حين وقفت وحدي

غادة عريم

هي أشبه بنبتة برِّيَّة كلُّ شيء حولها صحراء قاحلة و كلُّ من حولها أشواك  تخاف وخزاتهم. بعد الهجرة من البلد الأم نكتسب قوة إضافية الى قوتنا و نتمتع بمهارات لم نكن نعلم أننا نملكها. فهل يا ترى القوة مكتسبة أم نخلق معها فنعثر عليها بداخلنا عندما تعصف بنا الدنيا بقوة.

لم يخطر على بال صفيَة يوماً أنَّها ستكون وحدها ومسؤولة عن نفسها؛ فتبدأ سلسلة أخطاء تدفع بها ثمن سنين عاشتها من الكبت والحرمان وتواجه رياحاً  مختلفة الاتجاهات، من عواتي الزمن تارة ومن البشر تارات.

بعد العمل تعود الى تلك الغرفة الوحيدة التي استأجرتها بعد أن أضطرت لمغادرة بلدتها التي أصبحت ركاماً تحت قصف الطائرات،  تأكل ما حصلت عليه من أجر تنظيف البيوت وتنام متكورة على نفسها مختبئة تحت غطاء خفيف وتحاول تدفئة نفسها من البرد بملابسها السميكة، ليبدأ ليل طويل تقضيه وحيدة تنتظر الصباح لعل قدرها يتغير.

نعم إنَّها صفيَة المهندسة الناجحة… تحوَّلت  مع انعكاسات القدر الى إمرأة تنظف البيوت وتكوي ملابس  الآخرين بحثاً عن لقمة خبز بعد أن ضاع وطنها فضاعت هي في ركام الحياة. 

في أحد الأيام دق عليها جارها سام الباب حاملاً لها صندوقاً يحوي أشهى المأكولات وقال لها: “جئتك ببعض ما حصلت عليه من طعام من عملي في المطعم. لا أملك المكان الكافي له في برَّادي فأقبليه مني.”

شكرته وأغلقت الباب. أكلت بشهية فمنذ أن هاجرت لم تتذوق اللحم ولا الخبز الطازج، وعائلتها ما زالت تعيش في بلدها الأول… حرب وحرمان و شظف عيش، فلا تستطيع الاتصال بأهلها لتشكو معاناتها. 

مجرد فكرة الهجرة لوحدها للعيش بكرامة وسلام معيار للقوة التي يمتلكها البشر سواء كان رجلاً أم إمرأة. وخلف كل قصة حلم يطارده صاحبه يمضي به قدماً لتحقيق ذاته تمكُّن وصقل شخصية.

وقصَّة صفيَّة التي وصلت إلى إحدى الدول الأوربية بعد رحلة عناء دليلٌ على أنَّ الإنسان قادر على أن يحوِّل التحديات إلى دروب أمل و إنجاز.

صفيَّة التي تركت بلدها وهي في العقد الرابع تمكنت بعد معاناة عشر سنوات من إتقان اللغة والتخصص بالمكتبات وحصلت على وظيفة في مكتبة في مدينة صغيرة.

هذا مختصر لما مرَّت به صفية خلال عشرسنوات، لكنَّه لا يختصر الصعاب التي مرَّت بها وهي تخطو تلك الخطوات.

تعرَّضت للاغتصاب وهي في طريق الهجرة فعالجت ألمها بالصبر، وجعلت من جراحها نقطة انطلاق لتحدِّي هذا العالم الذي يرى المرأة مخلوقاً ضعيفاً، واكتسبت القوة من ماضيها لتكمل الطريق. لا أحد يعلم كم بكت وهي تلملم أجزاء جسدها بعد الحادث مختفية عن الأنظار. 

 في صباح مشرق قرَّرت أن تجعل هذا الألم وقوداً يغذِّي إصرارها. والمرأة القوية لا تنتظر الفرصة بل تصنعها بنفسها وتثبت أنَّ الأحلام لا تعرف المستحيل. 

تقول صفية: “مشاعر الخوف تحولت إلى قوة واستطعت الخروج من النفق المظلم وبدأت أتعرف على أناس جدد يمنحونني الطمأنينة، فبعد تلك الحادثة اكتسبت قوة جبارة وتعلمت المواجهة. خرجت  إلى بلاد لا أعلم عنها شيئاً. تلقيت كل المساعدة الممكنة: بيتاً جديداً وسريراً جميلاً. كلُّ شيء مُتاح هنا. كلُّ شيء سهل. وأنا حرَّة.”

وها أنا أتحرَّر من العار. يا لها من متناقضات لا تنتهي. العدالة مفقودة فالحياة لا تعطينا دون مقابل. هنا لا أحد يعرف عني شيئاً سوى ما سأختار لأقوله.

السنوات الأولى كانت صعبة ولم يكن سهلاً  أن أثبت وجودي وسط هذا البرد القارس ووسط كل هؤلاء البشر الجدد في حياتي. كنت وحيدة. 

نعم وحيدة لكن قوية، فبعض ما نمر به في الحياة يمنحنا الفرصة لنصبح أكثر قدرة على التحكم في حياتنا وقدراتنا. وتلك القوة نسيطر بها على المؤثرات الخارجية ونتقن القيام بما نريد لمهارة نكتسبها في رحلة الحياة. 

ليست صفيَة الوحيدة من النساء االلاتي أثبتن وجودهنَّ في هذه الحياة لكن مثل قصَّتِها مئاتٌ من قصص النساء اللاتي يمتلكن الشجاعة والحكمة مع الصلابة والرِّقَّة ولا يعتمدن على أحد لتحقيق أهدافهنَّ وتحديد قيمتهنَّ. 

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply