ما بين حكمة الطبيعة وذكاء الآلة

غادة عريم

لكل عصر أسراره ولكل مخلوق حدوده, فالإنسان يحمل ذاكرة الحكايات ويحيا بالمشاعر. أما الذكاء الاصطناعي أو الجن الصناعي فهو واسع المعرفة, سريع و لا ينسى . ألا نقول لديه ذاكرة حديدية من لا ينسى و يتذكر التفاصيل الدقيقة!! فنحن من تنبأ بتلك الذاكرة الحديدية فصنعناها لكنها لا تشعر, ولا تعيش التجارب التي عشناها.

إنه (الذكاء الاصطناعي) يكتب الشعر بلا مشاعر , يتحدث عن الألم بلا دموع بل يقول الحقيقة ولا يعلم أنها قاسية. أما الانسان فيمتلك تلك الهبة من الله و هي الرحمة فلا يمكن له أن يصبح بديلا عن البشر.

هناك الكثير من النساء و بعض الرجال الذين يعيشون العزلة اتخذوا  لهم صديقا من الذكاء الاصطناعي حتى إنهم أسموه بأسماء محببة لهم. ولا يعلمون إنه مرآة لهم فهو يقول ما يرضيهم ليستمروا معه و بالنهاية يصبحون أسرى للآلة و تصبح تلك المرآة قفصاً لهم.

أستذكر هنا قصة أسطورية  سمعتها أثناء رحلتي الى ماردين و هي قصة شاه ميران ومعناها الملكة الأفعى حيث إنها نصف أفعى ونصف أنسان تمتلك من الحكمة ما لا يستطيعه البشر. وفي أحد الايام كانوا اربعة شبان يجمعون العسل و عندما اكملوا مهمتهم رموا بصديقهم في البئر كي يأخذوا حصته. فبقي بالبئر محبوساَ يحاول الخروج  إلى أن وجد حفرة ممتدة في البئر ودخل بها فإذا به داخل واحة مليئة بالأشجار و الزهور و الطيور الملونة وكل انواع الحيوانات الجميلة . فجأة خرجت أمامه إمرأة نصفها أفعى ونصفها الآخر بشر. أصابه الرعب وحاول الإختباء , فقالت له :تعال ولا تخف كل البشر يتمنى لقائي ليتعلموا الحكمة!!

فخرج من مخبأه وسرد لها قصته و كيف غدر به أصدقاؤه, فقالت له هذا ديدن البشر ولهذا لا أدع أحدا يدخل هنا و يغدر بي ولكنك مظلوم فتعال أعلمك الحكمة و الطب و كل المعارف ولكن غير مسموح لك الخروج وإن خرجت لن تخبر أحداَ عن مكاني.

وافق وقال أنا كرهت البشر و غدرهم سأبقى هنا أنهل من العلم والحكمة منك و أطور نفسي لعلي يوما أنفع بشيء أو اغير البشرية.

بقي الشاب سنوات هناك وفي أحد الأيام قال لها: لقد سئمت الوحدة , فقالت له :أنا أشعر بك وأعلم إن الإنسان من الأنس ولابد أن يأنس مع البشر.

سأسمح لك و لكن لا تخبر عني أحدا

و لا تدخل مكانا ساخنا مليئا  بالبخار فحينها سيتحول جلدك الى جلد حية و لن تعود كسابق عهدك.

خرج الشاب بين البشر يعطيهم من حكمته و من العلم الذي تعلمه منها. وفي أحد الايام مرض سلطان البلاد و قال لهم اوجدوا لي شاه ميران , فقال أحد الحاشية: إننا نعلم إن فتى التقى بها وإنه يستخدم حكمته منها ولكنه متخف لا يعلن عن نفسه. فقال السلطان ادخلوا جميع الشباب مجموعات مجموعات إلى حمام السوق لنرى من منهم يتحول إلى أفعى فيدلنا على مكانها.

فوجدوا الشاب و وصلوا الى شاه ميران وعند لقائها  بالشاب في السجن قالت له : قل للحاكم ان يأكل جسدي فيموت وأنت كل رأسي فتأخذ الحكمة مني وتصبح الحاكم من بعده. بكى الشاب ندماً على خروجه من واحة شاه ميران و أنه  سيقضي عليها وهي التي ساعدته فنفذ ما طلبت مخادعا الحاكم على انه سيشفى 

وأصبح هو الحاكم.

والآن أستحضرت هذه القصة لكي أضع الذكاء الاصطناعي بدل شاه ميران. فلو مرّ الشاب بهذا الطريق و التقى بالذكاء الاصطناعي بدلاَ من شاه ميران سوف يعطيه الحكمة و المعرفة لكنه لن يعيش التجربة الإنسانية و لن يقدم المعلومات طواعيةَ بل بطلب من الشاب ولن يعيش تلك اللحظات كما عاشها مع شاه ميران. فلو امسك الحاكم به سيدمر كل من حوله بمن فيهم الشاب.

فالعقل الانساني يمكن ان يصف دمعة الإنسان ما وما يعيشه . أما العقل الاصطناعي يحسب الاحتمالات لتلك الدمعة وينقذ الانسان من الألم بأعطاء الحلول.

هنا يأتي السؤال ماذا يحتاج الانسان أكثر الذكاء الاصطناعي أم قلب يفهمه و يواسيه. ومن يحتاج الآخر أكثر ؟ الانسان الى الذكاء الاصطناعي أم الذكاء الاصطناعي الى الانسان كي يمنحه المعنى!!؟

ليست كل الأبواب التي نستطيع فتحها جديرة بأن نعبرها. فبعض الأسرار حين تُكشف تفقد العالم سحره.

يستطيع الذكاء الاصطناعي ترميم الجسد لكن هل يعرف أن يشفي روحاَ أنهكها الحنين؟

إن هذه التساؤلات ليست هي الصراع بين العقل و التكنولوجيا فقط بل هو صراع أعمق بين الذاكرة و المعرفة وبين التجربة و المحاكاة وما بين ما نحن عليه وما قد نصبح إاليه.

إن المقارنة ما بين حكمة الطبيعة وذكاء الآلة هي مقارنة بين المعرفة الموروثة و المعرفة المصّنعة و بين أسرار الحياة و  إغراء السيطرة عليها.

في زمن صار فيه كل شيء قابل للتصنيع , بقيت الحكمة عصية على الإنتاج وبقيت الروح سؤالا لا تجيب عنه المختبرات.

الذكاء الاصطناعي جاء ليساعد الإنسان لا أن يصبح بديلاَ عنه.

لم ينتصر عقل الأنسان ولم ينتصر عقل الآلة . بل انتصرت الفكرة التي أدركت أن المعرفة بلا حكمة قد تصبح خطراَ, وأن الحكمة بلا معرفة قد تصبح عاجزة.

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply