ابنُ الرُّوميّ

ابنُ الرُّوميّ  هو عليٌّ بنُ العبَّاس بن جريج، شاعرٌ وصَّافٌ متفنِّنٌ روميُّ الأصل، كان جدُّه من موالي بني العبَّاس. ولد في بغداد عام 221 للهجرة/836 للميلاد.

 قال ابن خلِّكان عنه إنَّه: “صاحب النَّظم العجيب والتَّوليد الغريب، يغوص على المعاني النَّادرة فيستخرجها من مكانها ويبرزها في أحسن صورة ولا يترك المعنى حتَّى يستوفيه إلى آخره ولا يبقي فيه بقيَّة.”

وهو شاعر مطبوع مُجيد غير أنَّ المصائب تتابعت عليه الواحدة تلو الأخرى حتَّى صار طبعُه التَّشاؤمَ ومنهجُه الشَّكَّ وسوءَ الظَّنِّ، وهو القائل: 

 عدوُّكَ من صديقكِ مستفادُ       فلا تَـستـكْـثِرَنَّ من الصِّحابِ

فــإنَّ الـدَّاءَ أكثــرَ ما تــراهُ       يحولُ من الطَّعامِ أو الشَّرابِ

إذا انقلبَ الصَّديقُ غدا عدوَّاً     مُـبـيـناً، والأمورُ إلى انقــلابِ

ونقم على الدُّنيا فمال إلى الهجاء وأكثرَ منه، وفي ذلك  قال المرزبانيُّ: “لا أعلم أنَّه مدح أحداً من رئيس أو مرؤوس إلَّا وعاد إليه فهجاه، ولذلك قلّت فائدته من قول الشِّعر وتحاماه الرُّؤساء”.  

مات ابن الرُّوميّ في بغداد مسموماً وقيل إنَّ القاسم بن عبيد الله وزيرَ المعتضد دسَّ له السُّمَّ. وكانت وفاته سنة 283للهجرة/896 للميلاد على الأرجح.

قال، من البحر الكامل، معاتباً صديقه:

لـي صـاحبٌ قـد كنـتُ آمُلُ نفعَهُ 

ســَبقتْ صــواعقُهُ إلـيَّ صَـبيبَهُ 

رجَّيْتُــهُ للنَّائبــاتِ فســاءني 

حـتَّى جعلـتُ النَّائبـاتِ حسـيبَهُ 

ولَمَـا سـألتُ زمـانَهُ إعنـاتَهُ 

لكــن ســألتُ زمـانَهُ تـأديبَهُ 

وعســى معــوِّجُهُ يكـونُ ثِقَـافَهُ 

ولعــلَّ مُمرضَهُ يكـونُ طـبيبَهُ 

يـا من بذلتُ له المحبَّةَ مخلصاً 

فـي كـلِّ أحـوالي وكنـتُ حبيبَهُ 

ورعيتُ ما يرعى ومِلتُ إلى الَّذي 

وَردَتْــهُ همَّتُــهُ فكنـتُ شـَريبَهُ 

   
   

أيسـوؤُني مَـنْ لـم أكـنْ لِأسوءَهُ

ويُريبنـي مـن لـم أكـنْ لأُريبَهُ 

مـا هكـذا يَرعى الصَّديقُ صديقَهُ 

ورفيقَـــهُ وشــقيقَهُ ونســيبَهُ 

أأقـولُ شـعراً لا يُعـابُ شـبِيهُهُ 

فتكــونَ أوّلَ عــائبٍ تشــبيبَهُ 

مـا كـلُّ مـن يُعطَـى نصيبَ بلاغةٍ 

يُنسـيهِ مـِن رَعْيِ الصَّديقِ نصيبَهُ 

أَنَفِسـْتَ أنْ أمـررتُ عنـد خصَاصةٍ 

سـببَ الـثَّراءِ وما وردتُ قليبَهُ 

إنـِّي أراك لدى الورودِ مُواثبي 

وإذا بــدا أمـرٌ أراكَ عقيبَـهُ 

ولقـد رَعَيْـتَ الخِصبَ قبلي برهةً 

ورعيـتُ من مَرعى المعاشِ جديبَهُ 

فرأيـتُ ذلـك كلَّـه لـكَ تافهـاً 

وسـخِطْتُ حظَّـك واحتقـرتُ رغيبَـهُ 

شَـهِدَ الَّـذي أَبـديتَ أنَّـكَ كاشحٌ 

لكــنَّ معرفــتي تَـرَى تكـذيبَهُ 

وإذا أرابَ الـرَّأيُ مِن ذي هفوةٍ 

ضــمِنَتْ إنابـةُ رأيـهِ تـأنيبَهُ 

ولقـد عَمِـرْتُ أظـنُّ أنَّك لو بدا 

منّـي مَعيـبٌ لـم تكـن لِتَعيبَـهُ 

نُبِّئْتُ قومــاً عـابَني سـفهاؤُهُمْ 

وشَـهِدتَ مَحْفلَهُـم وكنـتَ خطيبَـهُ 

عـابوا وعِبْـتَ بغيـرِ حقٍّ منطقاً 

لـو طـالَ رميُكَ لم تكن لتُصيبَهُ 

ونَكِرتُـمُ أنْ كـانَ صـدرُ قصـيدةٍ 

ذكــرايَ غُصْــنَ مُنعَّـمٍ وكـثيبَهُ 

فكــأنَّكم لـم تسـمعوا بمُشـَبِّهٍ 

قبلـي ولـم تتعـوَّدوا تصـويبَهُ 

الآنَ حيــنَ طلعــتُ كــلَّ ثَنيَّـةٍ 

ووطئتُ أبكــارَ الكلامِ وَثيبَــهُ 

يَتعنَّــتُ المتعنِّتُــونَ قصـائدي 

جَهِـلَ المرتِّـبُ منطقـي ترتيبَـهُ 

الآنَ حيـنَ زَأَرْتُ واسـتمعَ العِدا 

زأْري وأَنــذرَ كَلْـبُ شـَرٍّ ذِيبَـهُ 

يتعــرَّضُ المتعرِّضــونَ عـداوتي 

حـتى يُهِـرَّ لـيَ المُهِـرُّ كَلِيبَـهُ 

الآنَ حيــنَ ســبَقتُ كـلَّ مسـابقٍ 

فــتركتُ أسـرعَ جَريـهِ تقريبَـهُ 

يتكلَّــف المتكلِّفــونَ رياضـتي 

لِيُطِــلْ بــذاكَ مُعَجِّـبٌ تعجيبَـهُ 

وَ هَبِ القضاءَ كما قضيتَ ألم يكنْ 

فـي محـضِ شِعري ما يجيزُ ضريبَهُ 

هلَّا وقــد ذُوِّقْــتَ دَرَّ قريحــتي 

فَــذمَمْتَ حَـازِرَهُ حَمَـدْتَ حليبَـهُ 

بـل هَبْهُ عيباً لا يجوزُ ألمْ يكن 

مـن حـقِّ خِلِّـكَ أن تحـوطَ مغيبَهُ 

فتكــونَ ثَــمَّ نصـيرَهُ وظهيـرَهُ 

وخصــيمَ عـائبِ شـِعْرِهِ ومُجِيبَـهُ 

بـل مـا رضـيتَ لهُ بتركِكَ نَصرَهُ 

حـتَّى نَعَبْـتَ مـع السَّفِيهِ نعيبَهُ 

فَثَلَبْـتَ معنــى مُحسـِنٍ وكلامَـهُ 

ثَلبــاً جعلـتَ كَبَـدْيِهِ تعقيبَـهُ 

حــتَّى كأنَّــك قاصــدٌ تعـويقَهُ 

عمَّـا ابتغـاهُ وطـالبٌ تخييبَـهُ 

وأمَــا ومـا بيني وبينَـكَ إنَّـهُ 

عهــدٌ رعيْــتُ بعيـدَهُ وقريبَـهُ 

لـولا كراهـةُ أن أُملِّـكَ شـهوتي 

قهـرَ الصَّـديقِ محبَّـتي تَلـبيبَهُ 

أو أنْ أجـاوزَ بالعتـابِ حدودَهُ 

فــأكونَ عـائبَ صـاحبٍ ومَعيبَـهُ 

ســيَّرتُ قافيــةً إليـك غريبـةً 

مَــنْ ســيَّرَتْهُ تضـمَّنتْ تغريبَـهُ

   

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply