الصدفة… وما أدراك ما الصدفة؟

علي منير حرب

جاء في العنوان الذي تمّ طرحه لمحور هذا العدد من مجلتكم: «صدفة … وغير ذلك»؟ 

توقّفت متأملًا أمام عبارة «وغير ذلك!» وتساءلت:

– هل «غير ذلك»، ترمي إلى إظهار ما غاب عن أذهان الناس، الذين دأبوا على إطلاق لفظة «الصدفة»، بمحمولها الراسخ في نفوسهم، والرائج على ألسنتهم، والمعتمد في موروثاتهم وأدبياتهم وتعليقاتهم اليومية، وبما يثيره هذا المصطلح من عوامل الدهشة والانفعال، وخلق شعور قوي بالمفاجأة، تجاه أمر خارق للتخطيط، ومدعاة للحيرة، ومحدِث لرجة وجدانية، تضع صاحبها أمام علامات استفهام عصيّة على التفسير؟ 

– أم هي تهدف إلى تبيان مدى الاشتباك العصيّ على الفضّ، والذي أحدثه مصطلح «الصدفة»، بين العلماء والأدباء؟

لم استغرق طويلًا حتى أيقنت أن الاحتمال الأول، لا يبدو مقصودًا في السؤال، بعد أن استقرّ في الوجدان، أن الصدفة، حسبما يتمّ تعريفها وتداول معناها في ثقافات الشعوب المختلفة، هي ترجمة واقعية للتلازمية المعنية بوقوع حدثين أو أكثر في آن واحد، من غير قصد ولا ترتيب، أي أنهما خارجان على سياق التقرير الذاتي، أو الإعداد المسبق لهما. وهذا الاحتمال بات من الأمور المألوفة والمعتادة.  

فلذا كان الاحتمال الآخر هو المعنيّ فعلًا بتساؤلي، وهو الذي سيكون محطّ تناولي في هذا المبحث المختصر، لأنه يطلق تيّارات من المواقف والتفسيرات لهذا العارض الطارئ المسمّى «صدفة»، والتي أعلنها أصحاب العلوم المختلفة، حيث نحا كل منهم منحى مغايرًا ومثيرًا للجدل، على الرغم من تقاطعه مع الآخرين، عند نقطة اندلاع شرارة المفاجأة، والعجز عن تفسير هذه الظاهرة الغريبة، وغير الخاضعة لمعايير السببية واللزوم.

ويتمثّل هذا التقاطع، في لحظة تلقّي الصدمة أمام حدث الصدفة – خيرًا كان أم شرًا – ومحاولة تحديد علاقاته بمقدّمات حدوثه، البعيدة عن الحسبان والتوقّع والإعداد.

أما الاشتباك الحاصل، فيتمثل بالجوانب التالية:

– في الشأن اللغوي العربي، المتعلق بلفظة الصدفة وأصولها، لم يذكر اللغويون القدامى في معجماتهم، هذه اللفظة بمعانيها ودلالاتها الاصطلاحية الآنية الشائعة، وأوقفوا معناها على حدوث اللقاء أو المقابلة (المصادفة)، من دون الإشارة إلى كيفية وقوع هذه المقابلة أو اللقاء، سواء كان مقصودًا ومرتّبًا سابقًا، أو لم يكن:

(صادفَ الشخصَ: لاقاه ووجده من غير موعد ولا قصد. صادفَ صديقَه في الطريق: لقيه عَرَضًا ومصادفةً).

أما لفظة الصدفة، بمفهومها المنتشر كما ذكرنا سابقًا، فقد تمّ توليدها أو اقتباس دلالتها من الثقافات الأخرى، وإلحاق نسبها بجذور الفعل صادف، وراح يستخدمها العامة، للتدليل على وقوع حدث ما من غير قصد ولا قرار، ودخلت بهذا الزيّ في معجماتنا الحديثة:

(صُدفة – صِدفة: لفظة مولّدة. هي اسم. الجمع: صُدُفات وصُدْفات وصُدَف. ما يحدث من دون إعداد أو اتفاق أو موعد مُسبق. رآه صُدْفةً، بالصُّدْفة، بطريق الصُّدْفة. وليد الصُدْفة: ارتجاليّ، فجائيّ)1 معجم العين (102/7)، معجم الصحاح (1384/4)، لسان العرب (188/9)، محيط المحيط (502)، تاج العروس (24/10). OK Cancel.

– في الفلسفة تعني الصدفة الحدث المتميّز، وغير المعروف أو المحدّد سببه. وبهذا المعنى فإن الفلسفة تتناقض مع نظرية الحتمية التي تسند لكل حدث سببًا محدّدًا2 راجع المعجم الفلسفي لمجمع اللغة العربية – القاهرة ص: 185، المعجl الفلسفي د. جميل صليبا، (2/383)، والمعجم الفلسفي د. الحفني (166). OK Cancel. 

في المعجم الفلسفي ورد أن الصدفة: هي اتفاق مجهول العلّة، أو تزامن لسلسلتين مستقلتين، وغير خاضع للضرورة.

وقد ربط الفلاسفة الصدفة بعامل تراكم التفاعلات والتغيّرات عبر الزمن، والتي تتكفّل بإنتاج التطوّر وخلق المعجزات واللامعقول. وهذا ما تبنّاه فلاسفة المذهب المادي، واستند إليه الفيلسوف البريطاني «تشارلز داروين»، في طرح نظريته عن التطوّر، وتأكيد خلاصته بأن الكائنات جميعًا وجدت وتطورّت بالصدفة. ما دفع المؤلف والكاتب المسرحي الإيرلندي «جورج برناردشو» إلى القول: سلّمت الكون للصدفة3 فرج، هيام، رُبّ صدفة، مجلة البعد الخامس، العدد الأول، أيلول (سبتمبر) 2024. وانظر أيضًا: عبد الحافظ، شادي، الصدفة المفاجئة…حقيقة أم وهم؟، موقع الجزيرة الإلكتروني، 2017/06/06. OK Cancel.

وعرّفها عالم الرياضيات والفيلسوف الفرنسي «أنطوان أوغسطين كورنو»، بأنها عبارة عن تزامن التقاء واقعتين لا رابط بينهما، مع أن لكل منهما سببه الخاص.

وفسّرها «أرسطو» بقوله: إن الصدفة هي اللقاء العرضي الشبيه باللقاء القصدي، أو هي العلّة العرضية المتبوعة بنتائج غير متوقّعة تحمل طابع الغائية4 فرج، هيام، رُبّ صدفة، مجلة البعد الخامس، المصدر السابق. OK Cancel.

أما «أفلاطون» فقد ابتعد عن منح الصدفة التقدير الذي تكتسبه، مؤكّدًا أن لا شيء يستحق التقدير عن طريق الصدفة، وما تمّ اختراعه لم يكن عن طريق الصدفة، لكنه كان ثمرة العمل الدؤوب والجهد المتواصل نحو هدف محدّد. 

بينما خالف الفيلسوف والكاتب الفرنسي «فرنسوا ماري آروويه» (فولتير)، آراء أفلاطون وغيره، وأطلق على الصدفة لقب «صاحبة الجلالة، الصدفة»5 زرنين، محمد، الصدفة في التاريخ، مجلو محكمة، محاضرة للمؤرخ جان نويل جيانيني، 2009/01/22. OK Cancel، تقديرًا لمكانتها ودورها في إحداث الدهشة والذهول، أمام حجم ما تقدّمه عرَضيًا في حياتنا.

– أما علماء النفس فقد أرجعوا مفهوم الصدفة إلى مجموعة الشعور والرغبات والتطلعات، المنبثقة من الأفكار والأحاسيس والأمنيات التي قد تبدو عشوائية، بينما هي تنبثق من مخزون اللاوعي حاملة معها معانيَ خفية. وبهذا فقد ربطوها بنظرية التزامنية والاتصال غير السببي باللاوعي، ونظرية السلاسل المتصلة أو التسلسل المتكرّر للأحداث حول العالم، في محاولة لنفي التفسير اللا ورائي أو اللا واقعي أو الخيالي، الذي يحيط بالأحداث المثيرة، الناتجة عن المصادفات الغريبة التي تُروى في الحكايات والقصص.                                                                    

وقد أوضح الطبيب النفسي السويسري، ومؤسس علم النفس التحليلي، «كارل يونغ»، مفهوم التزامنية وأبعادها والروابط المحكمة بين الأحداث والوقائع، في كتابه «التزامنيّة: المبدأ التصادفي في ربط الأشياء»، الذي استقى منه معاصره النمساوي عالم الأحياء «بول كاميرير»، نظريته عن «التسلسليَّة» التي تقول: إن المصادفات هي القوة الدافعة للكون، شأنها شأن قوة الجاذبية6 فرج، هيام، رُبّ صدفة، مجلة البعد الخامس، المصدر السابق. OK Cancel. 

– والمفهوم العلمي للصدفة، ميّز بين الصدفة المطلقة (اللامنطقية)، والصدفة النسبية التي تعني اقتران شيء بشيء، من دون أن يكون بينهما علّة مشتركة أو سبب معقول. وتتبدّى الصدفة النسبية بنماذج عديدة من الأحداث التي تترافق معًا، وتتكرّر مرات عدّة، مما يستدعي ربط أحدها بالآخر عن طريق التخمين أو الاحتمال، أو الاستنتاج الأرسطي، القائم على حتمية الحصول على النتائج بناء على المقدّمات المفترضة. 

ومن أمثلة الصدفة النسبية، تلك القصة التي تروى عن أحد الأشخاص الذي هاجر إلى إحدى البلدان طلبًا للعمل، ولم تمضِ أشهر على وجوده هناك حتى وقع زلزال كبير. فقرّر الانتقال إلى بلد آخر، وما مرتّ سنة عليه حتى وقع انقلاب عسكري كاد يلقى به حتفه. وراح يندب حظّه التعيس لهذا القدر المشؤوم الذي يلاحقه. ولما عزم أخيرًا على الهجرة إلى أستراليا للاستقرار هناك، بادره أحد أصدقائه بالقول – على سبيل التوقّع الفكاهي -: ويل لأستراليا منك، يا وجه النحس!…

وتزخر المؤلفات التي رصدت سير العلماء والمكتشفين، بقصص غريبة عن دور الصدفة الكبير، فيما توصلوا إليه من ابتكارات واكتشافات مهمة وعظيمة. وما زال العالم يذكر قصة فضلِ الصدفة بإسقاط التفاحة واكتشاف الجاذبية لدى العالم البريطاني «إسحاق نيوتن»، أو صرخة العالم اليوناني «أرخىيدوس»: (أوريكا.. أوريكا) «وجدتها وجدتها»، وهو يخرج عاريًا من الحمّام، مذهولًا من اكتشافه بما عُرف بـ«قانون أرخميدوس»، الذي بُنيت عليه قاعدة الطفو فيما بعد.

ونظرًا لمئات النماذج والأمثلة التي ذكرها الباحثون عن عامل الصدفة، ودورها في التوصّل إلى الاكتشافات والإبداعات الابتكارية التي قدّمها العلماء، فقد أطلقوا على هذه الظاهرة الشائعة صفة «السرنديبية»7 رويستون إم روبرتس، السرنديبية ٠اكتشافات علمية وليدة الصدفة)، ترجمة محمد فؤاد، صدر الكتاب الأصلي باللغة الإنجليزية عام 1989، وصدرت هذه الترجمة عن مؤسسة هنداوي عام 2015، ص: .137 – 31 -19. OK Cancel، نسبة إلى سرنديب، الاسم القديم لسري لانكا (سيلان حاليًا)، وتيمّنًا بالأسطورة أو الخرافة الفارسية المسمّاة (الأمراء الثلاثة من سرنديب)، لـ«أمير خسرو الدهلوي»، الذي يسرد فيها قصة هؤلاء الأمراء الذين كانوا يكتشفون العديد من الأشياء من دون قصد.    

واعتبر الكثيرون، من العلماء والمخترعين، أن الصدفة (السرنديبية)، كانت عنصرًا أساسيًا في الاكتشافات العلمية، وأنها ذات قيمة كبيرة في تقدّم العلوم، حتى بات الظنّ يقينًا بأنّ الصدفة هي التي تتحكّم بالكون ومستقبله، وأنها أم الاختراع، وأصبحت ذائعة مقولة: «وراء كل اكتشاف عظيم صدفة أعظم». 

وللمناسبة أو «المصادفة»، ما دمنا في حديثنا هذا، فإن سرنديب هي التي نُفي إليها الشاعر السياسي الوطني المصري «محمود سامي البارودي»، عام 1882، بسبب وطنيته ومناوئته للعثمانيين والإنجليز.

  من جهتهم، أخضع الرياضيون الصدفة إلى معادلة عامل التراكم العددي والنوعي للأنواع والأجناس، (قانون الأعداد الكبيرة)، مما يتيح مساحة واسعة لفُرص الصدف العرَضية، ويزيد من نسبة احتمالات التزامن أو الترافق، بين أمر وآخر، أو بين شخص وآخر. وبذلك تصبح الصدفة أمرًا طبيعيًا وكثير الحدوث.8 عبد الحافظ، شادي، الصدفة المفاجئة…حقيقة أم وهم؟، موقع الجزيرة الإلكتروني، المصدر السابق. OK Cancel

وقد وُلدت من هذه المعادلة، الكثير من المؤسسات والشركات، التي بنت عليها استراتيجياتها في النمو والربحية والاستمرار، وهي الطريقة التي يطبّقها محللو عمليات الانتخاب وتوقّع نتائجها، كما تعتمدها البنوك وشركات التأمين وغيرها.

  –  ولم يتأخّر الباحثون في شؤون الدين عن الدخول في هذه الجدليات والطروحات المتعلقة بأمر الصدفة، ولا سيما بعد انتشار نظريات الغائية، والمصادفة في وجود الكون، والتطوّر الذاتي، وصولًا إلى خلو النظام الكوني من الإله. 

وكان تصدّيهم لهذه النظريات والآراء، مصبوبًا على تفنيدها، وتبيان زيفها ومغالطاتها، واستحالاتها العقلية والمنطقية، المتناقضة مع مبدأ السببية والعلّة والمعلول، من دون أن يغفلوا مسألة القضاء والقدر، والجبر والاختيار، مؤسسين آراءهم على الأدلة الرياضية وحساب الاحتمالات، ومعلّلين ردودهم بما هو ظاهر ومستدام ومطرّد في الانسجام المكين بين ظواهر الطبيعة في ما بينها، ومع حياة الإنسان على هذه الأرض، وأنه «لو حاولنا تفسير كل هذه التوافقات في أمثلتها اللانهائية بفرضية الصدفة، فسوف نضطر إلى افتراض ملايين الملايين من الصدف، ومع كل حالة أو مثال سوف تهبط درجة الاحتمال حتى تصبح صفرًا.» كما جاء في كلام شيخ الأزهر الدكتور «أحمد الطيب»، في أحد برامجه للردّ على أصحاب هذه النظريات.9 – علي، لؤي، شيخ الأزهر، الإمام الدكتور أحمد الطيّب: فلسفة الصدفة التي لجأ إليها الملحدون نظرية خيالية وتصوّر شاذ، موقع اليوم السابع، 2018/05/25. OK Cancel

– والمشتغلون في متابعة الأحداث التاريخية عبر العصور، وتدوين تفاصيلها وأبطالها ووقائعها ونتائجها، يتشابهون كثيرًا مع متابعي حركة الاكتشافات العلمية، حيث اعتبروا أن الصدفة لعبت دورًا محوريًا في تقرير الأحداث التاريخية، وتغيير مجراها ونتائجها، والتسبّب في الانعطافات الضخمة التي طرأت عليها، مردّدين بعض الخروقات العشوائية، أو الأخطاء البشرية، أو المواقف البسيطة، التي لا يمكن لأحد أن يتخيّل تأثيرها الكبير في قلب الموازين وتغيير مصير المعارك الكبرى، مما يجعل التاريخ ميدانًا مليئًا بالصدفة، واللحظات المفصلية الفجائية.

فذكّروا على سبيل المثال بـ«مسامير» حذاء «نابليون» التي أخّرت وصوله، وغيرّت رياح معركة «واترلو» لصالح أعدائه.

و«أنف كليوباترا الجميل» الذي سحر الإمبراطور الروماني «أنطونيو»، وأوقعه في حبّها وحمله على الدخول في معركة «آكتيوم» ليخسر لعبة الصراع على الحكم في روما، كما جاء في المقولة التي صاغها الفيلسوف الفرنسي «بليز باسكال».

ولم ينسوا «عضّة القرد المدلّل» لملك اليونان «ألكسندر الأول»، التي أودت بحياته وأتاحت لوالده «قسطنطين الأول» العودة إلى السلطة، وما أعقب ذلك من تغيّرات سياسية، أسفرت عن هزيمة اليونان في الحرب اليونانية التركية وتدمير حلم اليونان الكبرى، كما أوردها الكتاب المصري «أحمد مراد» في روايته «ترنيمة دانتي».

كما يذكر أستاذ التاريخ في جامعة ماكجيل الكندية، والمنتج والمؤلف السينمائي، «إيريك دورتشميد»، الدور الكبير الذي تلعبه تقلْبات الطقس السيئة والمداهمة، في تحويل النصر المؤكّد إلى هزيمة شنعاء، في لحظة تُعرف باسم العامل الحاسم، كما ورد في كتابه «دور الصدفة والغباء في تغيير مجرى التاريخ – العامل الحاسم -».10 زرنين، محمد، الصدفة في التاريخ، مجلو محكمة، محاضرة للمؤرخ جان نويل جيانيني، المصدر السابق. OK Cancel

– وفي عالم الآداب والفنون القصصية والروائية والمسرحية بخاصة، نقع على كم هائل من الأعمال، التي بنيت على عامل الصُدفات والحظوظ، فنسجت حكاياتها، وحبكت عقدها، وأدارت صراعاتها، بخيوط الصدفة، وتركت مصير أبطالها معلّقًا داخل شبكتها.

ويمثّل هذا النمط، أفضل تمثيل، الكاتب الإنجليزي الكبير «وليم شكسبير»، الذي اعتمد على المصادفات الغريبة في أغلب أعماله (هاملت – مكبث – العاصفة – روميو وجولييت – كوميديا الأخطاء…) لصياغة سردياته في تحريك الأحداث، وتجسيد التقلبات، وتحديد مسارات الشخصيات وكشف الحقائق.  

ولعل قصص «ألف ليلة وليلة»، في تراثنا العربي الأدبي، وما قدمته من حكايات «علاء الدين وشهرزاد والفانوس السحري..»، كما في حكايات «السفيرة عزيزة» في صندوق الدنيا، ما يؤكد هذا المنحى المتكئ على عامل الصدفةـ لتكوين البنية الروائية والدرامية للعمل القصصي، بهدف إثارة التساؤلات حول القدر والفوضى والبحث عن المعنى.

ويلفتنا في هذا المجال مسرحية «موت فوضوي صدفة أو الوفاة العرَضية للأناركي»، للكاتب والممثل والمخرج الإيطالي «داريو لويجي أنجيلو فو»، التي تتناول السياسة عبر الصدفة، ويجمع فيها بين التناقض والفلسفة، بين حتمية الموت وفوضوية حالة النظام، والصدفة التي تفتح آفاق الأسئلة حول القدر والحقيقة.11 الشافعي، شريف، موت فوضوي، عرض عن قهر السلطة وقوة الحلم، مجلة العرب، 2017/10/08 OK Cancel                                                                                 كما ترسْمت هذا الخط أيضًا الكاتبة «ياسمينا رضا (ايفيلين أنييس ياسمينا رضا)»، وهي كاتبة مسرحية وروائية وممثلة وسيناريست ومخرجة سينمائية، من أصول إيرانية، في عملها المسرحي «رحلة قطار»، التي توهم بالصدفة، لتبرز أهمية الفن في تقاطع المصائر. وكذلك في مسرحيتها الثانية «رجل الصدفة» التي تجمع فيها بين رجل وامرأة في رحلة قطار متجه من باريس إلى فرانكفورت، حيث راح كل منهما يتحدث إلى نفسه، وكأنه يعلن عما بداخلها من حقائق وأسرار، أمام آخر غير مقصود، قبل أن يقودهما ذلك إلى حوار مفتوح بينهما.12 عطا، علي، ياسمينا رضا ساهمت في تجديد مفهوم التراجيديا في المسرح الفرنسي الراهن، أندبندت العربية، 2019/11/14. OK Cancel

الخلاصة:                                                                                                                   

 ونخلص بعد كل هذه النظريات والآراء المطروحة حول موضوع الصدفة، إلى أن الحدث، الذي نعتبره مصادفة وتزامنًا في الوقوع، ليس أمرًا مستغربًا أو مفاجئًا، لأنه من طبيعة حركة الحياة، ما دام البشر في تكاثر مطّرد، وما دامت نشاطاتهم متوالية ومتراكمة، مهما اختلفت أهدافها والوسائل المستخدمة لتحقيقها. 

وأن فهمنا وتفسيرنا لهذا الحدث العارض، المكوّن لتلك اللحظة المثيرة للتساؤل والدهشة، يجب أن يتجه نحو كيفية ومسببّات حدوثه، وليس للحدث نفسه. بمعنى أن حدث (الصدفة) ليس عبثيًا أو عشوائيًا، بل هو خاضع لتوفّر طرفي الاحتكاك اللازمين لإطلاق شرارة تياره. وبتوضيح أكثر، إن ما نعتبره تلاقيًا أو تصادفًا عرَضيا وغير مقرّر، ما هو في الحقيقة إلا نتاج قرار ذاتي، ومن دون مشاورة أو اتفاق، تمّ اتخاذه من جانبين عزما على تنفيذه في توقيت واحد دقيق للغاية. وبالتالي فإن مفهوم الصدفة هنا يخرج عن نطاقه المألوف والشائع، ليبقى رهنًا للترتيبات والإرادات. ولو اعتبرنا أن أي مصادفة أو التقاء غير متوقّع، ومجهول الأسباب، يدخل ضمن دائرة الصدفة المثيرة للجدل، نكون قد حكمنا على كل حركاتنا الفكرية والجسدية، وكل وقائعنا وسكناتنا، بالخضوع لمصطلح الصدفة، وبالتالي يتحوّل الواحد منّا إلى إنسان آلي، فاقد للمبادرات والقرارات، ومسيّر تبعًا لأوامر وبرمجات، لا قدرة له على مخالفتها أو تجاوزها.

ومن جانب آخر، نرى أنه من غير المنطقية والواقعية، أن نجمح ونفرط في إيلاء الصدفة الدور الحاسم والقاطع في تحديد مساراتنا ومصائرنا، وبالتالي رفعها إلى منزلة الحاكم بأمره في هذا الكون، لأننا بذلك نقضي على مفهوم العقل والإرادة والمبادرة والسعي والطموح. مما يجعل الإنسان أشبه بورقة في مهبّ رياح الخريف، تمرّ به الأيام، وهو قابع على عتبة الصدفة ينتظر إسقاط نعمتها عليه. 

إن الصدفة الحقيقية (المصادفة المفاجئة)، تستحق مكانتها وتقدير دورها، حين تنتج لقاء مثمرًا فعّالًا، قادرًا على إحداث تغيير جوهري في مسار حياتنا، وليس شأنًا عاديًا عابرًا لا جدوى منه، سوى رجّة الانفعال الآنيّ التي سرعان ما تخفت وتغيب.

حتى في الأمور غير الإرادية أو غير الإنسانية، كما حدث مع تفاحة «نيوتن» مثلًا، فالظروف كانت مؤاتية تمامًا في النضج، وحلول لحظة انفصال التفاحة عن غصنها، وسقوطها أمام مرأى «نيوتن» الذي تزامن وجوده في موقع الحدث. وكان يمكن أن يمرّ سقوط التفاحة مرور الكرام، ومن دون أن يسترعي انتباه «نيوتن»، لو لم يكن آنذاك بكامل استعداده وتحفّزه الذهني المسبق، والمشحون بدوافع البحث العلمي، لتلقّف الحادثة برؤية الباحث والمفكّر، ليستمد منها نظريته في الجاذبية. 

كما أن العالم «أرخىيدوس»، لو لم يكن ذهنه حاضرًا متوقّدًا لاكتشاف نسبة كمية الذهب الموجودة في تاج الملك، لما التقط حادثة الطفو ليخرج بقانونه الفيزيائي الشهير.

وأن جدّنا الأول، مكتشف النار قبل أربعمائة ألف عام، لو لم يكن ذهنه وطاقاته منهمكة في البحث عن وسائل حمايته من الوحوش والصقيع، وعن مصادر رزقه وغذائه بصورة أفضل وأسهل، لما قادته الصاعقة التي أحرقت أشجار الغابة أمامه إلى محاولة تقليدها واقتباسها.

ومن هنا يمكننا ان نتحكّم نحن بخلق احتمالات الصدفة، أي بإعداد الظروف المناسبة للإمساك بالحدث العَرَضي، وتحويله إلى فرصة ذهبية.

إن معظم الكتّاب الذين درسوا الصدفة العلمية، من الناحية التاريخية والمعرفية، يتفقون على أن العالِم أو المخترِع يجب أن يحتفظ بعقل مفتوح، لأنه جزء مهم للكشف عن المعلومات التي تنجلي بطريق الخطأ. وقد قالها العالم «لويس باستور» واضحة بجملته الشهيرة: «في مجال العلوم، الحظ لا يؤيد سوى العقول المستعدة». كما أعرب «شكسبير» عن الفكرة نفسها في مسرحيته «هنري الخامس» (الفصل الرابع): «كل الأمور جاهزة إذا كانت أذهاننا كذلك»، وفي قوله في مسرحية أخرى «لا شيء يحدث بالصدفة…الصدفة حادث مدبّر.»

ويُنسب إلى العالِم الفقيه الشاعر المتصوّف، «جلال الدين الرومي»، قوله: «لا شيء يحدث بالصدفة… ولا أحد يذهب للرحلة من دون سبب.» 

ونختم لنقول، إننا لا ننفي وجود ووقوع المصادفات في حياتنا، ولا ننكر دورها في التأثير والتغيير، لكننا نرمي إلى السعي الدائم لتحويل مقولات: «من محاسن الصدف، ورُبّ صدفة خير من ألف ميعاد»، إلى من «محاسن الثقة بالنفس والعمل، ورُبّ قرار حكيم خير من ألف صدفة عشوائية، أو ضربة حظ عبثية».  

❁❁❁

الهوامش:

1. معجم العين (102/7)، معجم الصحاح (1384/4)، لسان العرب (188/9)، محيط المحيط (502)، تاج العروس (24/10).

2. راجع المعجم الفلسفي لمجمع اللغة العربية – القاهرة ص: 185، المعجl الفلسفي د. جميل صليبا، (2/383)، والمعجم الفلسفي د. الحفني (166). 

3. فرج، هيام، رُبّ صدفة، مجلة البعد الخامس، العدد الأول، أيلول (سبتمبر) 2024. وانظر أيضًا: عبد الحافظ، شادي، الصدفة المفاجئة…حقيقة أم وهم؟، موقع الجزيرة الإلكتروني، 2017/06/06.

4. فرج، هيام، رُبّ صدفة، مجلة البعد الخامس، المصدر السابق.

5. زرنين، محمد، الصدفة في التاريخ، مجلو محكمة، محاضرة للمؤرخ جان نويل جيانيني، 2009/01/22.

6. فرج، هيام، رُبّ صدفة، مجلة البعد الخامس، المصدر السابق.

7. رويستون إم روبرتس، السرنديبية ٠اكتشافات علمية وليدة الصدفة)، ترجمة محمد فؤاد، صدر الكتاب الأصلي باللغة الإنجليزية عام 1989، وصدرت هذه الترجمة عن مؤسسة هنداوي عام 2015، ص: .137 – 31 -19.

8. عبد الحافظ، شادي، الصدفة المفاجئة…حقيقة أم وهم؟، موقع الجزيرة الإلكتروني، المصدر السابق.

9. علي، لؤي، شيخ الأزهر، الإمام الدكتور أحمد الطيّب: فلسفة الصدفة التي لجأ إليها الملحدون نظرية خيالية وتصوّر شاذ، موقع اليوم السابع، 2018/05/25.

10. زرنين، محمد، الصدفة في التاريخ، مجلو محكمة، محاضرة للمؤرخ جان نويل جيانيني، المصدر السابق.

11. الشافعي، شريف، موت فوضوي، عرض عن قهر السلطة وقوة الحلم، مجلة العرب، 2017/10/08.

12. عطا، علي، ياسمينا رضا ساهمت في تجديد مفهوم التراجيديا في المسرح الفرنسي الراهن، أندبندت العربية، 2019/11/14.

المراجع:

— المعاجم

تاج العروس للزبيدي، القرن الثامن عشر الميلادي  

لسان العرب لإبن منظور، القرن الرابع عشر الميلادي.   

محيط المحيط لبطرس البستاني، 1867  

معجم الصحاح للجوهري، 1865

 معجم العين للفراهيدي (توفي 786) نُشر بثماني مجلدات بين عامي 1980-1985  

المعجم الفلسفي لمجمع اللغة العربية (1983) القاهرة، مصر  

الكتب والدوريّات الثقافيّة:

رويستون إم روبرتس، السرنديبية ٠اكتشافات علمية وليدة الصدفة)، ترجمة محمد فؤاد، صدر الكتاب الأصلي باللغة الإنجليزية عام 1989، وصدرت هذه الترجمة عن مؤسسة هنداوي عام 2015

زرنين، محمد، الصدفة في التاريخ، مجلة محكمة، محاضرة للمؤرخ جان نويل جيانيني، 2009/01/22

الشافعي، شريف، موت فوضوي، عرض عن قهر السلطة وقوة الحلم، مجلة العرب، 2017/10/08

عبد الحافظ، شادي، الصدفة المفاجئة…حقيقة أم وهم؟، موقع الجزيرة الإلكتروني، 2017/06/06

عطا، علي، ياسمينا رضا ساهمت في تجديد مفهوم التراجيديا في المسرح الفرنسي الراهن، أندبندت العربية، 2019/11/14.

علي، لؤي، شيخ الأزهر، الإمام الدكتور أحمد الطيّب: فلسفة الصدفة التي لجأ إليها الملحدون نظرية خيالية وتصوّر شاذ، موقع اليوم السابع. 

فرج، هيام، رُبّ صدفة، مجلة البعد الخامس، العدد الأول، أيلول (سبتمبر) 2024

 

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply