حين يحكم المهندسون… وحين يتجادل المحامون

قراءة في عقل الدُّول الحديثة وإسقاطات على الواقع العربيِّ والعراقيِّ

سعد عبد القادر ماهر

  صدر مؤخراً كتاب مثير للجدل بعنوان Breakneck: China’s Quest to Engineer the Future، أو “الصِّين والسَّعي لبناء المستقبل” للكاتب الأمريكي من أصل صيني دان وانغ تناول فيه مقارنة عميقة بين طريقتين مختلفتين في إدارة الدول: الأولى العقلية الهندسية التي تقود الصين، والثانية العقلية القانونية الجدلية التي تحكم الولايات المتحدة.

  يلخّص الكاتب فكرته بعبارة لافتة تختصر فلسفة الحكم في عصرنا الحديث:

“الصِّين أمَّة يقودها المهندسون، والولايات المتَّحدة أمَّة يحكمها المحامون.”

هذه المقارنة ليست مفارقة لغوية فحسب بل نافذة لفهم كيف تصنع الأمم مستقبلها أو تضيّعه.

 أوَّلاً: الصين – حين تُدار الدَّولة بعقليَّة المهندس 

  في الصين، يتقدّم العقل البنّاء على العقل الجدلي. أغلب أعضاء القيادة العليا في الحزب والدولة من خرّيجي الهندسة والعلوم التطبيقية. هؤلاء ينظرون إلى الدولة كمنظومة متكاملة تحتاج إلى تصميم دقيق، لا إلى مناظرة لا تنتهي. لذلك نرى الصين:

– تخطط لمشروعات تمتد عقوداً لا لدورات انتخابية.

– تبني مدناً وطرقاً وجسوراً في سنوات معدودة.

– تقفز بخطى متسارعة في الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والتكنولوجيا الفضائية.

  هذه هي إدارة المعادلة لا إدارة الجدل. القرارات تُتخذ بعد الدراسة ثم تُنفَّذ بلا تعطيل، الدولة تسير كآلة عملاقة متناسقة الحركة، لكنها تدفع ثمناً في مجال الحريات والانفتاح إذ تغيب النقاشات العامة لصالح الانضباط والتنفيذ.

ثانياً: الولايات المتَّحدة – حين تُدار الدَّولة بعقليَّة المحامي  

  أمَّا الولايات المتحدة فتعيش على النقيض، فمعظم قادتها من خلفية قانونية. حتى ثقافة المجتمع ذاتها قائمة على المرافعة والمطالبة والجدل القانوني. كل مشروع يخضع للمناقشة والاعتراض والدعوى القضائية. النتيجة: تأخير، تضخم في التكاليف، وضياع للزمن بين اللجان والملفات.

  القانون هنا يحمي النظام، لكنه أيضاً يقيد الحركة. فما كان ميزة في ترسيخ العدالة، تحوّل إلى عبء حين أصبح الجدل غاية بحد ذاته. إنها دولة تحترم القانون إلى درجة الشلل، في حين أن الصين تتجاوزه إلى الفعل.

ثالثاً: بين النَّموذجين… أين يقف العرب والعراق؟  

  حين ننظر إلى المشهد العربي نكتشف أنَّنا لا نعيش في نموذج المهندس ولا نموذج المحامي، بل في حالة ثالثة أكثر تعقيداً: إنها إدارة بلا فلسفة تتحرك بين الانفعال السياسي والتجريب الإداري وبلا رؤية هندسية شاملة ولا نظام قانوني مستقر. وفي العراق خصوصاً تتجلى هذه الإشكالية بأوضح صورها، فمنذ 2003، توزعت السلطة بين العنوانات السياسية والطائفية بينما غابت الكفاءات التخصصية. لا المهندس وجد طريقه إلى القرار ولا القانوني مارس دوره حارساً للنظام العام. النتيجة أن الدولة تدار غالبًا بعقلية الترضية لا التخصص، والمحاصصة لا الكفاءة. وحين تغيب فلسفة الإدارة تضيع الأولويات:

– البنى التحتية تُترك للمصادفات أو للمقاولات المتعثِّرة.

– الخطط الاقتصادية تُبدَّل مع كل دورة حكومية.

– التعليم والبحث العلمي يُنظر إليهما كعبء لا كاستثمار.

  في الصين، المهندس يخطِّط لعشرين سنة قادمة. في أمريكا، المحامي يفاوض على تشريع يدوم عقداً. أما في أغلب الدول العربية فالمسؤول يخطط لما بعد جلسة البرلمان القادمة فقط.

رابعاً: العراق بين الحاجة إلى “العقل البنّاء” و”الضمير القانوني”

  العراق اليوم فيه حاجة إلى تحالف جديد بين المهندس والمحامي، فالمهندس وحده يبني البنية التحتية لكنه يحتاج إلى منظومة قانونية تحمي عمله من الفساد والمساومات. والمحامي وحده ينظّم العلاقة بين الدولة والمجتمع لكنه بحاجة إلى عقل تنفيذي يترجم القوانين إلى مشاريع.

  الإصلاح الحقيقي يبدأ من تحويل الإدارة إلى هندسة والسياسة إلى منظومة من القواعد لا الولاءات. عندها فقط يمكن للدولة أن تتحرك بخطى مدروسة نحو المستقبل بدلاً من الدوران في حلقة الاضطراب والجدل.

خامساً: دروس من التَّاريخ  

  الحضارات، يذكّرنا الكاتب، تمرّ بدورات صعود وانحسار:

– القرن العشرين كان أمريكياً بامتياز.

– القرن التاسع عشر حمل بصمة بريطانيا وفرنسا.

– القرون الوسطى كانت عربية وإسلامية حين اجتمع العقل البنّاء والعقل الفقيه في منظومة واحدة.

  حين كان ابن الهيثم يبني التجربة العلمية والماوردي يؤصّل للنظام والرازي يطبّق المنهج كانت الأمة تقود العالم. لكن حين انفصل العلم عن الحكم والفكر عن القرار بدأ التراجع. واليوم، إذا أراد العراق والعرب أن يعودوا إلى مسار التاريخ فعليهم أن يعيدوا بناء الدولة بعقل المهندس ويحموا القانون بضمير المحامي. فلا نهضة بلا تصميم ولا عدالة بلا نظام.

في الختام، من الجدل إلى البناء 

  القرن الحادي والعشرون لا ينتظر من يبرر عجزه بل من يجرؤ على التصميم والتنفيذ. الأمم التي تبني مستقبلها لا تكتفي بتفسير الواقع بل تعيد هندسته. ولعلَّ أخطر ما يمكن أن يصيب أي دولة هو أن يتحكم فيها السياسي دون رؤية أو يحكمها القانوني بلا مشروع أو يُقصى عنها المهندس والعالم والمفكر.

  إنَّ درس الصين ليس في صعودها فقط بل في إيمانها بأنَّ الإدارة علم والتقدم مشروع والإنجاز نظام. أما نحن، فما زلنا نعيش مرحلة “الجدل قبل الفعل” و”القرار قبل التفكير” ولعلَّ البداية الحقيقية للإصلاح أن نسأل أنفسنا بصدق:

هل نريد أن نحكم كمهندسين نصمِّم المستقبل أم كمحامين ندافع عن الماضي؟

 

 

 

 

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply