
أبو العلاء المعرِّيّ أحمد بن عبد الله بن سليمان القُضاعيُّ التَّنوخيُّ شاعرٌ فيلسوف، وُلِد في معرَّة النُّعمان (الواقعة جنوبيّ إدلب في سوريا) سنة 363 للهجرة ومات فيها. فقد بصره في السَّنة الرَّابعة من عمره بعد إصابته بالجدريِّ. طرق أبواب الشِّعر في صدر حياته ثمَّ لزم داره فسُمِّيَ “رهين المحبسين”؛ محبس العمى ومحبس الدَّار.
رحل إلى حلب وأنطاكية واللَّاذقيَّة وطرابُلس الشَّام وبغداد لأجل طلب العلم، وقيل أيضاً إنَّه ذهب إلى صنعاء.
كان مُتَّقد الذِّهن عجيب الحفظ، وكان يقول: ما سمِعْتُ شيئاً إِلَّا حَفِظْتُهُ، وما حَفِظْتُ شيئاً فنسِيتُهُ. وكان إذا أراد التَّأليف أملى على كاتبه عليٍّ بن عبد الله بن أبي هاشم.
ترك مؤلَّفات كثيرة منها ديوان (سَقْط الزَّند) وديوان (لزوم ما لا يلزم) أو (اللُّزوميَّات) وقد بناه على حروف المُعجم وألزم نفسه فيه قيوداً زائدة على قيود القافية وأحكامها. وفسَّر غريب شعر (سقط الزَّند) في (ضوء السَّقط). ومن تصانيفه (رسالة الغفران) في وصف أحوال النَّعيم والسَّعير، (الفصول والغايات) بناه على حُرُوف المُعجم أيضاً، (الأيك والغصون) في الأدب، (تاج الحرَّة) في النِّساء وأخلاقهنَّ وعِظاتهنَّ، (رسالة الملائكة) في الصَّرف، (رسالة الصَّاهل والشَّاحج) يتكلَّم فيها على لسان حصان وبغل، و(زجر النَّابح) ألَّفهُ للرَّدِّ على من اتَّهمه بالإلحاد في شعره. وله (عبث الوليد) في شرح ديوان البحتريِّ، (مُعجز أحمد) في شرح ديوان المُتنبِّي، وشرح ديوان ابن أبي حُصينة.
له آراء الفلاسفة وخيال الشُّعراء.
قال من قصيدة يرثي فيها فقيهاً حنفيَّاً:
|
غَيْـرُ مُجْـدٍ فـي مِلَّـتي واعتقـادي |
نَـــوْحُ بـــاكٍ ولا تَرَنُّـمُ شــادِ |
|
وشــَبيهٌ صــَوتُ النَّعــيِّ إذا (قِـيـ |
سَ) بصــَوْتِ البَشـيرِ فـي كـلِّ نـادِ |
|
أَبَكَــتْ تِلْكُــمُ الحَمامـةُ أم (غَـنـَّ |
تْ) علـى فرعِ غُصـنِها المَيَّادِ |
|
صـاحِ هـذي قُبورُنـا تَمْلأ (الـرُّحـ |
بَ) فـأينَ القُبـورُ مِـن عهـدِ عـادِ |
|
خَفِّـفِ الـوَطْءَ مـا أظُـنُّ أدِيـمَ (الـ |
أرضِ) إلَّا مِـــن هــذهِ الأجســـادِ |
|
وقبيــحٌ بنــا وإنْ قَــدُمَ (العَـهـ |
دُ) هَـــوانُ الآبـــاءِ والأجـــدادِ |
|
سـِرْ إنِ اسـْطَعتَ في الهواءِ رُوَيداً |
لا اخْتيــالاً علـى رُفاتِ العِبـادِ |
|
رُبَّ لَحْـدٍ قـد صـارَ لَحْـداً مـِراراً |
ضــاحكٍ مِــن تزاحُــمِ الأضـدادِ |
|
وَدَفيـــنٍ علــى بقايــا دَفيــنٍ |
فــي طويــلِ الأزمــانِ والآبــادِ |
|
فاســألِ الفَرْقــدَينِ عمَّـن أحَسَّا |
مِـــن قَبيــلٍ وآنَســا مــن بلادِ |
|
كــم أقامــا علــى زوالِ نَهـارٍ |
وأنـــارا لمُدْلِــجٍ فــي ســَوادِ |
|
تَعــبٌ كُلُّهــا الحيــاةُ فمـا (أعـْ |
جَــبُ) إلَّا مِـن راغـبٍ فـي ازديـادِ |
|
إنَّ حُزنـاً فـي سـاعةِ الموتِ (أضعا |
فُ) ســـُرورٍ فـــي ســاعةِ الميلادِ |
|
خُلِــقَ النَّــاسُ للبقـاءِ فضــلَّتْ |
أُمَّــــةٌ يَحســـَبونهم للنَّفـــادِ |
|
إنَّمــا يُنقَلُــونَ مِـن دارِ (أعمـا |
لٍ) إلـــى دارِ شــِقْوَةٍ أو رَشـادِ |
|
ضـَجْعةُ المَـوتِ رَقْـدَةٌ يسـتريحُ (الـ |
جسـمُ) فيهـا والعيـشُ مثلُ السُّهادِ |
|
أبَنــاتِ الهَـديلِ أسـعِدْنَ أو (عِـد |
نَ) قليـــلَ العـــزاءِ بالإســعادِ |
|
إيــهِ للهِ دَرُّكُـنَّ فـأنتُنَّ (الـلـَّ |
ـواتي) تُحْســِنَّ حِفـظَ الــوِدادِ |
|
مـا نَسـيتُنَّ هالِكـاً في الأوانِ (الـ |
خالِ) أودَى مِـن قَبـلِ هُلـكِ إيـادِ |
|
بَيْـدَ أنِّـي لا أرتضـي مـا فعلْتُـنَّ |
وأطـــواقُكُنَّ فـــي الأجيـــادِ |
|
فتَســـلَّبْنَ واسـتَعِرْنَ جميعـــاً |
مــن قميـصِ الـدُّجى ثيـابَ حِـدادِ |
|
ثُــمَّ غـرِّدْنَ فـي المـآتمِ و(انـدُبْــــ |
نَ) بِشَــجوٍ مع الغـواني الخِـرادِ |
ومنها:
|
كُـلُّ بيـتٍ للهَـدمِ ما تَبتني (الوَر |
قــاءُ) والسـَّيِّدُ الرَّفيـعُ العِمـادِ |
|
والفتـى ظـاعِنٌ ويَكفيـهِ ظِـلُّ (السَّـ |
دْرِ) ضــَرْبَ الأطنــابِ والأوتـادِ |
|
بـانَ أمـرُ الإلـهِ واختَلَفَ (النَّـا |
سُ) فَـــداعٍ إلـــى ضَـلالٍ وهــادِ |
|
والَّـذي حــارتِ البَريَّـةُ فيــهِ |
حَيَـــوانٌ مُســتَحدَثٌ مِــن جَمــادِ |
|
واللَّـبيبُ اللَّـبيبُ مَـن ليس يَغْترُّ |
بِكَــــونٍ مَصـــيرُهُ للفَســـادِ |
