أسرار آلهة السَّماء

محمّد إقبال حرب

أحقيقةً أرى أم هَباءً؟

أجنيٌّ أُسطوري أم ذكاءٌ؟

أحدُهما يُعطيكَ ما ترغبُ من مادِّيات بلا حسابٍ، والثاني يُخبرُكَ ما تشاءُ من معلوماتِ خيرٍ أو شرٍ من دون حرَج أو سِريَّة. هذا يقالُ عنه أسطورة، وذاك سيُصبحُ كذلك. 

 وادي عبقَر، أثرٌ فكري أُسطوري سكنَه جِنٌ مُتخصِّصٌ بالشِّعر ينشرُه وباءً على نُخبةٍ من البشَر. عاش قرونًا وحيدًا وترك إرثَ العبقريَّة في فجوةٍ تصلُ إلى آلاف السِّنين من دون وريث. سنواتٌ طوال حقَّق الإنسانُ، خلالها، أحلامًا ودفنَ سابقاتِها من دون دمعةٍ تُذرفُ أو قلمٍ ينعي. فجأة، ظهر الوريثُ… زفّةُ العروس الجديدة أكبر من أحزانِ الراحلة.

أمِن العدلِ أن نُقارنَ بين أُسطورةٍ وواقِع؟

أصرخُ عاليًا: مَن قال إنَّ وادي عبقر أسطورةٌ؟ تريَّث وفكّر.

من قال إنَّ جنِّي العصر الحديث واقعٌ لا يُبقي ولا يذُرُّ؟ 

ذاك غَرف من وادٍ غير ذي زَرع، وهذا من وادي السيليكون تفجَّر.

اعتبرَ أبناءُ الجزيرةِ العربيَّةِ العبقريَّةَ طفرةً مُخيفةً، فَخِروا بها حينًا وحوقلوا لوجودها أحيانًا. أحالوا العبقريَّة إلى المجهول، وتجازوا المُبدعَ إلى نَسبِ الإبداعِ إلى زائرٍ خفيّ يُلقِّنُ المُبدعَ سِحرَ الشِّعر وحلاوتَه. أما اليوم فقد صنعَ الإنسانُ كِيانًا بلا جسَد، يتوارى بين الأسلاكِ والخوادم والبيانات، يُجيبُ بسُرعة، يكتُبُ الأدبَ والشِّعرَ، يُحلِّلُ الأفكارَ ويتعلَّمُ أنماطَ اللُّغةِ ويطوِّرُها. إنَّه كائنٌ غير مرئي بالنسبة لأغلبيةِ المُستخدِمين، وبما أنَّه يُجيبُ من حيث لا نراه ولا نعرِفُه، نتساءلُ عمّا إذا كان الوريثُ من أحفادِ الجِنِّ القديم.

ما الرابطُ بين جنِّيهم وجنيِّنا؟

كلاهُما غير مرئي، نستدعيه فيحضُر ليقدِّمَ خدماتِه.

 أريدُ التوقُّفَ، هنا، لأطرحَ فكرةً مُثيرةً للجدَل. يتشاركُ الجنِّيُ القديم والجديد بضرورة الاستدعاء، فكما أنَّ الجنّي الجديدَ يحتاجُ إلى كلمةِ سرّ، كذلك القديمُ، حسب كلّ الروايات، مثلًا “اِفتح يا سِمسِم” الرمز السرِّي لتلك المغارة، أو حكّ مِصباح علاء الدين كان الشرطَ الأساسي لاستدعاء الجنِّي الخادِم. ألا يمكنُ أن تكون هناك حضارةٌ غابرةٌ أفرزت الجنِّي القديم لكن بعد كارثة ما، لم يتبقَّ إلا الأجهزةُ ومفاتيحُها؟

عودٌ إلى الروابطِ المُشتركة، كلاهما يمتلِكُ معرفةً تتجاوز معرفة الفرد، ويستطيعُ مُساعدةَ الإنسان، كلاهما يُمثِّلُ مصدرًا للخوف والقلق. يمكننا القول إنّ جنِّي عبقر خرج من خيال الإنسان بينما جنِّي العصر الحديث خرجَ من عبقريَّة الإنسان، هذا ما يحيلُنا إلى مُفارقة مُثيرة. 

اخترع الإنسانُ القديم جنيَّه لأنه لم يفهَم عقلَه، وحين فهِم بعضًا من عقلِه اخترع جِنيًا جديدًا، لكن كليهما يثيرُ الرُّعب. تقول الأساطيرُ إنَّ البشرَ الذين يتعاملون مع الجِنّ يخافون أن يُسيطرَ عليهم، وفي عصر الذكاء الصناعي يتحدَّث العُلماء والمهتمون عن خوف عميق بتملُّك الجنّي الجديد مقاديرَ حياتنا. نحن لا نعرفُ تفاصيلَ الجنِّي القديم لكننا نعيشُ تجربة الجنِّي الحديث.

 عندما اخترع الإنسانُ السيارة، لم تتحكَّم به بطريقة مُباشرة، إذ لم تغدُ وسيلةَ نقل فحسب، بل غيَّرت شكل المدن، كذلك غيَّر الهاتفُ النقَّالُ، كما وسائل التواصُل الاجتماعي، شكل العَلاقة البشريَّة جَذريًا، بل تجاوزت ذلك إلى وسيلة ضغط اقتصادي وسياسي. 

واجهني سؤالٌ هام حول جنِّي عصرنا. هل سيتحكَّمُ الذكاءُ الصناعي في عدم قُدرتنا على الرَّفض أم في عجزنا عن العمل بدونه؟ أترك لكم أمر التفكير بالجواب.

إذا وضعنا السيناريو نفسه “الجنّي القديم والحديث” في واقعٍ فلسفي، نجد أنَّ الإنسانَ عَبر العُصور بحثَ عن عقلٍ أسمى، أقوى وأشمل، اختُرع من أجل ذلك:

  1. الآلهة.
  2.  تخيَّلَ الأرواح.
  3.  استدعى الجِنّ.
  4.  تحدَّثَ عن الوحي والإلهام.
  5.  اخترعَ الكُتب لتكون أداة تواصُل مع الغابرين، كأننا نلجُ عُقولَهم. 
  6.  اخترع الذَّكاءَ الصناعي كمُساعد يقول “شبّيك لبَّيك”

ماذا يريدُ البشرُ؟ بل لماذا نسعى دائمًا لإيجاد أو صناعة ما هو أسرعُ منّا، أقوى، يطبِّقُ ما لا نستطيعُه. هل كان الجنِّي القديم محقِّقًا لأحلامٍ تلاشت، والجنيُّ الحديثُ ما هو إلا تحقيقٌ لحُلمٍ ما زال يتنفَّسُ أفكارَنا؟

ربّما كانت المعرفةُ التراكميَّةُ هي التي قفزت بالإنسان قفزاتٍ هائلةً عبر القرون الثلاثة أو الأربعة الفائتة، فسرَّعت تحقيقَ أحلامه بتهوُّر في كثير من الأحيان، بعدما كان مستقرًا لآلاف السنين. هل كانت هناك حضارات أضحت بائدةً وأندثرت معالمُها سبقتنا في دورة تحقيق الأحلام إلى أن أصبحَ حلمُها المُحقَّق كارثةً تركت الجنِّي وحيدًا يبحثُ عن طالِب مُساعدة؟

إذا صحَّ هذا التخمينُ، هل سيمرُّ البشرُ بمراحل الاندثار نفسِها من جنِّي صِناعي نعتمدُ عليه بسُرعةٍ غريبة قد تُسبِّبُ في وباء ضُعف وجهل في الأجيال المقبلة، بالتالي الاندثار؟

عندما تصبحُ الآلةُ مصدرَ المعرفة ودستورَها وتتحوَّل الكتبُ والمدارِسُ التقليديَّةُ إلى لوحاتٍ تعليميَّةٍ، تحتوي سبُل المعرفة، عندها تكونُ مصدرَ قلق دائم. ماذا لو أصابتنا موجةٌ كهرومغناطيسيَّة، أو حربٌ عالميَّة شاملة ترمي بالعلماء والمصانع في الجحيم. لن يتبقَى إلا آلاتٌ عديمةُ الفائدة لغيابِ الطَّاقة والخوادِم والحواسيب، عندها سينشأ جيلٌ جديدٌ ينظرُ إليها كوريث لجنِّي وادي عبقر.

 لو تخيَّلنا ماذا سيحدُثُ لكُلِّ الأجهزة بعد أيّ كارثة سنجدُ أنَّ الأجهزة أصبحت أدواتٍ غامضةً لا يعرِفُ أحدٌ كيف يُصنِّعُها أو يُشغِّلُها. بعد قرون، ستصبحُ قِصصًا غريبة مُخيفة، وبعد ألف سنة ستتحوَّلُ إلى أسطورة يتبنَّاها دين ما. الأمر ليس وهمًا، لنتصوَّر أنَّ بعد الكارثة سيُخبرُ رجلٌ عجوز حفيدَه عن الطائرة التي لم يرَها لأن جدَّه أخبره عنها. عندما يكبَر الطِّفلُ سيقولُ كان أجدادُنا يركبون طيورًا، وبعد أجيال ستتحدَّثُ الرواية عن آلهةٍ كانت تهبُط من السَّماء وتحمِلُ البشر إلى حيث لا يعرفون.

هذا السيناريو قابل جدًا للحُدوث، خاصة أننا نعيشُ ونسمعُ حكايا قديمةً على المنوال نفسِه تتحدَّث عن الذين هبطوا من السَّماء.

قبل الختامِ، سأُشاركُكم سرّي العظيم: طالما أحببتُ جنيّ وادي عبقر، وطالما أردتُ الذَّهابَ إلى تخوم الجزيرة العربيَّة سعيًا للقاء ذاك الجنِّي ليُخبرَني بالحقيقة.

وادي عبْقر بين اليمن وعُمان
---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply