عندما بدأت أستخدم الذكاء الاصطناعي في عملي، كان استخدامي له بسيطًا ومباشرًا: أطلب منه أن يكتب، يلخص، أو يبحث. لكن مع الوقت تغيرت طبيعة العلاقة. لم يعد الأمر مجرد سؤال وإجابة، بل أصبح أقرب إلى حوار مستمر، وأحيانًا إلى نوع من الصراع الفكري.
في البحث العلمي، كثيرًا ما أطرح عليه فكرة بحثية لدي، وأبدأ بمناقشتها معه. أطلب منه أن يقترح بدائل، ثم أطلب منه أن ينتقد الفكرة ويبحث عن نقاط ضعفها. وأحيانًا أختلف معه وأجادله في إجابته، ثم أطلب منه أن يعيد التفكير فيها. هذا النوع من الحوار يجعلني أراجع أفكاري بطريقة مختلفة، وقد يقودني أحيانًا إلى تعديل السؤال أو المنهجية قبل أن أبدأ العمل فعليًا.
وفي مجال الاقتصاد الصحي، أستخدمه عندما أواجه مفهومًا أو منهجية تحتاج إلى تفكير. قد أطلب شرح الفكرة بطريقة مبسطة، ثم أنتقل إلى مستوى أكثر تعقيدًا، ثم أسأل: كيف يمكن تطبيقها في الواقع؟ وما المشكلات التي قد تظهر عند تطبيقها؟ بالنسبة لي، قيمة الحوار هنا ليست في الحصول على إجابة سريعة، وإنما في الوصول إلى فهم أفضل.
حتى في الكتابة الأكاديمية، لا أطلب منه ببساطة أن يحسن النص. أحيانًا أعطيه ما كتبت وأسأله: هل الفكرة واضحة؟ هل هناك تكرار؟ هل الحجة مقنعة؟ ماذا يمكن أن يقول المراجع؟ وقد يكون الرد أحيانًا غير مريح، لكنه مفيد؛ لأن الهدف ليس أن يؤكد لي أن ما كتبته جيد، بل أن يساعدني على اكتشاف ما يمكن تحسينه.
وفي التدريس، أصبح الحوار معه جزءًا من عملية التحضير. أتناقش معه حول أفضل طريقة لشرح مفهوم معين، وأطلب أمثلة وحالات يمكن أن تجعل الموضوع أقرب للطلاب. ثم أختار ما يناسبني وأعيد صياغته بما يتوافق مع أسلوبي وطريقة تدريسي.
حتى في المهام اليومية، مثل كتابة الإيميلات أو إعداد المقترحات والعروض، غالبًا لا أبدأ بطلب النص النهائي. أكتب أفكاري كما هي، حتى لو كانت غير مرتبة، وأستخدمه لمساعدتي في تنظيمها. ثم أراجع الناتج وأعدله. فالعملية بالنسبة لي ليست “اكتب لي”، وإنما “دعنا نرتب هذه الفكرة معًا”.
لكن هل هو حوار دائمًا؟ ليس بالضرورة.
أحيانًا يتحول الحوار إلى صراع. عندما يقدم لي إجابة لا أقتنع بها، أجادله. وعندما أشعر أن تحليله سطحي، أطلب منه أن يتعمق أكثر. وأحيانًا أتعمد أن أطلب منه أن يتبنى وجهة نظر معاكسة لرأيي حتى أختبر قوة حجتي.
وهنا أعتقد أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي تظهر. أفضل استخدام له بالنسبة لي ليس عندما يقول لي إنني على حق، وإنما عندما يجعلني أتساءل: هل أنا فعلًا على حق؟
ومع ذلك، يبقى هناك خط لا يمكن تجاوزه. لا أتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره صاحب القرار أو المصدر النهائي للحقيقة. خصوصًا في البحث العلمي والمعلومات المتخصصة، أحتاج إلى التحقق من المصادر والرجوع إلى الأدلة الأصلية. دوره بالنسبة لي هو أن يساعدني على التفكير والبحث والمراجعة، بينما يبقى الحكم النهائي مسؤولية الإنسان.
لذلك، إذا كان عليّ أن أصف علاقتي بالذكاء الاصطناعي اليوم، فلن أصفها بأنها استخدام لأداة فقط. هي أقرب إلى حوار؛ حوار قد يكون سلسًا، وقد يتحول أحيانًا إلى صراع، لكن في الحالتين تكون النتيجة الأفضل عندما يخرج كل طرف منه بفكرة أوضح.
وربما هذه هي المفارقة الجميلة في علاقتنا مع الذكاء الاصطناعي: لا أحتاج منه أن يفكر بدلًا مني، بل أحتاجه أحيانًا إلى أن يجعلني أفكر أكثر.
---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل