معزوفة الخلود

جدليَّةُ العبور.. بين عماء الصُّدفة وضياء الخلود

سعد عبد القادر ماهر 

خلف كلِّ باب يطرقه الإنسان تكمن قوة خفية لا تخضع للحسابات المختبرية أو الخطط الإستراتيجية؛ إنها تلك اللحظة العابرة التي نسميها الصُّدفة، والتي تقف دائماً عند مفترق طرق: إمَّا أن تكون فخَّاً يبتلع الطامحين أو تكون جسراً يعبر به الصابرون نحو الأبدية.

في هذه الثلاثية القصصية نقتفي أثر ثلاث أرواح يجمع بينها البحث عن الخلود وإن اختلفت السبل. هنا، يلتقي طموح العالم الجامح بصلابة المصلحة الاجتماعية وبرهافة ريشة الفنان. 

ليست هذه القصص سرداً لأحداث وقعت بمحض “ما لم يكن في الحسبان” بل هي محاولة لفهم تلك الجدلية الأزلية: كيف يمكن لحادثة بسيطة – كانقلاب قدح قهوة أو لقاء دون موعد في مرسم مغبرٍّ – أن تعيد صياغة القدر؟ وكيف يتحوَّل “الخلود” من حلم بيولوجي مشوَّه إلى أثر فني أو أخلاقي عصيٍّ على الغياب؟

إنَّها دعوة للتأمل في المسافة الفاصلة بين ما نخطِّط له وما تمنحه الحياة في غفلة منَّا، وسنكتشف أنَّ أعظم الخلود ليس في بقاء الأجساد بل في سموِّ المواقف التي لا تموت.

فخُّ الأبدية

الدكتور نادر الشَّابُّ العالم في الهندسة الوراثية كان ملهوفاً على تحقيق اكتشاف يهزُّ أركان المجتمع العلمي. لسنواتٍ ظلَّ يعمل في مختبره المنعزل على مشروع سرِّيٍّ لعزل مورثة الشيخوخة بهدف تأخيرها، بل والقفز فوقها في النهاية. شعاره الدائم: الحدود الوحيدة هي تلك التي نصدِّقها. 

ولإنَّه يؤمن بأنَّ نتائج التَّجارب تكون أدقَّ إذا ما أجريت على البشر فقد أحجم عن استخدام حيوانات التجارب. وفي ليلة حالكة، وبينما كان يجري تجربة محفوفة بالمخاطر على عيِّنة من خلاياه، وقعت حادثة بسيطة. انقلب كوب قهوته على لوحة المفاتيح فتسبَّب ذلك في خلل فني مؤقَّت في نظام العزل الكهربائي لإحدى الغرف الحرجة. توقَّف جهاز الطرد المركزي عن العمل، وفلتت العيِّنة المعدَّلة وراثياً – والمختلطة الآن بمواد كيميائية غير مستقرة بسبب التوقف المفاجئ – في هواء المختبر المليء بأبخرة موادٍّ أخرى.

سعل نادر وشعر بحرقة في عينيه، لكنَّه في جنون الوصول إلى الاكتشاف عدَّها أعراض إرهاق بسيطة، وأكمل عمله بعد إصلاح الخلل غير مدرك أنَّ تلك الصُّدفة العابرة – انسكاب القهوة – قد أتت بتغيير لا رجوع منه.

في الأيام اللَّاحقة لاحظ نادر ما أذهله؛ خدشاً في يده اختفى خلال ساعات قليلة بشكل غير معقول، نشاطاً غريباً دبَّ فيه كأنَّ طاقته تضاعفت، ثمَّ أخذ انعكاسه في المرآة يظهر كأنَّ سنواتٍ انحسرت عن وجهه. فرح في البداية ظنَّاً منه أنَّ تجربته قد نجحت بطريقة ما برغم الحادث، وأنَّه حقَّق الحلم: إيقاف الزمن بيولوجياً.

لكنَّ الفرحة لم تدم فسرعان ما استحال النشاط هياجاً مستعراً وأرقاً مزمناً ينهشُ روحه. بدأت خلاياه تتجدَّد بمعدَّلٍ مرعبٍ خارجٍ عن السيطرة، واستحال جسده ساحةَ وغى تشنُّ فيها الخلايا الوليدةُ غاراتٍ لا تهدأ. النظامُ انقلبَ على ذاته. واكتشف عبر فحوصاتٍ محمومةٍ أنَّ ما تنشَّقه صدفةً قد اغتال آلية الموت المبرمج؛ فغدا جسدُه ضريحاً حيَّاً يسكنه خلودٌ مشوَّه وخلايا فوضوية تأبى الرحيل لكنها نسيت كيف تحيا.

ذات ليلة، بينما كان يرتعش من الألم والتعب، وقع نظره على شاشة الحاسوب وهي تعرض بياناته الحيوية. المنحنيات فيها تشبه جبالاً وودياناً غير منتظمة؛ صورة حيَّة لفوضاه الداخلية. في تلك اللحظة، اخترقت عقله المُجهد حقيقة مرعبة: لقد كان يبحث عن نبع الشباب لكنَّ الصُّدفة قادته إلى مستنقع خلود مُشوّه حيث الحياة ليست أكثر من عملية بيولوجية جامحة بلا معنى.

أدرك نادر الحكمة القاسية: ليس كلُّ سرٍّ يُمكن كشفه يجبُ كشفه، وليس كلُّ باب يُفتح يؤدِّي إلى جنَّة. أحياناً، يكون الجهل وقايةً والفضولُ أداةَ دمار. لقد سعى لأن يهزم الموت فاكتشف أنَّ الموت ليس عدواً بل هو الشرط الأساسي للحياة، هو النظام الذي يحفظ التوازن، والنهاية التي تمنح البداية معناها.

رفع نادر عينيه إلى نموذج الحمض النووي المعلَّق في زاوية المختبر الذي كان يراه رمزاً للخلود فرآه الآن قفصاً ذهبياً. همس بصوت مبحوح يخاطب الصُّدفة التي غيَّرت مصيره: “كنت أظنُّ أنَّ الاكتشاف أعظم هدية لكنِّي أيقنت أنَّ بعض الأسرار حكمة إلهية. كان عليَّ أن أتوقَّف لأتساءل: هل كلُّ ما يمكن فعله ينبغي فعله؟”

غرق في صمت المختبر وحيداً مع اكتشافه المشؤوم وهو أوَّل ضحاياه. لقد أدرك متأخِّراً أنَّ أعظم عواقب صدفة الاكتشاف هي معرفة أنَّ بعض الجهالات نعمة وأنَّ بعض الطموحات هي بذور دمارنا.

في مهبِّ النِّيَّات

“التغيير ليس شعارات بل هو هندسة دقيقة للواقع” فكرة تؤمن بها ليلى، ولأجلها كافحت لسنوات في العمل التطوعي والإدارة المحلية حتَّى غدت قاب قوسين أو أدنى من منصب وزاري حلمت به ليكون منصَّةً تخدم من خلالها المهمَّشين وتُرسي قواعد العدالة. كان الجميع يراها مثالاً للنزاهة، وكانت هي ترى في المنصب تكليفاً لا تشريفاً.

في مساءٍ أغبر، وبينما كانت تقود سيارتها عائدة من اجتماع متأخر، وقع ما لم يكن في الحسبان. تعطَّل محرِّك سيارتها فجأة وسط حيٍّ شعبي يئنُّ تحت وطأة النزاعات المزمنة. في تلك اللحظة انبعث من زوايا الطريق صراخ مشاجرة عنيفة نشبت بين مجموعتين من الشباب. وبدافع الفطرة التي تملي عليها الإصلاح ترجَّلت من سيارتها محاولةً وأد الفتنة قبل فوات الأوان مستغلَّةً قوة حضورها ووقار هيئتها.

لكنَّ الأقدار كانت تنسج خيوطاً أخرى، فبينما كانت ترفع يدها لفضِّ النزاع وتدعو للتهدئة سقط فتىً مغشيَّاً عليه إثر نوبة تشنُّج دهمته دون لمسة واحدة من أحد. في الزاوية المقابلة، التقطت كاميرا هاتفٍ مشهداً مبتوراً بدت فيه ليلى منفعلة تشير بحدَّة بينما يهوي الشاب أمامها كأنَّما أطاحت به صرختها.

في غضون ساعات تحوَّلت تلك اللحظة العابرة إلى وقودٍ مستعر لأفكار المجتمع المسمومة. انتشر المقطع كالنار في الهشيم: المسؤولة التي تضرب الفقراء، النخبوية التي تهين كرامة الشعب… فجأة، انهار الجسر الذي بنته لسنوات مع الناس وتحوَّل الثناء إلى رشق بالكلمات الجارحة وانفضَّ الزملاء من حولها، حتَّى أنَّ الدولة جمَّدت ترشيحها للمنصب المنتظر “في انتظار جلاء الحقيقة”.

وجدت ليلى نفسها وحيدة أمام تقاطع غادر بين سوء الفهم وغدر المقرَّبين. لم يكن الوجع في ضياع الكرسيِّ بل في اكتشافها هشاشة الوعي الذي انقاد خلف خديعة بصرية متناسياً تاريخاً من العطاء المخلص. لكنَّها لم تكن من طينة الذين تكسرهم العواصف العابرة فاختارت المواجهة. بدأت بتفكيك “الأفكار المسمومة” لا بالدفاع عن شخصها فحسب، بل بتشريح آليَّة الزيف الجماعي. عادت إلى الحي ووقفت أمام أهل الفتى المصاب بصدقها المعهود لتكتشف أنهم كانوا ضحية تضليل إعلامي لم يرحم مرض ابنهم ولا نزاهة مسعاها. الليلة المشؤومة تلك كانت اختباراً للجوهر كشفت لها كم  يحتاج المجتمع إلى “تحرير الوعي”. 

صارعت ليلى العاصفةَ بصبر يضاهي قسوة الاتهام. بصلابتها، وبعد أشهر من الكفاح والمجادلة والندوات الفكرية عن “تزييف الحقيقة” و”خطر الأحكام الانفعالية”، نالت المنصب في يقظة الضمائر التي أنصفتها، وأدركت أنَّ أعظم مكانة يمكن أن تحوزها هي أن تكون “صوت الحق” في وسط يغرق في صخب الأباطيل. 

همست لنفسها وهي ترمق الوجوه التي عادت لتعتذر منها: المواقف العارضة تختبر قوَّتنا لكنَّ الثبات هو الذي يكتب خلودنا.

ضوءٌ خلف الغبار

عاش إياد حياته يطارد الضوء فوق مساحات القماش محاولاً كسب لقمة عيشه بريشةٍ أخلص لها. لكنَّ الفن في مجتمعه كان يُقاس ببريق الشهرة لا بصدق الريشة؛ ولأنَّ إياداً لم يكن يملك مفاتيح الدعاية أو علاقات النخبة ظلَّ مغموراً خلف جدران مرسمه المتهالك. كان يبيع لوحاته بأبخس ثمن ليسدَّ رمقه، وهل له أن يغالي وأعمالُه مكدَّسة في زوايا المحلات يغطِّيها الغبار؟

لكنَّ القدر كان يرسم مشهداً لم يتوقَّعه إياد قط. سينقلب حاله ويشرق على يد مستشرقٍ كان يجوب الحيَّ. لم تكن عين المستشرق تبحث عن الجمال الفني فحسب بل عن “عين” تستطيع توثيق الروح قبل المادة. وفي المرسم المتواضع استوقفته لوحة رأى فيها دقَّةً مذهلة في رسم التفاصيل، فطلب من إياد مرافقة بعثته ليرسم لوحةً توثيقية تُخلّد لحظة استخراج كنوزٍ أثرية من باطن الأرض.

قَبِل إياد العرض بدافع الحاجة أولاً، لكنَّه حين وقف أمام الموقع الأثري انبعثت في روحه الجذوة. رسم فسكب في اللوحة حياة انبعثت من بين الركام. وعندما نُشر تقرير البعثة الأثرية في مجلات عالمية ومعه لوحة إياد التفت النُّقَّاد، ومثلُهم هواة جمع الأعمال الفنية، إلى الفنَّان الذي استطاع أن يمنح “الآثار الصامتة” صوتاً وحياة. وبعدما كان فنَّاناً يطارد الرزق صارت أعماله مطلباً للمعارض العالمية وصارت لوحاته التي كانت تُباع بـ “الفلسان” تُعرض بمبالغ لم يمرَّ بخياله يوماً أنَّها ستدخل جيبه.

الصُّدفة التي قادت المستشرق إلى باب الفنَّان لم تكن لفتةَ حظ بل كانت مكافأة الصبر على المبدأ. وأصبحت لوحاته جزءاً من الذاكرة الإنسانية تُعلَّق في المتاحف لتخبر الأجيال أنَّ “الفن الحقيقي” قد يغطِّيه الغبار حيناً، لكنَّه لا يموت.

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply