وادي عبقر: هل يصنع السحر الشعر أم يصنع الشعر السحر؟
هِيَ السِّحرُ إِلّا أَنَّ لِلسِّحرِ رُقيَةً
وَأَنِّيَ لا أُلفي لَها الدَهرَ راقِيا
قيس بن الملوح
وأغراني الضوء الهارب من العتمة في قلبي، فقلتُ: مهلًا لأجد شاعرًا يرويني، وربما يرثيني حين تغفو حكايا القلب في طرف الوادي…
إنها عاصفة الشعر: لا تُبقي ولا تذر.
وقد هبّت تلك العواصف على الشعراء منذ الجاهلية، وأخذت منهم مأخذًا، حتى نسج الرواة حول عدد من كبار الشعراء أخبارًا عن شياطين تمدّهم بالبلاغة والفصاحة وسحر الكلام وبيانه، وسمّوا لبعضهم قرناء من الجن.
فإذا مرّت بنا الحكاية بوادي عبقر، أنشد المرّار بن منقذ العدوي، في بيت اختلفت رواية بعض ألفاظه في المصادر:
عَبْقَر؛ فأَما قول مَرَّار بن مُنْقِذٍ العَدَوي:
هل عَرَفْتَ الدارَ أَم أَنكرتَهَا
بَيْنَ تِبْراكٍ فَشَمَّيْ عَبَقُرْ
/ وفي في الصحاح: فَشَسَّيْ عَبَقُرْ/
وعَبْقَر اسم موضع غامض اختلف القدماء في تحديده، وزعمت العرب أنه من أرض الجن، ثم استقر في المخيال الأدبي بصورته الأشهر: وادي عبقر.
وقال لبيد:
وَمَنْ فَادَ مِنْ إِخْوَانِهِمْ وَبَنِيهِمُ
كُهُولًا وَشُبَّانًا كَجِنَّةِ عَبْقَرِ
مَضَوْا سَلَفًا قَصْدُ السَّبِيلِ عَلَيْهِمُ
بَهِيًّا مِنَ السُّلَّافِ، لَيْسَ بِجَيْدَرِ
ولم تبقَ عبقر مكانًا غامضًا في الذاكرة العربية فحسب، بل تجاوز الاسم جغرافيته حتى أصبح صفةً لكل ما يجاوز المألوف في الجودة والقدرة؛ فمن عبقر جاءت العبقرية. وكأن اللغة نفسها اختصرت رحلة الأسطورة كلها في كلمة واحدة، فنقلت المكان من أرض الجن إلى عقل الإنسان وموهبته.
ومما جاء في المرويات الأدبية أسماء لشياطين الشعراء وقرنائهم من الجن، وغلبت على أشهر الأسماء التي حفظها الرواة صفة الذكورة؛ فذكروا لافظ بن لاحظ قرين امرئ القيس أو جنيّه، وهاذر بن ماهر شيطان شعر النابغة الذبياني، ومسحل بن أثاثة صاحب الأعشى… وغيرهم.
ومنحت الروايات هؤلاء أسماء غريبة ذات جرس ينسجم مع عالم الجن والمخيلة، حتى بدا جنيّ الشعر شريكًا خفيًا للشاعر، يأتيه بما يعجز غيره عن الإتيان به.
لكن المخيال الأدبي لا يمنع الصورة من أن تتأنث أيضًا، فتغدو ملهمة الشاعر جنيّته التي تأتيه من وادي الشعر، وتلقي عليه من سحرها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، فيخرج يناجي الليل والسَّحر بسحر الكلام ونثر البيان.
فهل من دلائل على وجود جنيات الشعر أو شياطينه لدى الشعراء بصورة عامة؟
ذكر الدكتور مبروك المنّاعي في كتابه الشعر والسحر أن المعتقد الشعبي ربط الخلق الشعري بعالم الجن قبل الإسلام وبعده، وتناول أوجه التوازي بين الشعر والسحر، وما يجمعهما من آليات رمزية تقوم على المشاكلة والمحاكاة والأثر الذي تحدثه الكلمة في المتلقي. (المناعي، 2004، وتضاف الصفحة في التوثيق النهائي).
وقد تناولت دراسات كثيرة هذا الاعتقاد في إطار الأساطير القديمة أو الميثولوجيا، التي لم تكن الثقافة العربية بمنأى عن نظائرها في الثقافات اليونانية والرومانية وغيرها؛ فهي، في جانب منها، جزء من محاولات الإنسان القديمة لفهم الإبداع والقوى التي تتجاوز تفسيره المباشر.
لذلك نحن هنا لا نخوض في مصداقية وجود شياطين الشعر من عدمها، بل نغوص في الدلالات الرمزية لتلك المقولة.
ولعل هذا هو الحد الفاصل الذي ينبغي ألا يغيب عن السؤال: فالسحر الذي نعنيه هنا ليس السحر بمعناه المادي أو الغيبي، بقدر ما هو ذلك الأثر الذي تحدثه اللغة حين تتجاوز مألوفها، والصورة حين تفاجئنا بما لم نتوقعه، والخيال حين يجعل المستحيل ممكنًا داخل القصيدة.
ولعل «شيطان الشعر» لم يكن، في أحد وجوهه الرمزية، إلا محاولة قديمة لمنح اسم لذلك السر الذي يجعل شاعرًا يقول ما لا يستطيع غيره أن يقوله.
فالقدرة التصويرية التي يمارسها الشاعر، وتخيّل ما ستكون عليه الحال، تشبه من بعيد ما نُسب إلى السحر من توقع ما سيحدث أو الإخبار عن الغائب.
لكن هذا التوافق لا يعني أن الشعر يلتقي بالسحر بالمعنى المادي، وإنما بالدلالة والرمز.
وفي مرحلة ما، أعتقد أن ذلك كله جزء من شخصية الشاعر ذاته؛ فهو ينفرد بمعجمه اللغوي والشعري دون سواه، وبطريقته في رؤية العالم وإعادة تشكيله، وبالتالي بقدرته التنبؤية أو التصويرية، أو في تخيّل الغائب والممكن والمستحيل.
وقد يكون ما سمّاه القدماء جنيًّا أو شيطانًا هو ذلك الجزء المستعصي على التفسير في فعل الإبداع نفسه؛ فما يقوله الشاعر يولد منه، ولكنه لا يولد من ذاته وحدها، بل من لغة سبقته، وذاكرة سكنته، وصور وتجارب ووجوه وأصوات تراكمت في داخله حتى خرجت، في لحظة ما، قصيدة.
هذا التساؤل يقودنا إلى ذلك الطابع السحري الذي تجود به القصائد، والخيال الذي يمتطي اللامعقول في الوصف والكلام المجازي، وأشكال فذة من الاستعارة والتصوير، حتى يظن القارئ أن الشاعر قد ركبه جنيّ الشعر، لما جاد به من خارق الكلام، ودقيق الوصف، ورصانة المشهد.
فهل يصنع السحرُ الشعرَ؟
الشعر كلام ظاهر وآخر باطن، وكلاهما أداته اللغة. لكن القصيدة، ما إن تغادر شاعرها إلى قارئها، حتى تنفتح على أكثر من تأويل، ولا يعود الشاعر مالكًا وحيدًا لمعناها.
ومع ذلك، يظل وحده صاحب التجربة الباطنة الأولى التي ولّدتها.
قد نختلف جميعًا في معنى القصيدة، أما اللحظة التي أنشأتها، بذاكرتها وانفعالها وخوفها ورغبتها، فلا يملكها كاملة إلا صاحبها.
ومن هنا يحتفظ الشاعر بشيء من تاج مُلك القصيدة؛ لا لأنه يحتكر معناها، وإنما لأنه يعرف من أي عتمة خرج الضوء الأول الذي أشعلها.
فالباطن المعرفي والانفعالي الذي أنتج القصيدة، بقدر ما هو فردي، هو أيضًا ابن ذاكرة جمعية؛ تبدأ من وادي عبقر، حيث الشاعر وجنيّه أو جنيّته، وتمتد إلى الرواية الشائعة في الذاكرة الأدبية عن المعلقات وأستار الكعبة.
وهذا ما عرفته الذاكرة العربية منذ القديم في الحكايات والأدبيات المتصلة بوادي عبقر، وما التصق به لاحقًا من صورة إلهام الشعراء، حتى صار الوادي في المخيال الأدبي أقرب إلى موطن رمزي للشعر ومصدر لسره، وظل شعر الجاهليين نفسه، بسحره وروعته وبلاغته، شاهدًا على السؤال الذي أنشأ تلك الحكايات.
فهل وادي عبقر حقيقة؟ أم أنه الاسم الذي منحته المخيلة القديمة لتلك العاصفة التي تداهم وادي الشعراء، فلا تُبقي ولا تذر منهم إلا من كان ثقيلًا لا يغريه عذب الكلام ولا سحر الخيال؟
لتصبح مفردة السؤال للشاعر المبدع:
أوقد زارك شيطان شعرك؟
وحين قيل عن الشعر إنه ديوان العرب، فلأن الشعراء وضعوا فيه قصصهم وأحلامهم وعشقهم وشجونهم، ولكن الفرق بين قصيدة وأخرى هو ذلك السحر العذب الذي يفيض به شاعر عن آخر.
فإذا لم يصنع السحرُ الشعرَ…
فهل يصنع الشعرُ السحرَ؟
في قصيدة امرئ القيس شيء من الإجابة:
وَلَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أَرْخَى سُدُولَهُ
عَلَيَّ بِأَنْوَاعِ الهُمُومِ لِيَبْتَلِي
فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا تَمَطَّى بِصُلْبِهِ
وَأَرْدَفَ أَعْجَازًا وَنَاءَ بِكَلْكَلِ
أَلَا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلَا انْجَلِي
بِصُبْحٍ وَمَا الإِصْبَاحُ مِنْكَ بِأَمْثَلِ
فَيَا لَكَ مِنْ لَيْلٍ كَأَنَّ نُجُومَهُ
بِكُلِّ مُغَارِ الفَتْلِ شُدَّتْ بِيَذْبُلِ
كَأَنَّ الثُّرَيَّا عُلِّقَتْ فِي مَصَامِهَا
بِأَمْرَاسِ كَتَّانٍ إِلَى صُمِّ جَنْدَلِ
…..
مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعًا
كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ
أقف مذهولة كلما حاولت تتبع الحركة في الشعر، وذلك الانتقال العبقري للصورة.
فالشاعر هنا لا يقول لنا إن الفرس سريع وحسب، وإنما يجعل الحركة تتفجر داخل الكلمات نفسها: كرٌّ وفرٌّ، وإقبال وإدبار في لحظة واحدة، ثم يقذف بالصورة كلها إلى جلمود صخر يهوي به السيل من أعلى.
لم تعد اللغة تصف الحركة؛ كأنها أصبحت هي الحركة نفسها.
وربما في هذه اللحظة تحديدًا نفهم لماذا كان القدماء، وهم يصغون إلى مثل هذا الشعر، يبحثون عن شيء يتجاوز الصنعة وحدها ليعللوا به هذه القدرة.
فهل هذا سحر الشعر؟
نعم، هذا هو السحر…
وهو ذات السحر الذي نجده في قصيدة الشاعر اليمني محمد أحمد المنصور، «سِحرٌ وسَحَر»:
آمنتُ بالسحرِ في الألحاظِ يا سَحَرُ
وفي ائتلاف الجبين الغضِّ يا قمرُ
آمنتُ فيك بلا رسلٍ ولا كتبٍ
كلا ولا جاءني أمرٌ ولا نذرُ
آمنتُ فيك ولم أصعدْ بمركبةٍ
ولا براقٌ وراء القدس ينتظرُ…
هنا أيضًا يغادر السحر عالمه الغيبي ليدخل عالم الجمال واللغة؛ فليس في الألحاظ سحر بالمعنى المادي، ولكن أثرها في الشاعر هو الذي يستعير للسحر اسمه.
وهكذا تفعل القصيدة نفسها: تأخذ مفردة مألوفة، ثم تعيدها إلينا وقد امتلأت بدلالة أخرى.
ولعل الأدق أن نسأل: لماذا يبدو هذا السحر أكثر ظهورًا في الشعر؟
فالفنون الأدبية جميعها تقوم، بدرجات متفاوتة، على الوعي والخيال والصنعة؛ وفي الرواية مثلًا تحليل واستنتاج وبناء للشخصيات وتصادم بينها، وفعل عقل بشري يبتكر الشخصيات ويحركها وفقًا لخصائصها، وصولًا إلى مصائرها داخل النص.
لكن الشعر، ربما أكثر من بعض الأجناس الأدبية، يملك قدرة على الإفلات من المنطق المباشر، وعلى اختصار المسافات بين أشياء لا يجمع بينها في الواقع جامع.
فهو يتنصّل من العقل تارة، وتارة يُعمل الحكمة ليصف ما فوق الخيال، وينسلّ من قيود الزمان والمكان لتغدو معه في عالم آخر، تحار فيه بين الحقيقة والخيال.
وربما لن نجد جوابًا نهائيًا عن العلاقة بين الشعر والسحر؛ ولكن لعل ما أطلق عليه القدماء «شيطان الشعر» كان اسمهم لذلك المجهول في عملية الإبداع، بينما نسمي نحن أثره اليوم خيالًا، وصورةً، وانزياحًا، وإيقاعًا، ودهشة.
تغيّرت الأسماء، وبقي ذلك السر: أن تتكون القصيدة من الكلمات التي نعرفها جميعًا، ثم يفعل بها شاعر ما يجعلنا نشعر أننا نراها للمرة الأولى.
وهنا لا يكون السحر هو الذي صنع الشعر، بل يكون الشعر قد صنع سحره بنفسه.
ومفردة السؤال واحدة من متاهات المعرفة التي ما زلنا نلهث وراءها.
ويبقى الشاعر يعزف ذات اللحن بلا خوف ولا تردد، مهما كان جنيّه ـ أو جنيّته ـ حقيقة أم خيالًا.
وما زال الضوء الهارب من العتمة في قلبي يغريني لأقول:
مهلًا لأجد شاعرًا يرثيني.
---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل