل وما تشتهر به البلاد من التقدم التكنولوجي، حتَّى ظنَّها جنَّة على الأرض حيث يمكن للمرء أن يعيش حياة كريمة، أمَّا طبيعتها الخلَّابة فقد جعلتها قِبلة للسّيَّاح من أنحاء العالم.

عندما وصل طاهر إلى البلد الجديد انبهر بجمال الطبيعة والتنظيم الحضري الرائع. كان كلُّ شيء يبدو كما كان يتوقَّع أو ربَّما أفضل. وبدأ يشعر أنَّ حياته هنا ستكون مليئة بالإيجابيات والتجارب الرائعة. مرَّت أسابيع قليلة ثمَّ بدأ يلاحظ ما لم يكن يتوقَّعه. 

كان يشعر أحياناً بنظرات غريبة تُوجَّه إليه في الشوارع ونادراً ما كان يحظى بالابتسامات التي اعتاد أن يراها في بلده الأمِّ. حاول تجاهل الأمر معتقداً أنَّ الناس قد يكونون متحفِّظين بطبيعتهم.

بعد جهد مضنٍ حصل على عمل في مطعم وقبِل بوظيفة نادل حتَّى يجد فرصة أنسب. أثناء محاولته التَّعرُّف إلى زملائه في العمل لاحظ أنَّ ثمَّة فجوة كبيرة بينه وبينهم. لم يكن الأمر اختلافاً في الثَّقافة وحسب بل كان يشعر بأنَّ هناك حاجزاً غير مرئيٍّ يمنعه من الاندماج بهم، فعلى الرَّغم من محاولاته المستمرَّة التَّقرُّبَ منهم لم يكن يُعامل كواحد منهم. كانوا دائماً يتحدَّثون معه بلطف لكن بطريقة يشعر فيها بأنَّهم يرونه غريباً، كأنَّه لا ينتمي إلى مجتمعهم.

بدأ طاهر يتساءل عن السبب وراء هذه المعاملة، حتَّى جاء اليوم الذي واجه فيه الحقيقة المرَّة. كان جالساً في مقهى يتناول قهوته المفضَّلة عندما سمع مجموعة من الأشخاص يتحدَّثون عن الأجانب بطريقة مهينة. كان النقاش يدور حول كيف أنَّ الأجانب، بخاصَّةٍ من مناطق معينة، ليسوا موضع ترحيب في بلدهم. شعر بصدمة كبيرة فقد كان يعتقد أنَّ هذا المجتمع متفتِّح ومتسامح مع الجميع، وتحوَّلت الصورة المثالية التي كانت في ذهنه إلى كابوس. أدرك أنَّ هناك جزءاً من هذا المجتمع مغطَّى بظلام العنصرية والخوف من الغريب. ثمَّ صارت حياته في هذا البلد تشعره بالوحدة والانعزال.

تعلَّم طاهر درساً مهماً من هذه التجربة. فهِمَ أنَّ ما يسمعه عن الثقافات والتقاليد قد يكون مجرَّد قشرة تغطِّي حقيقة أعمق قد تكون مؤلمة. تعلَّمَ ألَّا يحكمَ على مجتمع من خلال ما يراه من الخارج بل بالتجارب الشخصية والمعايشة اليومية.

غير أنَّ ما تعلَّمه طاهر خلال رحلته لم يسعفه في اتخاذ القرار المناسب في الاختيار بين البقاء أو الرحيل عن البلاد والعودة إلى بلاده؛ لذا قرَّر أن يتعامل مع واقعه الجديد بطريقة إيجابية ولا ينجرَّ وراء من يتنمَّر عليه أو يسمعه ألفاظاً عنصرية، وأن يثبِّط ردود أفعاله ويضبطها لئلَّا تؤدِّي إلى الأسوأ. لكن ظلَّ هاجس ردود الأفعال العنيفة تجاهه يلاحق تفكيره. 

خروج مواطني البلاد في احتجاجات ضد الأجانب وسقوط أحدهم مطعوناً بسكين ساعد طاهر على حزم أمره للانتقال إلى بلد آخر في محاولة أخيرة للاستقرار، بلدٍ الناسُ فيه أكثر إيجابية، ثقافته قريبة من ثقافته وعاداته مشابهة لعاداته.

مهمٌّ أن نفهم الثقافات بشكل أعمق وألَّا ننخدع بالصورة المثالية التي تُروَّج عن بعض المجتمعات.

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply